أزواج يعيشون في جلابيب أمهاتهم

الأحد 2015/04/26
الفرق بين الأم والزوجة أمر طبيعي ومتوقع لأن كلتيهما من جيل مختلف

تأثر الشباب بأمهاتهم أمر عادي، إنما المشكلة تكمن في أنه يبحث عن شريكة لحياته مثل أمه في المواصفات والطباع، تعرف شؤون البيت مثلما تفعل أمه، حتى لا يشعر يوما أنه غادر إلى بيت الزوجية، فالكثير من الشباب لا يريد الخروج من عباءة الأم على أمل أن يعيش حياة سعيدة هانئة، مثل التي كانت توفّرها له أمه.

يقول عصام الشناوي، مهندس مدني، إنه أصرّ عند الزواج أن يختار زوجة ست بيت تماما كأمه، لأنه منذ الصغر وهو متعلق بأمه، حيث كانت حنونة وجادة -على حد تعبيره- ويضيف: ومادمت قد ارتحت لأسلوبها في إدارة البيت، ولأنني أحببت أن استمر على هذا النمط من العيش، اخترت زوجة شعرت بأنها لن تحرمني مما اعتدت عليه في بيت أمي.

وأوضح أنه على قناعة تامة بضرورة أن يكون الزوج دبلوماسيا في التعامل مع كل من زوجته وأمه، كي لا تتوتر العلاقة بينهما، ومن الخطأ أن يقلّل من شأن زوجته، ويكفي أن يكون صريحا معها حتى تقوم بما يشاء.

وقال: في بداية حياتنا الزوجية، افتقدت أطباق الطعام الشهية التي كانت تحضّرها أمي بطريقتها الخاصة والمتميّزة، أخبرت زوجتي بالأمر، فسارعت وتعلّمت الوصفات، وها أنا اليوم أتلذّذ بكل ما تطهو زوجتي.

بالنسبة إلى عادل البنا، محاسب بأحد البنوك، فقد اختار شريكة حياته صورة طبق الأصل من والدته، لكي يتعايشا معا من دون مشكلات، ولم يغادر عادل بيت العائلة بعد زواجه، لذلك كان لا بد له من اختيار زوجة مطيعة وهادئة، تتمتّع بالطيبة والأخلاق الحميدة وتتفاهم مع أمه.

قد يصاب الزوج بالصدمة الأولى في حياته، إذ سرعان ما يكتشف أن زوجته لها طباع مختلفة عن أمه، وأنها لا تصبر عليه كما كانت تفعل أمه، وهنا يعتقد الزوج أن حياته فاشلة

ويؤكد: مر على زواجي ستة أعوام، لم يقع خلالها أيّ خلاف بين أمي وزوجتي، وهذه نعمة أدين بها لوالدتي، فهي عماد البيت والكلمة الأولى والأخيرة لها، ولو لم تكن متفهّمة لما عاملت زوجتي كابنتها ودرّبتها على طباعي، ويضيف: من بداية حياتي الزوجية حدّدت لزوجتي تعليمات معيّنة طالبتها بألا تحيد عنها، من ضمنها أن تسير على خطى أمي وأن تسمع كلامها، فأنا أستمع لرأي أمي أولا وزوجتي ثانيا، ومن ثم أقارن بينهما، وغالبا ما أنفّذ رغبات الوالدة، لأنني أقدّرها أكثر من أي شخص آخر.

أما خالد جلال، متزوج حديثا ويعمل مسؤولا للعلاقات العامة بشركة اتصالات، قال إنه يشعر بالارتياح في حياته مع زوجته، مع أن طباعها مختلفة عن أمه، ويرى أن الفرق بين الأم والزوجة أمر طبيعي ومتوقّع، لأن الحياة تتغيّر، وكلتاهما من جيل مختلف، فالكمال لله وحده، ومن غير العدل أن يدقّق الرجل في كل ما تفعله الزوجة، صحيح أن أبي كان يتعامل مع أمي على أنه “سي السيد”، يصرخ ويأمر ويقسو متى يشاء، لكني لا يمكن أن أقلّده في ديكتاتوريته، وليس في وسع زوجتي كذلك أن تصبر كما كانت أمي تفعل.

