أسألك الرحيل

علاقة بن زيمة بالريال مختلفة تماما وشديدة الخصوصية، إلى درجة باتت هذه العلاقة استثنائية بكل المقاييس، ويستحيل تبعا لذلك مقارنتها بكل التجارب الأخرى للاعبين لعبوا لفائدة الفريق الملكي أو يلعبون حاليا.
الأحد 2018/05/13
مرة أسطورة ومرة أخرى سرابا

قصة المهاجم الفرنسي من أصول جزائرية كريم بن زيمة مع ريال مدريد، هي أشبه بعلاقة الجلاد وسوطه الذي يتلوى مثل الأفعى في كل الاتجاهات، فمرة يصيب “الأعداء والخصوم” في مقتل، ومرة أخرى يرتد على حامله فيهوي بكل قوة ويهز أركان القلعة البيضاء المدريدية.

كريم بن زيمة يصيب أحباء الريال قبل أنصار المنافسين بنوبات من الجنون والغضب والشديد في العديد أحيان، قبل أن يغدو بقدرة قادر بمثابة البلسم والمرهم الذي يشفي كل الندوب والجروح المتأتية من ذلك السوط “المتهوّر” الملتصق على الدوام باللاعب الفرنسي.

قصة كريم مع الريال ليست هي مثل قصة تألق رونالدو الذي يسعد في الأوقات الحاسمة كل الأحباء ويدهشهم بقدرته الفائقة على قلب المعطيات ومنح الألقاب للفريق الملكي.

كما أن قصة بن زيمة مع “الميرنغي” لا تشبه بالمرة قصص لاعبين عاديين مروا دون أن يتركوا أي بصمة، والحديث هنا قد يخص مثلا كاسانو الإيطالي أو دانيلو البرتغالي وحتى كاكا البرازيلي.

إذا، فعلاقة بن زيمة بالريال مختلفة تماما وشديدة الخصوصية، إلى درجة باتت هذه العلاقة استثنائية بكل المقاييس، ويستحيل تبعا لذلك مقارنتها بكل التجارب الأخرى للاعبين لعبوا لفائدة الفريق الملكي أو يلعبون حاليا.

فبن زيمة لم يحقق النجاح التاريخي، وكان مستواه في عدة أحيان متواضعا، إذ يضيع أسهل الفرص ويفوت على فريقه تسجيل عدد هائل من الأهداف كانت ستغير مسار عدد كبير من المباريات وتحسمها لفائدة الريال، لقد سئمت جماهير الفريق من تعدد هفواته البدائية وتردده غير المبرر أمام مرمى المنافسين، فغدت مشاركته في بعض المباريات أشبه بصداع يدق الرؤوس.

لكن بالتوازي مع ذلك، كان في عدة أحيان بطلا ملحميا يختطف كل الأضواء من الجميع وحتى من رونالدو، فيمتطي صهوة المنقذ المبهر ويتحول إلى صاحب الإنجازات المدهشة.

ولعل ما تحقق هذا الموسم يؤكد هذه المفارقة العجيبة في مسيرة اللاعب الفرنسي مع الفريق، ففي موسم مخيب وكئيب أصاب الجميع اليأس من قدرة كريم على تقديم الإضافة بسبب تراجع مستواه ومعدلاته التهديفية بشكل واضح، خرج المارد من قمقمه، ونفض طائر الفينيق الرماد من أجنحته، فساهم بن زيمة في وصول فريقه إلى المباراة النهائية لدوري الأبطال بعد أن سجل هدفين حاسمين في مرمى بايرن ميونيخ في مباراة العودة ضمن نصف نهائي البطولة.

لقد فعل هذا الأمر أيضا في مواسم سابقة، فكلما تضيق السبل أمام رونالدو والبقية، يبرز بن زيمة ويلبس رداء الساحر الغامض الذي “يأتي من خلف السحاب” ويمنح الأفضلية لفريقه، لقد فعلها في الموسم الماضي ضمن دوري الأبطال أيضا بعد أن صنع هدفا لا يصدق في مرمى أتلتيكو مدريد ذات مباراة حاسمة في المربع الذهبي.

لقد ألهب الجماهير وصنع الأفراح وقلب كل الموازين في مناسبات عديدة، وهو ما جعله في كل مرة ينجو من “المقصلة” ويحافظ على مكانه في هذا البيت طيلة تسع سنوات متصلة، وهو إنجاز من النادر أن يحققه لاعب ليست لديه الموهبة الكبيرة والمهارات العالية، بل ويهدر الفرص الواضحة التي لا يخطئ لاعب مبتدئ في التعامل معها.

هكذا ببساطة علاقة بن زيمة مع الريال، وهكذا هي سمة تجربة السنوات التسع المستمرة لكريم داخل القلعة البيضاء. لا أدري لماذا استحضرت قصيدة الشاعر العربي نزار قباني “أسألك الرحيل” حين الحديث عن بن زيمة، فهذه القصيدة التي طوعتها المتألقة نجاة الصغيرة أغنية خالدة وممتعة قد تنطبق بالضرورة على كريم بن زيمة.

في القصيدة التي تحمل خطابا يجمع كل المتناقضات، تسأل الحبيبة حبيبها بأن يرحل ويغادر، وتستحلفه بكل الذكريات الحلوة أن يذهب، تستعطفه بأن يحافظ على صفاء هذا الحب ويرحل دون ضجيج، ترجوه أن يحافظ على خير هذا الحب وخيرهما ويرحل.

تطلب منه الفراق، مستشهدة في ذلك بأن الطيور تغادر أحيانا هضابها، تستدرجه في الكلام وتطالبه بأن يكون مرة أسطورة ومرة سرابا.

لكن في نهاية القصيدة تثوب إلى رشدها، وتجد هذه الحبيبة نفسها ملتصقة ومرتبطة بشكل عميق بحبيبها، فتستجديه البقاء إذا سألته الرحيل، وتطلب منه أن ينزع معطف السفر، مؤكدة أنه من ضرب الجنون أن تعيش دون وجوده في حياتها.

ربما هذه الصور الشعرية هي في الأصل صور طبق الأصل لحال بن زيمة مع الريال، فكل الجماهير المدريدية شعرت في أحيان عديدة بالسأم من صلاح حال هذا اللاعب وقدرته على التألق وتقديم المطلوب منه، في أوقات كثيرة بات مطلب هذه الجماهير هو رحيل بن زيمة نهائيا، وفي مباريات كثيرة سألته بكل قسوة أن يغادر ويحافظ على الذكريات الطيبة التي جمعته بالفريق.

لكن في كل مرة تعود هذه الجماهير وتصفح عنه بمجرد تألق غير متوقع من هذا اللاعب، فتتحول أهازيج السخط والغضب إلى هتافات تتغنى بكريم ومكانته في قلوبهم.

لقد تنكر الفرنسيون لابنهم وأبعدوه عن المنتخب الفرنسي، لكن كريم وجد البيت الملكي الذي يأويه ومهما سأله الأحباء الرحيل، فإنه سيظل على حاله مرة أسطورة ومرة أخرى سرابا.

23