أسئلة الأزمة الفلسطينية

الاثنين 2016/08/22

ثمة أسئلة عديدة تطرح نفسها على الفلسطينيين بإلحاح منذ أكثر من عقدين، أي منذ تحول حركتهم الوطنية إلى سلطة، وفق اتفاق أوسلو المجحف والجزئي في العام 1993، ولا سيما منذ رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، رئيس المنظمة والسلطة وقائد حركة فتح عام 2004.

ولعل أحد أهم الأسئلة المطروحة اليوم على الفلسطينيين هو سؤال الشرعية، وهذا يشمل مختلف كياناتهم السياسية؛ المنظمة والسلطة والفصائل، فكلها انتهت آجالها القانونية، فضلا عن أن شرعيتها كفصائل تحمل رؤى وتنتهج وسائل كفاحية معينة باتت بحاجة إلى مراجعة أو إلى تجديد.

فمثلا، لدينا في الساحة الفلسطينية أربع شرعيات: الأولى هي “الشرعية الثورية”، المتأتية من “عصر الجماهير” في حقبة الخمسينات والستينات، ومصدرها الرأي العام، الذي وجد في انطلاقة الكفاح المسلح، وتضحيات وبطولات الفدائيين، محاولة لترميم روحه، وكيانيته المتخيلة، وتحقيق آماله. وتكمن المشكلة في أن هذه “الشرعية” مازالت تعمل، وفق نظام المحاصصة الفصائلية (الكوتا)، رغم انتهاء مفاعيلها ومعانيها، ورغم تقادم وأفول معظم الكيانات السياسية المتشكلة منها.

أما الثانية، فهي الشرعية التمثيلية، التي مصدرها الشعب، كما تتجسد في صناديق الانتخابات، وهذه تمت بعد إقامة كيان السلطة (1993) لذلك فهي مثل الاتفاق أي مجرد شرعية جزئية ومنقوصة، لأنها متأتية من جزء من الشعب فقط، على جزء من الأرض، وفق حقوق مقيدة، وهذه أيضا انتهت إطاراتها الزمنية، وهذا ينطبق على مكانة الرئيس والمجلس التشريعي؛ إذا انقضى على انتخاب هذا وذاك أكثر من عشرة أعوام.

ثمة أيضا شرعية ثالثة، وهي المنبثقة من القيادة الفلسطينية ذاتها، حيث تقوم قيادة منظمة التحرير -رغم أنها غير منتخبة- بتشكيل هيئات تضفي عليها شرعية معينة، كأنها تنتخب ناخبيها، مستغلة مكانتها، ومستقوية بالشرعية الدولية والعربية التي تحظى بها.

أما الشرعية الرابعة فهي الشرعية الفصائلية، وقد بدأت هذه الشرعية تشتغل بعد انحسار مكانة منظمة التحرير كمرجعية لكل الفلسطينيين، وتبعا للانقسام الحاصل بين الحركتين الرئيستين (فتح وحماس)، وانقسام النظام السياسي بين سلطتي الضفة وغزة، علما أن كل فصيل، مهما كان حجمه ودوره، يدعي أيضا أنه يمتلك شرعية، وأنه يتحدث باسم الشعب الفلسطيني.

فوق كل ذلك لدينا في الساحة الفلسطينية نظامان سياسيان، أحدهما يتمثل في منظمة التحرير، أو ما تبقى منها، وهذا يفترض فيه أنه يمثل كل الشعب، ويرمز إلى وحدة قضية الفلسطينيين. والثاني يتمثل في السلطة القائمة في الأراضي المحتلة 1967، وهي خاصة بفلسطينيي الضفة وغزة.