ويعتقد خالد، أن من أهم أسباب ارتفاع نسبة الطلاق أن رجال اليوم يتقمّصون شخصيات آبائهم، في حين أن بنات الجيل الحالي لسن أبدا كأمهاتنا، وحل هذه الأزمة في رأيه، يكون التفاهم والتراضي منذ البداية، وكما أن الزوج يطلع الزوجة على ما يحب ويكره، فمن واجبه أيضا أن يتعرّف منذ البداية، إلى ما يرضيها وما يضايقها، فأنا شيء وهي شيء آخر.

وتقول وفاء عبدالحميد، متزوجة منذ 22 عاما، إنها لا تزال إلى اليوم تشعر بالضيق من زوجها إذا قارنها بأمه، “أنا بالطبع مختلفة عنها، ولا مجال للمقارنة بيننا، هي شيء وأنا شيء آخر، وتأثيري فيه مختلف عن تأثيرها فيه -فعلى سبيل المثال- لم يواظب زوجي على واجباته الدينية إلا بعد ارتباطه بي، ومع أن حماتي امرأة ملتزمة، لكنها لم تستطع تغييره”، وتؤمن وفاء بالمثل القائل: ابنك كما تربيه وزوجك كما تعوّديه، معتبرة أن الزوج تماما كالطفل، يحتاج إلى تربية الزوجة على مزاجها.

التعايش تحت سقف واحد يتطلب المسايرة وبعض التنازلات، لكن لا بد من احترام شخصية الزوجة ونفسيتها والتأقلّم معها على الحلوة والمرة

وعن الرجال الذين يسعون إلى حشر نسائهم في جلابيب أمهاتهم تشير بقولها: لا يمكنني أن أتعايش مع ضغوط كهذه، إذا كان الرجل شديد التعلّق بأمه، فليبقى في كنفها ومعها ولا يتزوّج، لأنه مهما فتّش لن يجد مثلها.

وتنظر منى أحمد، متزوجة حديثا، إلى الأمر من منظار أكثر واقعية، حيث تعتبر أن الرجل الذي يفكر بهذه الطريقة، يكون متعلّقا بوالدته، ومعجبا إلى حد كبير بشخصيتها، لذلك يبحث في شريكة العمر عما وجده في أمه من حب وحنان.

ولا تمانع منى من أن تستفيد الزوجة من حماتها، لكن في حدود ترسمها بنفسها، فقد تكون الحماة على درجة عالية من الوعي والأخلاق والحكمة، هنا لا بأس من الاقتداء بها، أما إذا تتحوّل إلى محور حياتي وتصبح هاجسا يلازمني، فهذا ما لا أرضى به أبدا.

وتضيف قائلة: التعايش تحت سقف واحد يتطلب المسايرة وبعض التنازلات، لكن لا بد من احترام شخصية الزوجة ونفسيتها، والتأقلّم معها على الحلوة والمرة، وعندما أشعر بأن زوجي متفهّم وحنون، ألهث لإرضائه بشتى الطرق، وأسأل عن الأمور التي يحبها لأطبقها على أكمل وجه.

وفي رأي الدكتور أحمد رضوان السيد أستاذ الدراسات الاجتماعية بجامعة الأزهر: أن هناك حقيقة لا يجب أن ننكرها، وهي أن الرجل مثل الطفل لا يريد أن يفقد سمات الرعاية التي يتلقاها في بيت أمه، وكلما كان سعيدا قبل الزواج أصرّ أن تكون زوجته تماما في صفات أمه، ويعتقد بذلك أنه سيضمن حياة زوجية سعيدة، لا تختلف أبدا عن حياته السابقة في بيت أمه، وهذه الحالة تصيب بعض الفتيات بصورة عكسية، حيث تبحث كل فتاة عن رجل في صفات والدها، ولذلك قد يصاب الزوج بالصدمة الأولى في حياته، إذ سرعان ما يكتشف أن زوجته لها طباع مختلفة عن أمه، وأنها لا تصبر عليه كما كانت تفعل أمه، وهنا يعتقد الزوج أن حياته فاشلة، ولكن في الحقيقة كل زوجة لها صفات خاصة، ومن الممكن أن تتوافق في بعض الصفات مع أم الزوج، وعلى الزوج احترام زوجته وتقدير مكانتها، والبحث عن صفاتها الجميلة، ويعبّر لها عن شعوره، وماذا يريد؟ وما هو المناخ الاجتماعي الذي يبحث عنه؟ ومن الممكن أن تغيّر الزوجة من عاداتها وتكتسب عادات أخرى قد ترضي الزوج وتحوّل حياته إلى سعادة دائمة.

1