أسئلة تشريحية لانتخابات تشريعية في تونس

الاثنين 2014/10/20

في استعداد تونس الحثيث لانتخاباتها الثانية زمن الثورة، ولعلها الأولى “زمن الدولة” باعتبار تنظير البعض إلى أن اللحظة تؤشر لانتهاء الثورة والبدء الفعلي للدولة، وفي خضم ما يسود البلاد من حراك طال الشوارع والإعلام والأحزاب والفضاءات الثقافية ويتسلل باطراد إلى كل تخوم الفضاء العام (بما في ذلك الرياضي منه)، يعاد طرح الأسئلة بقوة؛ ما الذي تعنيه هذه النسخة الانتخابية مقارنة بالسابقة؟

الانتخابات السابقة التي انتظمت في زمن محموم، مسكون بالحماسة وبأصداء شعارات القصبة، كانت تمرينا سياسيا ديمقراطيا للتونسيين جميعهم، حيث خاضت مكونات الشعب التونسي الانتخابات بحماسة غير معهودة وبعنوان رومنسي قوامه لذة الانتخاب الحر على غير سابق.

كشفت تلك الانتخابات أنها انتظمت على عجل؛ في الأبعاد القانونية والتشريعية والسياسية واللوجيستية وكذا على مستوى الوفاء أو التنكر لمضامين الثورة. ولذلك أدى ذلك التمرين الديمقراطي إلى نتائج كانت تبتعدُ بانتظام عن مقاصد العملية، وكشفت أن الديمقراطية لا تعني فقط صندوق اقتراع وخلوة للتصويت السري ومراقب أجنبي.

الانتخابات الديمقراطية النزيهة، مناخ سياسي كامل الأوصاف يفترض وجود إعلام محايد (على ما تقتضيه الكلمة من تنسيب) وإدارة غير متحزبة، وأرضية قانونية وتشريعية واضحة ولا تقبل اللبس أو التأويل، وواقع ثقافي حرّ غير مدجن، ومساجد غير مسيسة فضلا عن ضرورة توفر شفافية في طرق التمويل وقنواتها، بما يحول دون تسرب المال السياسي الفاسد الذي من شأنه إفساد العملية برمتها وضرب تكافؤ الفرص بين المترشحين.

توفر كل هذه الشروط يرفع الناخب التونسي، إلى مرتبة المواطن الفاعل الحقيقي الذي يخطط لمستقبله باختيار من يمثله.

في هذه النسخة تستعاد الأسئلة المتعلقة بهذه الشروط وغيرها، بما يعنيه ذلك من تفادي إعادة إنتاج ملابسات الانتخابات السابقة، التي أجمع على نزاهتها كعملية انتخابية، لكنها دارت في مناخ غير صحّي.

هذا يحيل إلى ما يَغُمر البلاد حاليا من فيض برامج تكاد تكون متناسخة. الكل (يمينا ويسارا وما بينهما) ينادي بحلّ معضلات التنمية والبطالة والفقر، ومقاومة الإرهاب، وإعادة “هيبة الدولة” وفرض قوانينها ومؤسساتها، ولا وجود لتفصيل أو تمايز.

في هذا الباب، أهملت مضامين الثورة، أو تكاد، وأهملت أسئلة أخرى تمثل ركنا ركينا للعملية الانتخابية السياسية.

