أسئلة العائد إلى الرياض

الأربعاء 2014/07/30

ركضت السنون لاهثة 14 عاما، لم تتوقف، ولم تنتظر، ولم تلق بالا لحنين المسافر إلى مسقط الرأس، هذه قصتي مع الرياض المدينة. وكما قيل بأننا ننتمي إلى أوطاننا كما ننتمي إلى أمهاتنا، فالرياض أم قد لا تكون رحيمة، في ظاهرها المتقشف عاطفيا، لكنها تقطر شاعرية حين تراك مصرا على أن تنهل من عاطفتها.

عدت إليها بعد كل تلك السنين لأجدها لا كما تركتها. المدن، بالطبع، تتطور، ولا يمكنك أيها المهاجر مطالبة مدينتك بأن توقف دورة الزمن كل تلك السنين، لكي لا تندهش، أو تفاجأ بما حدث لها من تغيير.

غيَّب الثرى أعزاء، وكبر الصغار كما كبرت المدينة، لكن بقيت الرياض هي الرياض، عنها كان سؤال الأهل والأصدقاء: كيف ترى الرياض، هل تغيرت عليك؟

لكنّ الجواب حائر، فالتغير له عدة أوجه، عمرانيا هي مدينة أخرى، تحضرا هي مدينة توحشت فتغول فيها النمط الاستهلاكي، وأصبحت شوارعها تجارية أكثر مما كانت، واقتربت أوتوستراداتها من أن تصبح مدرجات لإقلاع الطائرات لا لعبور السيارات.

طبقة اجتماعية جديدة من رجال الأعمال، فرص تجارية متنوعة تدل عليها أساليب الترويج والاستدراج التجاري.

دخلت الرياض بهدوء، دخلتها وفي قلبي حنين مقيم، واستقبلني صديقي العزيز وهو مشفق علي مما سيحدث لي خارج المطار، بدت عيناه ترقباني وهو يقود سيارته، وكانت أول رسالة فهمتها ممن يملك أمر الرياض، هي جامعة نورة بنت عبدالرحمن التي تفوق في مبانيها جامعات دولية، ونرجو أن تفوقها سبلا وطرقا ومخرجات تعليم.

الرسالة واضحة لكل من يزور الرياض، إن للمرأة حضورا في هذه المدينة، وهو حضور علمي مبهج. الرسالة الثانية كانت طريقا اخترق القاعدة الجوية القديمة، فقد باتت تتوسط الرياض بعد أن كانت خارجها، وظلت تعرف غصة مرورية، حتى شاء الله أن يخترقها هذا الطريق الجميل فيخفف من كثافة الازدحام في المدينة. وكان مضمون رسالة الطريق هي أن وزارة الدفاع المالكة للموقع أصبحت أكثر تفهما لدورها المدني وليس العسكري فقط.

أما الرسالة الثالثة فهي ما رأيته من كثافة سكانية في شرق وغرب الرياض، تطاول في البنيان حتى تشك في أن أصحابها رعاة، وأحياء مليئة بفلل حديثة ومحلات تجارية متنوعة وحركة مرورية يحتاج المرء إلى ساعات حتى يتخلّص منها.

لكن ماذا عن البشر لا الحجر. في الرياض تساؤلات، في كل صالاتها ومجالسها علامات استفهام، وترقب، خشية على المجتمع من تغول داعش ورفاقها ما ظهر منهم وما بطن.

في الرياض معركة لم تستخدم فيها جميع الأسلحة، معركة ضد التطرف يقودها الأمير محمد بن نايف، لكنها ليست ولا يجب أن تكون معركته وحده فقط، بل هي معركة المجتمع برمته، ومما يبهج أنني لم أجد في مجلس واحد حضرته من يقف أو يهادن المتطرفين وهذا من حظي، بل كل القصص المتداولة هي عن العوائل التي فقدت شبابها، فعائلة واحدة سرق الإرهابيون منها 18 فردا. رأيت آباء كسر الإرهابيون ظهورهم بفقدان فلذات أكبادهم، وشعرت أن المسألة ليست من النوادر كما كانت سابقا بل هي قضية وطنية تصدت لها الحكومة بالأنظمة ولكن ما هو أهم تنفيذها بدقة وقوة وحزم.

