"أزهار في مياه العزلة" دراسة نقدية عن زاهر الغافري

مشروع الشاعر العماني زاهر الغافري الشعري، وهو مشروع رؤيوي صاف، لا يحمل إلا اسمه، انقادت له مياه النهر وأسلمته سلاستها، لكنه ظل مأخوذا بسحر الينابيع القصيّة، ساعيا إلى ليل دهشتها، لا لشيء إلا ليحيا الشعر بكامل حواسه، ويعيشه كحياة يومية أو كليل سري يتأمله كقصيدة.
الثلاثاء 2015/09/15
زاهر الغافري احد رواد قصيدة النثر في عمان

مسقط - “أزهار في مياه العزلة”، كتاب نقدي صدر عن المنتدى الأدبي بوزارة التراث والثقافة العمانية، يبحث في الصورة الفنية في شعر زاهر الغافري، من خلال قراءة الباحث علي بن عبدالله بن سالم الحضرمي في أعمال الغافري الشعرية، حيث اختار ديوان “أزهار في بئر” الصادر عام 2000، لإجراء مقاربة تحليلية ونقدية على العمل.

يضم الكتاب أربعة فصول قدمت نبذة عن اتجاه القصيدة العربية وقصيدة النثر في عمان وأعلامها، كما تطرقت إلى الصورة الفنية في النقد الشعري، والصورة التشبيهية، والاستعارية والرمزية، وخصص الفصل الرابع من الدراسة للتحليل النقدي لنصوص الديوان.

يقول الباحث علي الحضرمي: إن قصيدة النثر تعد تطورا فكريا وشكليا وموضوعيا عند شعراء العصر الحديث، أسوة بالأدباء الغربيين، الذين برعوا في هذا اللون من ألوان الفن الشعري، ولا نجزم إن كان هذا تقليدا لما لدى الغرب من أشكال شعرية غير خاضعة لقوانين لغتنا العربية، ولاختلاف حروف العربية وقواعدها البنائية عن اللغات الغربية المختلفة، وموسيقاها وأوزانها وعروضها، وما يختص بها ككيان لغوي.

يضيف الحضرمي: لقد اخترت ديوان “أزهار في بئر” للشاعر زاهر الغافري بعد تفكير عميق، واطلاع على الدواوين والدراسات وسؤال الشاعر عن أشمل دواوينه الشعرية وأعمقها تجربة، لتكون موضع الدراسة، ذات ثراء بالصور والتراكيب والأساليب البيانية والفنية اللغوية والأدبية.

فالشاعر يرتبط بثيمة الليل، كتوأم يمده بالخوف، وبقدر المغامرة التي تدني حياته من نافذة مفتوحة على هاوية حسب تعبيره.

وفي أزهاره التي يرميها في بئر غير معرّف، يائسا أو عابثا، بنضارة الفرح والأمل الموسميين والطارئين، أو محاولا الاحتفاظ بكنوزه في المكان السري الذي يليق بها، حيث العمق والظل والسر، يسرد الغافري سيرته كإيماءات تضيء مرة على وجوه الأصدقاء، ومرات في أماكن وأزمان وعلى صفحات الماء، وأدوات الطبيعة وأحوالها.

في أزهاره التي يرميها في بئر غير معرّف، يائسا أو عابثا، بنضارة الفرح والأمل الموسميين والطارئين، أو محاولا الاحتفاظ بكنوزه في المكان السري الذي يليق بها، حيث العمق والظل والسر، يسرد الغافري سيرته كإيماءات تضيء

من بين النصوص التي حللها الحضرمي نص “أي ليل”، يقول عنه: في نص أي ليل، يريد الغافري أن يختار ليله، يبحث عن حديث الأشياء من حوله، كائنات الليل والطبيعة، لا يحتمل الصمت الغامض الذي قد يعيده إلى البدايات، أو كما يقول الشاعر في نصه:

كل هذا الليل بلا عاصفة واحدة/ تجعلني أحلم/ بلا نافذة لكي أكون أعمى/ ليل بلا غصن يودع خطواتي/ فأكاد أسمع صرختي الأولى/ في غيابي.

وفي نص “بريق مستعاد من قلب الآلام”، يفر الشاعر هاربا من طرف الألم إلى قلبه أو العكس، وطريقه لا يخلو من الطعنات الغادرة، فيوازن بين الألمين:

لقد تجمعت حياتي كلها هناك/ في لحظة الهرب الأخيرة تلك/ مثل ضربة مطرق فوق قلب محطم.

ويتذكر الشاعر، ليروي ما يتذكر، كيف انهمر وراءه الرصاص، وقطاع طرق، حيث يكتب هذا النص:

في تلك اللحظة فقط/ في اللحظة تلك أدركت/ سر الطعنة خلف ظهري/ مدية بريقها مستعاد من قلب الآلام/ فقفزت قفزتي الأخيرة،/ مغمض العينين تماما/ في اتجاه المجهول،/ وتلقفني الهواء بذراعيه/ حتى وصلت إلى هنا.

ويتلاعب زاهر الغافري في زمن النص وروايته، فينتقل بين زمانين ومكانين، لينسج بعدا إنسانيا بسيطا وعميقا، عالما من صنع يديه، خال من الغدر والخيانات والجحيم، الذي ينصبه له الآخرون.

وكما في تحليل الكاتب علي بن عبدالله الحضرمي للنصوص، ينبه الشاعر حالته التي استكانت للتوّ إلى استقرار الإقامة والهدوء بتساؤل حاد حارق، يحن إلى الصعلكة والتشرد والسفر مع الذات وبها، بعد سنوات من التعود على الجلوس إليها، وعلى الحوارات الداخلية في صقيع الغربة، فهل في الإقامة متعة تعادل متع الاستكشاف والسفر، حيث المعرفة وطرد الأرواح الهاربة كالفراشات في الأفق.

وفي مجموعة الشاعر زاهر يوزع أزهار طفولته رغما عنه، في أيدي قرائه، رغم إعلانه منذ العنوان أنها مخبأة أو مغمورة في بئر، إذ يقول “مثل سجين يدحرج صخرة/ يقوده الكلام مع نفسه إلى آبار الطفولة”.

15