ثمة أيضا سؤال التسوية، حيث يفتقد الفلسطينيون منذ زمن أي مشروع وطني جدي ذي أفق مستقبلي، بل حتى لو امتلكوا مثل هذا المشروع، بغض النظر عن مستواه أو طبيعته، فإنهم لا يملكون القدرات والإمكانيات والمعطيات المواتية لفرضه على إسرائيل. فإذا كان خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع في حالة موات في المدى المنظور، بحكم تعنت إسرائيل ومساندة الولايات المتحدة لها، وإذا كانت القيادة الفلسطينية عاجزة عن تغيير المعادلات السياسية أو عاجزة عن تحرير إرادتها لطرح خيارات جديدة، فإن الخيارات الباقية، من الناحية الواقعية أو العملية، لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين، فضلا عن أنها لا تتعامل مع قضيتهم بطريقة شمولية، وهي لا تتأسس على قواعد الحق والعدالة والحقيقة ولو من الناحية النسبية.

في هذا الإطار برز مؤخرا، من بين هذه الخيارات، “الخيار الأردني”، وهو خيار قديم - جديد، وبالنسبة للإسرائيليين فإن هذا الخيار لا يتضمن الاعتراف بكيانية سيادية للفلسطينيين، وإنما يتضمن مجرد انسحاب إسرائيلي جزئي من المناطق الفلسطينية كثيفة السكان، وتركها للسيادة الأردنية، وتاليا ترك الفلسطينيين لتدبر أنفسهم مع الأردن. ويثير هذا الطرح أيضا تساؤلات عن سبب الذهاب نحو “الخيار الأردني” مجددا، وكأن صراع الفلسطينيين مع الإسرائيليين يتوقف على الأرض/ الجغرافيا، أو على قطعة أرض هنا أو هناك، وكأنه لا يفترض حقوقا سياسية للمواطنين، ناهيك عن أن ذلك يتضمن التخلي بداهة عن الرواية الوطنية الفلسطينية، وعن وحدة الفلسطينيين، أو عن معنى كونهم شعبا.

في مساجلة هذا الطرح ربما من الأجدى والأصوب، الذهاب نحو خيار آخر يتعلق بالنضال من أجل تعزيز حقوق المواطنة في كل فلسطين/إسرائيل، بما لا يخل بوحدة أرض فلسطين ولا يخل بوحدة شعبها، ولا يخل بمواصلة الكفاح لتقويض الصهيونية كفكرة وكمؤسسات.

والفكرة هنا أن أي حل أو خيار بالنسبة للفلسطينيين من الأنسب أن يفتح مسارا مستقبليا يؤدي، وفق تطورات سياسية واجتماعية، إلى حل الدولة الواحدة الديمقراطية، أي دولة المواطنين، حتى لو مرت بتعرجات، من ضمنها قيام دولة مواطنين ذات طابع ثنائي “القومية” وعلى أسس ديمقراطية.

أيضا يمكن الحديث عن سؤال الخيار الوطني، فمنذ عشرة أعوام ظلت القيادة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس (أبومازن) تتحدث عن خيارات بديلة من دون أن تفعل شيئا من الناحية العملية، والأهم من ذلك أنها لم تمهد لشعبها، ولم تهيّئ ذاتها لأي خيار بديل، علما أن كل خياراتها ظلت في إطار المعادلة التي بني عليها اتفاق أوسلو، في حين أن خيارات إسرائيل البديلة ظلت تتأسس على الضد من هذا الاتفاق، وتجاهل حقوق الفلسطينيين، واستمرار السيطرة على أراضيهم، وتأكيد الرواية الإسرائيلية.

هكذا فالفلسطينيون معنيون بتغيير هذا الواقع، بالإقلاع عن التلويح بخيارات بديلة في التصريحات، واتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، علما أن الأمر بات يتطلب الخروج من المعادلة القائمة، لأن البقاء في ملعب أوسلو لم يعد مفيدا ولا مجديا، إذ باتت إسرائيل مع كل المشاريع التي تطرحها، في مكان آخر، أو في لعبة أخرى تماما.

لذلك لعل نقطة البداية في البدائل الفلسطينية التي يفترض العمل عليها، فعلا لا قولا فقط، تتمثل في التركيز على إعادة بناء الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل) على قواعد مؤسسية وديمقراطية وتمثيلية ووطنية، لأن الاشتغال على أي خيار كفاحي لا يمكن التأكد من صدقيته وفعاليته، دون توفر البنى القادرة على حمله والبنى الشعبية الحاضنة له.

كاتب سياسي فلسطيني

8