سمعت كثيرا عن شباب متفوقين، أطباء، مهندسين تعبت أسرهم في تأهيلهم وساعدتهم حكومتهم في ذلك، لينتهي أمرهم في يد متطرفين زنروهم بأحزمة، أو فخخوا سياراتهم ليقتلوهم ويقتلوا بهم الأبرياء في معظم عملياتهم.

يموت الشباب من أجل قضية يرونها عزة للإسلام، بينما ينسون أن من الأفضل لهم وللإسلام أن يحيوا ويجاهدوا بتحضرهم وعلمهم وتعاملهم الإنساني، ليرفعوا قدر دينهم، هذا لو كانوا يهتمون به ولا يهتمون بغرائزهم وإشباعها، وبحثهم عن الحور العين.

وسط كل تلك الحوارات تدور الأسئلة وتتهادى الأجوبة، ويصل الجميع إلى نهاية منطقية، وهي أن التعليم والإعلام والعمل الدعوي هو ما يجب أن يكون الراية في مواجهة خطر تغول الداعشيين وتوحشهم في الرياض.

الرياض تخشى على أبنائها، لكنها ترى الساحة ملأى بالصراعات، ويا ليتها صراعات فكرية يسودها التنافس الشريف، بل هي معارك تصفية وتشويه وقذف وسب، تقودها أسماء تدعي التقوى والورع والحديث باسم الدين وسماحته، بينما السم الزعاف يتدفق من الأفواه التي تدعي التدين.

في الرياض، زرت مسجدنا القديم، ووجدت شيخنا يقرأ القرآن تحت عموده المعتاد، لم يتغير موقعه منذ 14 عاما، سلمت عليه فلم يتبين ملامحي جيدا وقد غيرتها السنون، سألته بعد ملاطفة طويلة عن حال الدعوة، فقال لي إن المساجد لم تعد الحاضن للدعوة، ولم يعد المتدينون “مثل أول” أصبح هناك من يعمل، وبقسوة، على تنفير الناس من الدين بالتشدد والتطرف والتكفير، عادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت رأينا فيها هذا الشيخ متطرفا، وفي وقتنا الراهن، ها هو يرى المطاوعة الجدد متطرفين. يا لها من مفارقة.

للرياض قصة مع التشدد، لها تجربة قاسية مع التطرف، لكنها وحتى اليوم وهي تقاتله تجهد نفسها في ملاحقة تلونه وتخفيه في أثواب مختلفة، كفيروس الأنفلونزا يتنوع ويتحول ويعرف تماما الأجسام التي تواجهه، فيواجهها بحلة جديدة، مرة بثوب صحراوي فضفاض وأخرى بثوب جهيماني متجهم، وأخرى في زي لادني متأفغن، والآن بثوب ناعم الملمس إخواني، يحرّض، ويؤزم، ويزين للشباب جمال الرحيل إلى حتفهم، عبر إعدادهم لقمة سائغة للإرهاب وسط خطابات التأزيم.

تخوض الرياض معركة قاسية وهي ليست وحدها، لكنها تختلف عن غيرها بأنها تدفع اليوم ثمن صمتها الطويل على تولي المأزومين بعضا من أمر صياغة الرأي العام، وتدخلهم في التفاصيل اليومية لحياة الناس. ولكي تنهض الرياض كالعنقاء من جدل التطرف وهجرة شبابها عنها وقودا لغزوات التخلف، عليها أن تنهض في حملة شعبية ضخمة يشارك فيها كل مواطن ومقيم ضد التطرف بكل وجوهه، داعش والنصرة والقاعدة والرحم الكبير الذي خرجوا منه وهو الإخوان المتأسلمون.

عدت إلى الرياض وقد تغيرت، ولكن قلبها لم يتغير، هي الرياض، مهما تغربت عنها تعود طفلا صغيرا ودمعتك في المحاجر تلمع بحبك لها، وتنتظر منها أن تعلن وسط قسوتها النجدية، ولو لمرة، حبها لك. الرياض ليست بنظامها السياسي ولا بسلطتها الدينية، ولا بالجدل الذي يدور في مجالسها وديوانياتها، الرياض هي التي عرفتها وعشتها وستظل تحلم بها: دار العرب. ولا أنسى ما قاله لي الشيخ عبدالعزيز التويجري رحمه الله يوما، بأن الرياض هي قبلة العرب إذا تاهوا في صحراء الشعارات.


كاتب صحفي سعودي

9