أسئلة المصريين بشأن تيران وصنافير

الاثنين 2017/06/19

الطريقة التي تعاملت بها الحكومة المصرية مع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية وحتى موافقة البرلمان على تسليمها للرياض مؤخرا، فتحت شهية جهات كثيرة للدخول على الخط وتوجيه انتقادات لاذعة للنظام المصري برمته، والتشكيك في نواياه السياسية.

لن أخوض في مناقشة تبعية جزيرتي تيران وصنافير، لمصر أم السعودية، لأن كل طرف (الحكومة والمعارضة في مصر) لديه من الوثائق والأسانيد ما يدعم حججه، بصرف النظر عن اقتناع كل واحد بها من عدمه، والفيصل في حسم المسألة خبراء في القانون الدولي للبحار وخبراء الجغرافيا السياسية، وليس رجل الشارع الذي يتلقى معلومات مشوهة ومغرضة أحيانا من هنا أو هناك تدغدغ مشاعره قبل أن تستقر داخل عقله.

المثير في الأزمة، ليس الاتفاقية وتوقيتها، لكن الموقف الرسمي الذي اتخذته الحكومة وبدا عليه الضعف بصورة قللت من القدرة على الدفاع عن رؤيتها، ومنحت الرافضين الفرصة للنيل من التفسيرات التي ساقتها لتبرير التوقيع على الاتفاقية مع السعودية بالقاهرة في أبريل من العام الماضي.

الموقف الرسمي المرتبك، ترتبت عليه جملة كبيرة من الأسئلة الحائرة في أذهان كثيرين، مؤيدين ومعارضين، وأخفقت الحكومة في تقديم إجابات شافية عليها، وآثرت أحيانا عدم الاقتراب من بعضها، وتضاعفت الاتهامات الموجهة إليها، لأن الأسئلة أفضت إلى اجتهادات وتكهنات وتخمينات، بالغ بعضها في التقديرات السلبية، بشكل جعل الحكومة عاجزة عن تفسير ما يحدث، وفتحت الباب للمزيد من الخلافات السياسية.

ولم يفلح المقربون منها في إزالة الالتباسات التي تراكمت لدى قطاع كبير من المواطنين، بعد أن تحولت الاتفاقية إلى بورصة لتصفية الحسابات والمزايدة على أي الفريقين أكثر وطنية.

في هذا السياق يمكن التوقف عند مجموعة من القضايا، تولّد عنها صخب كبير أدى ارتفاعه ومحاولة الالتفاف على أسئلته إلى زيادة حدة السخونة السياسية، التي لا يعلم أحد وجهتها التالية.

الحكومة التي تلكأت كثيرا في تحويل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لمجلس النواب، للتصديق أو الرفض، وقدمتها بعد مضي أكثر من عام من التوقيع عليها رسميا، لم تقدم تفسيرا واحدا يبرر دوافع التلكؤ، وهو ما وضعها في موقف يشي بأنها تفرط في أرض مصرية.

البرلمان الذي وصلت إليه الاتفاقية منذ ثلاثة أشهر وضعها في أدراجه السرية، لكنه فجأة أخرجها وناقشها وأقرها في غضون أربعة أيام فقط، وهو ما جعل الناس يتساءلون عن سر السرعة التي جرى بها تمرير الاتفاقية.

كما أن البرلمان الذي سمح لمؤيدي الاتفاقية عرض وجهات نظرهم لم يتح الفرصة كاملة لمعارضيها، الذين شنوا بـدورهم حملـة تخـوين ضد من خالفهم الـرأي، وفـي الحـالتـين تحـول مجلـس النـواب إلى ساحة للتراشقات، ولم يعرف كثيرون لماذا أيد هذا الفريق، ولماذا عارض الآخر.

