أسأنا تقدير قوة داعش في سوريا والعراق، فلنلحق أفغانستان

الجمعة 2015/10/16
الحكومة الأفغانية مدعوة للحط من العلامة التجارية لداعش وقاعدة الدعم التي يحظى بها

يسعى تنظيم الدولة الإسلامية إلى التمدد بشكل أكبر في أفغانستان، خاصة في المناطق التي ينعدم فيها القانون في محاولة لإقامة نفوذه في منطقة تعتبر حيوية لتحقق الجماعة هدفها المتمثل في إقامة دولة الخلافة الإسلامية. وظهرت أولى بوادر نشاط الدولة الإسلامية في أفغانستان بالضبط قبل عام واحد. ففي البداية، كان الأمر لا يزيد عن إشاعات تنقلها وسائل الإعلام، دون أن يرافقها دليل على وجود فعلي على أرض الواقع؛ وفي ذلك الوقت تم رفض تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان بشدة.

وبمرور الربع الأول من عام 2015، كان وجود داعش محل نقاش بين حقيقة وجودها من عدمه، لكن المحللين أشاروا حينها إلى أن الجماعة هي مجرد عصابة من المسلحين السابقين الانتهازيين الذين انشقوا عن حركة طالبان أملا في حصول على رأسمال رمزي من خلال الارتباط بالتنظيم الرسمي في العراق وسوريا. لكن، خلال أشهر الصيف، تبين أن وجود تنظيم داعش في أفغانستان ليس وهما، والدليل الاشتباكات العنيفة التي جرت بين التنظيم وحركة طالبان، ليتطور الوضع إلى التساؤل حول إمكانية التحالف بين الجماعتين المتطرفتين.

وتحوّل التركيز من هلمند التي تعتبر المعقل التقليدي للمسلحين، إلى مقاطعة نانغارهار التي تقع على الحدود مع باكستان، حيث تتكاثر الكهوف الجبلية في تورا بورا التي اتخذها أسامة بن لادن ورفاقه من تنظيم القاعدة مخبأ لهم عندما فروا من قوات التحالف الدولي قبل أن يتسللوا في صمت إلى باكستان عبر الحدود.

وبات داعش يثير الذعر بشكل مستمر في صفوف بعض النخب السياسية الأفغانية، أولا لأن التنظيم بدأ يحقق مكاسب في بعض مناطق نانغارهار، وتم تغيير صبغة التهديد الذي يشكله التنظيم من تهديد “وليد” إلى تهديد “ناشئ من ناحية العمليات”.

وبدعم من غارات الطائرات الأميركية دون طيار، تمكنت قوات الأمن الأفغانية من القضاء على العديد من القادة في تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب العشرات إن لم يكن المئات من المسلحين. واكتسحت القوات الخدمة السرية في أفغانستان مناطق المجندين في الوقت الذي أرسلت فيه الحكومة ممثلين إلى المناطق المعرضة للخطر لتعزيز وجودها والتعامل مع شيوخ القبائل.

وقد حققت هذه الاستراتجية بعض المكاسب. ويمكن القول إنه تم قطع رأس تنظيم داعش في أفغانستان، حيث تراجع نشاط التنظيم إلى أدنى مستوى ممكن، على الرغم من أن هذا يمكن أن ينسب جزئيا لتحويل الانتباه إلى صراع داخل حركة

طالبان، الناجم عن وفاة الزعيم الغامض الملا عمر. ومع ذلك فإن التفاؤل سابق لأوانه. اتجاه واحد مشترك بين الدولة الإسلامية في أفغانستان والدولة الإسلامية في سوريا والعراق أصبح واضحا، وهو المرونة. لكن، في الأسابيع الأخيرة، أعاد تنظيم الدولة الإسلامية تنظيم صفوفه في أفغانستان، حيث بدأ يعيث فسادا بين القبائل في نانغارهار، وقامت عناصر التنظيم بقتل شيوخ القبائل بوحشية واشتبكت مع حركة طالبان، إلى جانب سجن العائلات، وفرض قواعد صارمة على النساء. وتقوم قوات الأمن الأفغانية برد الفعل، ولكن الأمر يتجاوز قدراتها نظرا لأنها تشن هجمات قوية على حركة طالبان في مناطق أخرى من البلاد.

