أسئلة باريس: البحث في وصفة الشفاء من الإرهاب

هل فاض الشرق الأوسط بمشاكله على العالم؟ أم أن الغرب حفر جبا فوقع فيه؟ السؤالان يخفيان رؤية مختلة للحدث الباريسي الأخير. فتحميل العالم العربي الإسلامي شرور إرهاب ملأ الدنيا وشغل الناس، فيه استبعاد لعوامل أخرى غير محلية، وتحميل الآخر كل أوزار ما يحدث عندنا هو أيضا استدعاء لعقلية المؤامرة وقفز على ما يحتويه البيت العربي الإسلامي من دواع بعيدة للظاهرة.
الاثنين 2015/11/16
أولى الانعكاسات السلبية لهجومات باريس سوف تشمل المسلمين أنفسهم

تونس- الحدث الباريسي الأخير أماط اللثام على أن الفعل الإرهابي لا يستثني شبرا من خارطة العالم. وتزامن الأحداث الأخيرة في لبنان وتونس وتركيا وفرنسا دليل على ذلك. لكن الحدث وما رافقه من متابعة إعلامية كثيفة، أفرز سيلا من التحاليل والقراءات التي حاولت قراءة الحدث وتقديم نتائجه واستتباعاته من نوع آثاره المتوقعة والمحتملة على وضع المهاجرين في فرنسا وغيرها من الأقطار الأوروبية. لكن الغوص في البعد النتائجي يستدعي أيضا بحثا في الأسباب والدواعي والعوامل البعيدة لحدث باريس يوم الجمعة الماضي.

هل أن العملية الإرهابية التي استهدفت باريس في رموزها ومعالمها، بمعنى أنها تقصّدت إصابتها في مقتل، نابعة فقط من ارتدادات منعرج 2011 العربي وما عناه من ثورات أريد لها أن تقصي الاستبداد فجلبت الخراب؟ قد يكون هذا التحليل صائبا لكنه يقصي العوامل الأخرى.

هل أن عملية باريس هي ضرب من معاقبة فرنسا على ضلوعها في “إيذاء المسلمين” من مالي إلى سوريا مرورا بليبيا وغيرها من الأقطار؟ قد تكون هذه القراءة تحتمل بعض الصواب لكنها تظل نسبية فضلا عن كونها تستحضر الرؤية الجهادية للقضية.

أليس للحدث، وما سبقه من أحداث، منطلقات وأصول في تراثنـا وأدبياتنا الفكرية والدينيـة التي يتـداخل فيهـا الديني بالسياسي بشكل يعسر فيه التمييز؟ قد يتساءل سائل ما علاقة العمليات الإرهابية التي طالت فرنسا وتركيا وبيروت وتونس، بما يحمله تراثنا السياسي من التباس بين الديني والسياسي؟

مثلما اعتبرنا أن محاولات فهم الحدث التي أشرنا إليها آنفا تحمل حدا أدنى من الوجاهة، فإن من الضروري الإشارة أيضا إلى أن بعض المحاولات العربية الساعية لفهم الإرهاب سقطت بدورها في محاولة تبريره وفي التملص من مسؤولية إنتاجه.

صحيح أن الاستبداد يصنع، من جملة ما يصنع، الإرهاب، وصحيح أيضا أن غياب التنمية طريق سريعة نحو التطرف، وصحيح كذلك أن أميركا والغرب ساهما في تشكيل التيارات المتطرفة، ولكن كل هذا لا يعفينا من البحث عن جذور هذا الغلو المتطايرة شظاياه هنا وهناك في أصولنا وتراثنا وحتى في طريقة فهمنا له. لكن أولى طرق التخلص من الإرهاب، تبدأ من مواجهتنا لحقيقته.

الإرهاب ظاهرة مركبة مثل كل الظواهر الاجتماعية والسياسية ولا يمكن أن تفسر بعامل واحد

نحن إزاء ضرب من المسلمين لا يؤمنون بالآخر، أيا كان الآخر، مسلما سنيا أو شيعيا أو إيزيديا أو مسيحيا أو غير ذلك. وهذا الإقصاء للآخر ينبع من نصوص مبثوثة في تراثنا، (وليست نابعة من المدونة الكاثوليكية أو الأرثوذوكسية) تبدأ من ابن قيم الجوزية وابن تيمية، مرورا بالمودودي وسيد قطب وحسن البنا، وصولا إلى زمن كتاب “إدارة التوحش” لأبي بكر ناجي.

وتنوع هذه المصادر والمتون واختلاف مرجعياتها وأزمانها، واستمرار اعتمادها والانطلاق منها يعني من جملة ما يعنيه أن الحديث عن تمايز بين الإسلام السياسي المتطرف والإسلام السياسي المعتدل هو من ضروب الإيهام، لأن الإسلام السياسي هو نفسه سواء انتظم في تنظيمات جهادية أو انخرط في أحزاب سياسية طالما أنه ينهل من المعين ذاته. لأن “الإسلام السياسي المعتدل” يحتاج لإثبات اعتداله، إن افترضنا صحة ذلك جدلا، أن يتبرأ من غلو التيارات الجهادية وأن يقطع صلته النظرية مع أدبيات يشترك في الاتكاء عليها مع تلك التيارات، فهل يعقل الحديث عن اعتدال لدى تيارات إسلامية تشترك مع داعش وبوكو حرام في قراءة المودودي وسيد قطب؟

الشفاء من الإرهاب، ولعله تعبير أكثر صوابا من محاربة الإرهاب، يقتضي البحث المتأني في أسباب المرض، وهي تبدأ أيضا من فشل كل مؤسساتنا الدينية في تقديم منتج فكري يصالح الناس مع دينهم ولا يوقد في دواخلهم مواجهة مضمرة مع الآخر. ولئن تحاول هذه المؤسسات (الأزهر مثالا) تقديم خطاب سريع يتبرأ من التطرف ويردد براءة الإسلام من الإرهاب، إلا أن ذلك لا يعفيها من مسؤولية المساهمة في صنع ما نعانيه.

النخب الفكرية والسياسية التي تهرول نحو البحث عن مسوغات سطحية مباشرة للظاهرة، من قبيل القول إن الفقر وغياب التنمية يصنعان الإرهاب والتطرف والتكفير، تساهم أيضا في التبرير للإرهاب من ناحية، وفي تقديم قراءة تضليلية خطيرة من ناحية ثانية، لأنه ثبت أن العشرات من عتاة الإرهابيين ينحدرون من أوساط ميسورة، كما أن العديد من الأقطار التي تعرف غيابا للتنمية وانتشارا للفقر والبطالة، لم يعرف الإرهاب سبيلا إلى أراضيها.

الإرهاب ظاهرة مركبة مثل كل الظواهر الاجتماعية والسياسية لا يمكن أن يفسر بعامل واحد، لكن الإرهاب الذي يعرفه عالمنا العربي الإسلامي يقتضي منا اولا وأساسا مكاشفة ذواتنا، والبحث عن العلل التي ولد منها في دواخلنا، وهذه المكاشفة لا تعني جلدا جماعيا للذات، ولا تعني إلغاء لبقية العوامل ولكنها تمثل، فقط، المدخل الضروري لفهم الظاهرة والتوقي من شرورها.

13