لم تقدم الحكومة أيضا مسوّغات مقنعة لمواقفها المتناقضة أمام محكمة القضاء الإداري، التي أصدرت حكما بمصرية الجزيرتين، وهو ما جعل جانب التسييس يحضر بقوة، خاصة أنها كانت تتفاعل مع المحكمة عندما تبدو العلاقات مع السعودية جيدة، وتحجم عندما يطفو التوتر على سطحها، ولم توضح الحكومة أسباب التفاعل والإحجام صراحة، وهو ما كان مؤثرا في سير القضية، لأن القضاء يحكم بالحق وليس العدل.

اللافت أن الحملة السياسية والإعلامية المؤيدة للحكومة، فشلت في إقناع المواطنين بمتانة وصواب موقفها، بطريقة أثارت المزيد من علامات الاستفهام، وأوحت بأن الحشد ليس كافيا لانتزاع موافقة الناس، ولا بد من البحث عن طرق أخرى للإقناع، وإذا تواصل الاهتزاز ستكون المشكلة أشد صعوبة.

المثير للدهشة صمت الحكومة المطبق عن الإجابة على الأسئلة الكثيرة التي تعتمل في عقول الناس، هل لأنها تشعر بارتكابها خطأ، أم لأنها لا تعتد بردود فعل المواطنين؟ وفي الحالتين المسألة تصبح مفتوحة على احتمالات غامضة، ويمكن أن تكون لها تداعيات سلبية في قضايا أخرى.

عدم قلق الحكومة من الموقف الرافض من قبل قوى حزبية وشبابية، وإفراطها في التمسك بالحلول الأمنية كطريق وحيد لتمرير الاتفاقيـة، يثيـران شبهـات كثيرة حـول حـدة التعامل مع قضـايا لا تقـل سخونـة يمكن أن تتفجر في المستقبل، وما إذا كانت الحكومة عدمت سبل الخيارات البديلة.

ولا أحد من الخبراء يعرف طبيعة رهانات الحكومة لضمان محدودية التأثير الناجم عن الاحتجاجات، ولماذا لا تخشى سيناريو الانفلات في وقت يعاني فيه المواطنون من أزمات اقتصادية طاحنة، هذه الثقة المفعمة بالغرور جعلت البعض يخشى الإفراط في الإجراءات القاسية، وحجب الأصوات الناقدة.

الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي اعتاد تقديم إجابات تبدو شافية للمواطنين لم يتطرق إلى هذا الموضوع حتى الآن، هل لأنه يريد أن يكون بعيدا ويحصر الأزمة في الحكومة التي وقّعت على اتفاقية ترسيم الحدود وتتلقى الصدمات نيابة عنه، أم ليس لديه ما يقدمه من حجج وبراهين، تحافظ له على ما تبقى من شعبية تراجعت ملامحها خلال الأشهر الماضية.

الغموض الذي ظهرت عليه الحكومة، فتح شهية البعض للتساؤل عن صحة ما يتردد بشأن وجود صفقات خفية أطرافها قوى إقليمية ودولية، لها علاقة بترتيبات لاحقة على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهل هناك علاقة بين تسليم الجزيرتين للرياض وحجم الاستثمارات السعودية في مصر، وهل الموقف القوي الذي اتخذته الرياض من قطر له علاقة بالموقف القوي الذي تبنته القاهرة لتأييد نقل تبعية الجزيرتين للسعودية.

ربما يكون الوضع الخاص بجزيرتي تيران وصنافير يشوبه التباس قانوني، لكن المؤكد أن الحكومة المصرية فشلت في التعامل سياسيا مع هذه القضية، ومنحت معارضيها ورقة ثمينة لتوجيه الضربات لها، التي تزايدت مع عجزها عن تبرير ما أقدمت عليه، وما لم تتخل عن إهمال الرأي العام وحصر المسألة في نطاق الخيانة والتآمر، فسوف تواجه بمأزق خطير، لأنها قدمت للمعارضة الوطنية أو تلك التي لها امتدادات خارجية فرصة جيدة للنيل منها.

كاتب مصري

8