أزواج أنانيون ونساء معلقات محنة توهن المجتمعات العربية

الاثنين 2015/01/12
نظرة المجتمع والحفاظ على الاستقرار النفسي للأبناء يجبران المعلقة على تحمل مساوئ الزوج

القاهرة - دراسات وأبحاث كثيرة، أجريت للوقوف على الظواهر المسيئة للمرأة التي كرّمتها كافة الأديان السماوية، حفاظًا على كيانها واحترامًا لحقها في الحياة، ورغم أن ظاهرة الطلاق أو العنوسة تقض مضاجع عدد كبير من الأسر المصرية والعربية، إلا أن هناك الأسوأ الذي تعانيه المرأة، إذا عاندها حظها العاثر وحملت لقب "زوجة أو امرأة معلقة".

المرأة التي غالبًا ما تكون الجانب الأضعف في العلاقة الزوجية، فجأة يمكن أن تجد نفسها وحيدة وربما مسلوبة الحقوق، لمجرد خلاف مع الزوج، فيتركها دون طلاق أو التوصل إلى حل يحفظ للطرفين حقوقهما، فلا هي زوجة تتمتع بكامل حقوقها الزوجية، ولا مطلقة تعيش حياتها مثل أخريات، لتتسرب سنوات شبابها بين روتين الأوراق الرسمية، ودهاليز العادات والتقاليد.

الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس، أوضحت أن الزوجة المعلقة تصنف في علم الاجتماع على أنها حالة اجتماعية “شاذة”، فالحالات الاجتماعية معروفة للجميع، فهي (متزوج، مطلق، أعزب، أرمل)، وحتى تعدد الزوجات يدخل تحت بند متزوج، مؤكدة لـ“العرب”، أن التعليق يعتبر إيذاء نفسيًا للمرأة، ينتزع عنها حقوقها.

لم تكشف الدراسات عن أرقام محددة لهذه القضية، ولم تقدم لنا رؤية حقيقية لأسبابها، ويرجع السبب إلى قلة البحوث الاجتماعية في هذا المجال، وأوضحت الباحثة هناء كمال، لـ“العرب”، أن أكثر الصعوبات التي تواجه الأخصائيين الاجتماعيين في إجراء الأبحاث، أنهم لا يعثرون على”المعلقات” إلا في المحاكم، لكن يظل غياب المعلومة وحب التملك من جانب الرجل سببًا لهذا التعليق، مشيرة إلى أن الطلاق رغم مساوئه يضع حداً للعلاقة ويحفظ الحقوق.

قلة الأبحاث وصعوبة الوصول إلى الزوجات المعلقات، جعلت قضايا التعليق غامضة إلا على القانونيين، ويرى المحامي بالاستئناف رمضان سالم، أن الخلافات التي تؤدي إلى انفصال الزوجين دون طلاق رسمي عديدة، منها أن يكون الزوج بخيلًا لا ينفق على أولاده، أو مدمنًا يعيش لنزواته. وأضاف سالم لـ “العرب”، أنه على الرغم من خطأ الزوج، لكنه يعتبر طلب زوجته للطلاق طعنًا في رجولته، وإهانة له أمام المجتمع، لذلك يماطل فى منحها حريتها، لتنتقل القضية من مرحلة السر إلى العلانية وتواجه الزوجة المعلقة روتينا أكثر قسوة من زوجها، خاصة في ظل إطالة أمد التقاضي لسنوات عديدة في المحاكم المصرية، وقد ترفض دعواها من قبل المحكمة لعدم كفاية البيانات.

التفكك الأسري، والفشل في العمل والإحباط، من الأمراض الاجتماعية والنفسية التي تصيب الزوجة المعلقة

المرأة المعلقة مشكلة لا تقتصر على المصريات فقط، بل تعانيها زوجات عربيات، وقعن في مراوغة أزواجهن للقوانين، ما يمنع المرأة في هذه الحالة من الحصول على الضمان الاجتماعي أسوة بالمطلقات، لأنها بموجب الأوراق الرسمية، زوجة لها من يكفلها.

محمد مختار المحامي والمستشار في شؤون الأحوال الشخصية، قال لـ”العرب”، إنه رغم تعاطفه مع قضايا المعلقات التي يترافع فيها، إلا أن بعضها تكون فيها المرأة سببًا رئيسيًا، وكشف أن التعليق له مبرراته في بعض الأحيان، كوجود أطفال، وحرصًا من الزوجين على تنشئتهم في جو نفسي سليم، وقد يكون المراد من تعليق الزوجة دفعها للتنازل عن حضانتها للأبناء ونفقتهم.

