أسئلة الطفلة الهندية

سعر شراء 10 سنتمترات مربعة في إمارة موناكو هو 9 آلاف دولار. وقد تثير هذه المعلومة المباشرة اهتمام الراغبين بسحب البساط من خاصرة الاتحاد الأوروبي الضعيفة، أي فرنسا، ولكنها لا تلفت اهتمام من عليهم أن يفكروا في سعر السنتمتر المربع في بلدانهم، حيث لا تعليم ولا اقتصاد ولا أخلاق.
الجمعة 2021/09/24
من سيرغب بمعرفة الحقيقة في هذه الأجواء؟

قرأتُ مؤخرا أن رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي كانت قد سألت والدها السياسي المؤسس جواهر لال نهرو ذات يوم بعض الأسئلة الطفولية دوّنتها في مذكراتها لاحقا، بعد أن دار بينهما الحوار التالي:

أنديرا: ماذا يحدث في الحرب؟

نهرو: ينهار التعليم والاقتصاد.

أنديرا: وماذا يحدث لو انهار التعليم والاقتصاد؟

نهرو: تنهار الأخلاق.

أنديرا: وماذا يحدث أيضا لو انهارت الأخلاق؟

نهرو: وما الذي يبقيكِ في بلد انهارت أخلاقه؟

كان نهرو محقّا، إذ ما الذي سيجبر الطفلة أنديرا التي يعني اسمها بالعربية ”الجمال“ على العيش وسط الانهيارات؟ يقودك تتبع حوارات خالدة مثل هذه إلى علم فريد، يدعى ”الإتيمولوجيا“ وبينما تشتق مثل هذه العلوم من تراكيب تذهب إلى المعنى مباشرة، بين ”الحقيقة“ والعلم باليونانية، نجدها لدى العرب تعرّج على قصص وأساطير تضرب في المخيلة والتاريخ، فيصبح اسم هذا العلم بالعربية ”التأثيل“ من شجر الأثل، ومن الفعل ”أثَلَ“ أي أصّل، ولله المشتكى. عموما فإن هذا العلم، الذي يمكن أن يقال عنه إنه "علم أصول الكلمات" جديرٌ بالتكريس في عالمنا العربي، وبأن تتاح له الفرصة والدعم، لأن المشكلة وجذرها تكمن هنا بالتحديد.

وقد لا يعرف كثيرون أن أهم المساعي للعمل على ذلك في اللغة العربية بذلها المستشرق الألماني أوغست فيشر، لكي نعرف ماذا نقول؟ وعمّاذا نتحدث ونحن نتحدث؟ فيشر كان مبكرا في ذلك، فقد قدّم في مؤتمر للمستشرقين الألمان سنة 1907 فكرة تأليف معجم للغة العربية الفصحى يتناول تاريخ كل كلمة، قيل عنه إنه كان سيبدأ بالكتابات المنقوشة في القرن الرابع الميلادي، وينتهي عند حدود ما كتب في القرن الثالث الهجري. وفي عام 1936 عاد فيشر وقدم مشروعه بصورة متقدمة، ولكن الحرب العالمية الثانية اندلعت، وضاع التعليم وضاع الاقتصاد وضاعت الأخلاق.

جهدٌ آخر تم بذله في تونس مطلع تسعينات القرن الماضي، ثم انهار هو الآخر. ومثله في فاس بالمغرب، وفي مجمع اللغة العربية بدمشق. أما لماذا لم تنجح هذه الجهود؟ فلأنها تصيب كبد الحقيقة. ومن سيرغب بمعرفة الحقيقة في هذه الأجواء؟ والحقيقة أن معلومة مثل التالية يمكن أن تدوّخ عقول كثيرين أكثر مما تعنيه الأخلاق العامة للبعض، تقول البيانات العقارية إن سعر شراء 10 سنتمترات مربعة في إمارة موناكو هو 9 آلاف دولار. وقد تثير هذه المعلومة المباشرة اهتمام الراغبين بسحب البساط من خاصرة الاتحاد الأوروبي الضعيفة، أي فرنسا، كما يجري هذه الأيام، ولكنها لا تلفت اهتمام من عليهم أن يفكروا في سعر السنتمتر المربع في بلدانهم، حيث لا تعليم ولا اقتصاد ولا أخلاق، فقط أثل يابس وأعجاز نخل خاوية.

24