هل أن خوض السياسة بعقلية المتحدث الرسمي باسم الدين، والذائد عن الإسلام، والمسترجع لزمام البلاد من أيادي الكفار، يمكنه في المستقبل أن يضمن حرية المعتقد واحترام المختلف؟ وهل من ردد شعارات الخلافة ودولة الإسلام المشتهاة يمكنه أن يوفق مع ذلك في إرساء الدولة المدنية التي تسمح للكل بأن ينظر إلى السماء كما يشاء؟

ومن أفاض في تقديم وعود التشغيل والمشاريع والتنمية ولم يف بها جميعها، هل بإمكانه أن يحقق اليوم وعودا جديدة أعلنها أمام كرنفالات المؤيدين؟ وهل من تغاضى عن استشراء التطرف في المساجد والمدارس والساحات، بل طبّع معه، يمكنه اليوم أن يكافح مستتبعاته المتشكلة إرهابا وذبحا في الجبال والسهول؟ وهل من يقدم مصلحة الجماعة على الوطن والدولة بإمكانه أن يركنَ فجأة إلى حقيقة أنه يتقاسم مع غيره الانتماء؟

ربط الأسئلة الأخيرة مع سابقاتها من أسئلة الثورة، تجعل من النسخة الجديدة من الانتخابات التونسية، حدثا يتجاوز بعده “النتائجي” البحت، ليرتقي إلى أن البلاد مقدمة على اختبار مرير؛ المستقبل رهين خيار الناخبين، والأخير متصل بما يسود الانتخابات من أجواء، والأجواء تلك، يحددها ويرسم معالمها (ما خفي منها وما ظهر) أقوياء اليوم.

لكن الصورة ليست سوداء بما يرعب المؤمنين بأن للوطن شعبا يحميه، وأن من يرى أن الوطن متسع بالقدر الذي يسمح باحتواء كل الاختلافات. المهم الإيمان بالوطن أولا، وبأن السياسة وتدبير الشأن العام مسألة وضعية بشرية تدارُ بصراع البرامج وتطارح الأفكار، لا بغلوّ يقصي المخالف، ويكفّر المختلف، ويؤثم الناقد.

تونس، التي وصفها البعض بكونها “الناجي الوحيد من عاصفة الربيع العربي”، تتهيأ لخوض غمار انتخابات قد تكون الأخطر في تاريخها، أو الأهم لمستقبل أبنائها. ولذا انقسم المجال السياسي التونسي إلى أقطاب ثلاثة (أو قطبين في قراءات أخرى).

قطب أول تقوده حركة النهضة الإسلامية وما جاورها من أحزاب وجمعيات ووسائل إعلام (الاصطفاف أصبح واضحا بما يسمح بتبين من اصطف مع هذا القطب حتى من غير الفاعلين السياسيين وهذا ينسحب أيضا على بقية الأقطاب).

قطب ثان يتمركزُ حول حزب نداء تونس ويضم أحزاب قادمة من أرضيات دستورية، أو تجمعية تتخفى وراء الجُبّة الدستورية، ويجر وراءه جمعياته ووسائل إعلامه. قطب ثالث، يساري الهوى، رغم التباينات الحادة بين أجزائه، يتمحور حول الجبهة الشعبية وما يقترب منها من أحزاب وتيارات.

نلاحظُ هنا أن بعض الأحزاب والتيارات، لم تحدد بعد اصطفافها جنب أحد هذه الأقطاب، إما لأنها تأخذ من كل قطب بطرف، أو لترددها أو لانتهازيتها التي تجبرها على انتظار ما قد تبوح به الأيام القادمة.

وثمة أحزاب أخرى تعلن أنها تجد نفسها هنا وهناك، كأن تؤمن وتذود عن الدولة المدنية، لذلك لا تعادي قطب نداء تونس ولا تخاصم الجبهة الشعبية.

الثابتُ أن الانتخابات التي تنتظم الأحد القادم، ستكون حاسمة، أكثر من سابقتها، لأنها سترسم مستقبل البلاد لعقود، وستعلنُ مسار البلاد القادم ووجهتها، فالخيار هنا ليس متعلقا فقط بالتنمية وحل معضلات البطالة والفقر والتهميش، (أحد أهم دواعي قيام ثورة 17 ديسمبر)، بل هو خيار ينفتح واسعا على شكل الدولة المستقبلية برمتها، وهو خيار يمثل رجع صدى لأسئلة طرحناها آنفا..

7