أسأتم للدين ولم تنفعوه

الخميس 2014/05/08

كنت قبل أكثر من عقدين غارقا في نشاطاتي المهنيّة، أتابع بمزيد الإعجاب والانبهار، كيف يبني شعب حاضره، ويضع الأسس لمستقبله، في نظام وانضباط وتآلف، بعد أن تخلّص من نظام ظالم شديد كمّم الأفواه وكبّل الأيدي والسّواعد ومنع الحرّيّات، ففهم الشعب أنّ عليه العمل بسرعـة وثبات، ليعوّض ما فات، ويختصر من الزّمن ما أمكنه، حتّى يستطيع اللّحاق بمن سبقوه.

كنت أشاهد وأسجّل ما يمكن أن يحققه شعب إذا صمّم وأراد، فرأيت شعبا تسلّح بإرادته ووحدته، وبعد أن كان في آخر قائمة بلدان جواره، استطاع في أقلّ من عقد، أن يحتلّ المراتب الأولى في تلك القائمة. بينما أنا أتابع وأسجّل وأعتبر، جاء ما عكّر الأجواء، وفرض عليّ ترك الكثير ممّا عليّ وممّا أهواه، للتفرّغ لواجب فرضه تصرّف الضّالين.

إنّ الجماعات التي سمّت نفسها إسلاميّة، والتحفت برداء الدّين، شرعت في تصدير عنفها وإجرامها، إلى أن وصل بلدانا أوت واحتضنت الكثير من المنتسبين إليها، فعاثوا مباشرة أو عن بعد، بسكانها الأبرياء فسادا، وكانت النتيجة وضع الإسلام على مائدة التشريح، وأحيانا تحت المصقلة، فكيل له ما كيل، ووصف بما ليس فيه، ونُعت ومعتنقوه بكلّ النّعوت، حصيلة أعمال لا تمتّ للإسلام ولا لأيّ دين بصلة، اقترفها أناس يدّعون أنّهم مسلمون، وأنهم في سبيل الدّين ما هم فاعلون. فويل لهم ممّا يصنعون.

أمام تلك الغيوم التي تلبّدت في الأجواء، لزم على كلّ مسلم صادق، أن يتحرّك بما يستطيع، وأن يدرأ بالحسنة السيّئة، وأن يعرّف ما أمكن التّعريف، بما جاء به الإسلام الحنيف، من فروض ووصايا وحسنات، فكنتُ من السّاعين.

شاركت في ندوات عقدت، تحدّثت عن الحوار في الإسلام، وعن معنى الجهاد ومتى يكون، مفرّقا بين الجهاد الأكبر، والجهاد الأصغر، دون أن أهمل الأخلاق التي على المسلم الحقّ التحلّي بها. عدّدتها، وهي كثيرة، ولا حاجة لأن أعيد ذكرها هنا، فهي معروفة لدى المسلمين. لكن، موجّها كلامي هذه المرّة، لمن قالوا إنهم مسلمون، أقول: هل عرفوا حقا ما أوصى به الإسلام من سلوك وتصرّفات؟ يكفي إلقاء نظرة ولو سريعـة على ما يأتـون مـن منكـر، للجزم أنهـم لم يتحلّوا حقّا بخصال وأخلاق المسلم.

تعدّدت النّدوات إذن والمساهمات فيها، لكن من أين لمحاضرة أو محاضرات مهما بلغت من البلاغة وحسن الصّياغة، أن تعادل بما تحققه من إيجابيات، ما ينتج عن قنبلة من سلبيات، ومن إساءة؟ قلت قنبلة، بل هي قنابل أو عبوات تفجّر صباحا في قطارات والناس صوب أعمالهم، فتسقط الضّحايا البريئة، من رجال ونساء وأطفال، بأعداد تفوق المائة ضحية، ويعدّ المجروحون ببضع مئات، فيكال إلى الدين الإسلامي وأهله ما يكال، من شتائم وأوصاف، لا تمحوها محاضرة ولا مقالات. فمن المذنب في كلّ هذا يا ترى؟ أولئك الذين يدّعون أنّهم يخدمون الإسـلام ويعملون على نشره. أبالإجرام وقتل الأبرياء يخدمونـه؟