أروقة المحاكم وأبوابها المغلقة، تضم الكثير من القصص التي تصور جوانب عدة من التعسف غير المبرر من جانب الزوج أو الأسرة أو المجتمع، وفي جولة لـ”العرب”، داخل إحدى المحاكم المختصة، قالت هند (زوجة وأم لطفلين)، إن كل ما حلمت به هو “عش زوجية” يملؤه الحب والدفء، شبيه بذلك الذي تربت في كنفه عندما كانت صغيرة، لكن يبدو أنها طلبت المستحيل، وتحول زواجها إلى كتلة من الصمت، وعندما صممت على معرفة السبب أملًا في تصحيح الأوضاع، صدمتها كلمات زوجها أنه لم يكن يحبها يومًا لتعلقه بأخرى.

أما حالة نادرة شفيق طبيبة أمراض النساء، فإنها تعد مأساة حقيقية، فبعد أشهر قليلة من زواجها، تدخلت والدة زوجها لتفسد عليها حياتها.

وروت نادرة لـ”العرب”، أن عمر زواجها لم يستمر أكثر من ثلاثة أشهر، حيث هجرها الزوج لتعود إلى بيت أسرتها حاملة فى أحشائها “سارة” تلك الطفلة التي كانت سببًا في عدم الطلاق.

التخلف والجهل ربما يدفعان الزوجين إلى الانفصال في بعض الأحيان، وهو ما أوضحته حالة (حمدية)، الزوجة التي هجرها زوجها بسبب إنجابها لخمس بنات دون ولد أو وريث، مأساة (حمدية) لم تتوقف عند جهل الزوج، بل امتدت إلى جهل أهلها الذين رفضوا إقامة دعوى قضائية تلزم الزوج بالإنفاق عليها وبناتها، وفضلوا أن يستمر زواجها صوريًا خوفًا عليها من لقب مطلقة.

الإسلام كرم المرأة وحافظ على حقوقها الشرعية والنفسية، هذا ما أكده الدكتور محمد الشحات الجندي، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لـ”العرب”، موضحا أن الإضرار بالزوجة أو تعليقها حرام شرعاً، ونهى عنه سبحانه وتعالى وأرشدنا إلى الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.

المرأة المعلقة حالة شاذة حرمت من صفتها الاجتماعية

وأشار الجندي إلى أن بعض الأسر تفضل أن تقوم على الشكل الخارجى، وهو نظام أجوف يتعارض مع طبيعة الزواج، حيث يلجأون إلى المقاطعة السلبية والصمت، حتى لا يتأثر الأبناء، فتقوم المرأة بأداء الواجبات الضرورية في المنزل، في الوقت الذي تقاطع فيه زوجها، ويصبحا غريبين تحت سقف واحد، الأمر يحرمه الإسلام، ففكرة المقاطعة السلبية مع استمرار الحياة الزوجية من القضايا التي تفتح الباب لحبائل الشيطان لدفع الزوجين إلى المعصية أو إقامة علاقات غير سوية مع آخرين.

وأكد المفكر الإسلامي أن القرآن نهانا عن (الزوجة المعلقة)، لقوله تعالى في سورة النساء “فتذروها كالمعلقة”، مشددا على كل زوج أن يتق الله في زوجته ولا يتركها معلقة، لأن تعليق المرأة نوع من أنواع العضل الذي لا يرضاه الله ورسوله، وقد أنصف الرسول زوجة ثابت بن قيس الأنصاري التى أتت إليه شاكية زوجها، وأمره الرسول بمفارقة زوجته لأنها لم تستطع البقاء معه لعدم محبتها له.

وشدد الجندي على ضرورة وجود دورات تثقيفية للمقبلين على الزواج، للتأكيد على أن الرابطة الأسرية، بين الزوج والزوجة، لقيام أسرة متماسكة وصحيحة من الأمور التي حث الشرع عليها، وأنه لا بد أن يحترم الزوجان حرمة هذه الأسرة.

التفكك الأسري، والفشل في العمل والإحباط، أمراض اجتماعية ونفسية تصيب الزوجة المعلقة، ويصل الأمر إلى الدمار النفسي الذي يؤذي أطفالها.

محمد عبدالواحد رياض أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، أكد لـ“العرب” أن الزوجات المعلقات تغلب عليهن العصبية، وعدم سعة الصدر والعزلة والتشاؤم، موضحًا أن مثل هذه الحالات تأتي محملة بالمتاعب، من جراء ضغط الأهل وقبولهم لوضع التعليق بشرط أن ترمي فلذات أكبادها للزوج مما يعرضها للانهيار النفسي.

ولفت استاذ الطب النفسي إلى أن الزوجة، في هذه الحالة، يسيطر عليها الخوف من نظرة المجتمع، وعدم احترام الصديقات لوضعها وخوفهن على أزواجهن منها، وهذه الظروف تجعلها مضطربة نفسياً، محذرًا من تطور بعض الحالات التي تصل إلى الإجرام انتقامًا لكرامتها، وربما تقع في الرذيلة لإشباع رغبتها الفطرية، بذلك تكون عرضة للأمراض النفسية لأنها فعلت ما هو ضد طبيعتها وأخلاقها، فتلجأ للطبيب بحثاً عن علاج كي تستعيد ثقتها بنفسها.

21