ولم يقرر بعد ما إذا كان بمقدور الأنشطة الأخيرة للدولة الإسلامية أن تعزز من وجودها. ولا توفر أفغانستان الدائرة الطبيعية التي يمكن أن يستغلها داعش للتجنيد، وهذا يعني أن التنظيم يعتمد بشكل كبير على الانشقاقات في صفوف الجماعات المتمردة الموجودة. ويكمن الخطر في أن التنظيم أصبح أكثر قدرة على استقطاب المنشقين من حركة طالبان، الساخطين على الصراعات الداخلية في صفوف الحركة والمتحفظين على إمكانية المشاركة في عملية السلام، والراغبين في مواصلة الجهاد.

أما الآن، فإن الاستنتاج العام هو أن داعش لا يمثل حتى الآن تهديدا استراتيجيا كبيرا في أفغانستان. لكن، التعقيدات التي يمر بها العامل السياسي في البلاد، إلى جانب كيفية تعاطي كل من الجهات الحكومية الفاعلة وغيرها من الجماعات المتمردة في مسألة صياغة السياسات، بما في ذلك محادثات السلام، تتطلب ضرورة التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية.

وهناك حاجة فورية لإجراء مكافحة استراتيجية من أجل تجنب التكاليف المرتفعة التي لا مفر منها إذا ما تم السماح للتنظيم بالنمو والتطور. وهذا يتطلب فهما أعمق لديناميكيته، حيث أنه لا يمكن التصدي لتنظيم داعش بشكل فعال إلا إذا تم فهمه بشكل صحيح. ويجب أن تحدد قوات الأمن الأفغانية وشركاؤها الدوليون ما إذا كان داعش يعتقد حقا في الخطاب المروع الخاص به حول حدوث معركة نهائية فاصلة في المنطقة الأفغانية الباكستانية. وهل يمكن التأكد من أن التنظيم لديه مصلحة استراتيجية حقيقية في أفغانستان أم أنه يتحرك فقط للتواجد؟

ويجب على الحكومة الأفغانية أيضا إيجاد سبل للحط من العلامة التجارية لداعش وقاعدة الدعم التي يحظى بها، نظرا إلى أن نموه ناجم عن الخوف والدعاية إلى جانب تنسيق الجهود على الأرض. كما يجب بذل المزيد من الجهود لمتابعة مصادر تمويله، مع الاعتراف بأن حركات التمرد الحديثة غالبا ما تبتعد عن أهدافها الأيديولوجية؛ حيث أنها على غرار العديد من التنظيمات الأخرى التي يكون فيها عدد الذين يقاتلون مجانا قليلا للغاية.

الأهم، هو أنه يجب الإدراك بأن نماذج التحليل الذي يرتكز على الظروف القائمة في العراق وسوريا لا يمكن سحبها على أفغانستان. والاستجابات الفعالة تتطلب الوعي بأهداف وقوة وقدرات داعش في السياق الأفغاني، حيث يتم تخصيب الجماعات المتمردة الساخطة على الوضع العام وعلى الحكومة. وكلما قدمت الحكومة ما هو أفضل لمواطنيها تراجع الدعم الذي يحظى به كل من تنظيم الدولة الإسلامية وحركة طالبان.

ببساطة، سوف يتواصل القصف الجوي والجهود العسكرية ضد داعش في أفغانستان إلى أبعد من ذلك. ومن شأن استراتيجية مضادة فعالة أن ترتكز على حوكمة محلية أفضل، إلى جانب توفير المزيد من الخدمات في المناطق المعرضة للخطر. ويجب على الناس وضع المزيد من الثقة في حكومتهم.

أدى التعاطي الخاطئ مع الدولة الإسلامية إلى تكلفة هائلة في سوريا. وهو ما يمكن أن يتكرر مجددا في أفغانستان.

الموفد الخاص للاتحاد الأوروبي إلى أفغانستان

12