لنضع النقاط على الحروف، كما يقال. ينفذ هذه الأعمال المشينة أفراد مغرورون مضلّلـون، ينصاعون لأنهم محتاجون، فتغسل عقولهم وتملأ بآراء وأفكار خاطئة مضلِّلة، فيذهبون إلى الموت بأرجلهم، أو يلقى عليهم القبض فيحاكمون، بينما باعثوهم إلى الجحيم في بيوتهم قابعون على الأرائك يضحكون، بالهاتف المحمول أو بلحيّهم يلعبون، وفي الحقيقة هم المجرمـون. لأنّ المنطق والمعقول يقول أنّ المذنب الأوّل ليست اليد التي تطلق النّار، بل التي سلّحتها.

هـذا يعني أنه على مسؤولي الأمن والقضاء متابعة المحرّضين المموّلين المسلِّحين، قبل المنفـذين المُسيَّرين. لأنّ القضاء على سيل يستوجب سدّ العين والمنبع، والأمل كبير في أن يهتـدي أهـل الأمن والقضاء، إلى منابع وجذور هذا الوبـاء الذي ابتلي به الإسلام والمسلمون. وانتظارا لتوفيق آلات الرّدع والتّأديب، لنسأل هؤلاء العقائديين عن درجة إخلاصهم لما يقولون ويدّعون؟

يعرف الجميع أنّ جذع كلّ الجماعات الفرعيّة وأصلها، هو جمعية الإخوان المسلمين التي تاسّست عام 1928 بالإسماعيلية، من أرض الكنانة، هدفها الأصلي البعث الإسلامي. فهل ما بدا من أتباعها حتى اليوم، يوحي أو يشير، أو يبعث بصيص الأمل في أنّ بعض الخطى قد أنجزت نحو تلك الغاية؟ أليس العكـس أصـح؟ لماذا يا ترى؟ لأنّ الأعمال تعارض الأقوال. قد يقول بعضهم إن هذا الرّأي مخالف للواقع. ذلك من حقه. لكن ليدل بالبديل والدّليل. أما نحن فسنطرح بعض الأسئلة، دون ترتيب أو تفضيل، راجين الإجابة من أصحاب الرّأي المخالـف أو مـن ذوي الشـأن إن كانـوا صادقين.

نطرح مثلا: ما هو نوع العلاقة والتعاون بين الجمعية وفروعها وبين السلفية؟ السيد سعيد رمضان من أبرز مسؤولي الحركة وهو مؤسّس جناحها أو فرعها المسلّح. من تدخّل له ولماذا، حتى يحصل عام 1953 على جواز سفر دبلوماسي من بلد عربي يسهّل له تنقلاته؟ ما الذي حصُل واتُّفِق عليه في الاجتماع بالرئيس الأميركي آيزنهاور بمكتبه عام 1953؟ كيف يفسّر أنّ سديم الإخوان تسيّره جمعيّة المسلم البريطانيّة بلندن، معتمدة على مصرف التقوى؟ ما هو سرّ تعاون وكالة الاستعلامات الأميركية مع الإخوان عام 1974؟ أين احترام الدّيمقراطيّة المعلن عنه من طرف الإخوان عام 1990 بلوائحه الثلاث؟

هناك الكثير من الأسئلة لكننا سنكتفي بهذا القدر الآن، لأننا واثقون من إجابتنا عنها بالصّمت المريب. وهذا يفرض طرح سؤال آخر، سبق طرحه، وهو لماذا لا يعلن الإخوان وأتباعهم على حقيقة برامجهم ومخططاتهم حتّى يكون الناس على بيّنة منهـم، ولو أنهـم عوّدونـا بأنّهـم يقولـون مـا لا يفعلـون، ويأتون ما لا يقـولون، لأنّ الصّراحـة والوضوح لم يكونا يوما من شمائلهم. لو تحلّوا بهما وبغيرهما من خصال المسلم لقلنا لهم ما قاله الشاعر البحتري: وما صحبتك عن خوف وعن طمع * بل الشّمائل والأخلاق تصطحب.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8