أسئلة عاجلة حول اغتيال الشهيد بديوي

الثلاثاء 2014/03/25

أولا، ولكي لا يفهم أحدٌ كلامي خطأ، أعلن حزني الشديد وغضبي الأشد إزاء هذه الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد محمد بديوي الشمري مؤخرا. فبكل تأكيد إن تلك الـ”ملاسنة” القاتلة كان يمكن أن تمر كما تمر مئات الملاسنات التي تحدث، عادةً، بين مواطنين كل يوم، في كل بقاع الدنيا، فلو لجأ كل مواطن إلى سلاحه ورمى برصاصه المواطن الآخر بسبب ملاسنة لصار الكون بحيرة من دم.

ثم لو كان قادة السلطة في العراق الديمقراطي الجديد قد اشترطوا لتعيين تابعيهم وجنودهم ومدراء أمنهم ومخابراتهم أن يكونوا على خلق وأدب وتواضع، وأن يحترموا الناس ويحسنوا معهم المعاملة، ولو ضربوا بيد من حديد من أول أيام حكمهم غير الرشيد، على كل من يتعدى على مواطن، كائنا من كان، لما سقط الشهيد بديوي مضرجا بدمه اليوم، ولا اغتيل غيره بالأمس ولا في قادم الأيام. ولكن لأن ثقافة التواضع والتسامح مفقودة لدى القادة، فلابد أن تكون مفقودة لدى أعوانهم وحراس منازلهم وأفراد حمايتهم وحماية أبنائهم.

إن الجاني ضابط يرتدي ملابس الحكومة، ويتنكب سلاحها ويحمل اسمها، ويحرس مواقع رئاسة جمهوريتها غير الفاضلة. يعني أن من وضعه في هذا المكان المهم والحساس لابد أنه أخضعه لاختبارات عديدة للتأكد من استقامته ورجاحة عقله وأمانته واحترامه لحياة الناس. ولكنه حين يسحب سلاحه ويرمي برصاصه مواطنا عراقيا عابرا، بسبب ملاسنة تافهة، حتى لو كان ذلك المواطن عاديا وليس صحفيا ولا مثقفا، فمعنى ذلك أن الوطن أصبح غابة، وأن من صنع الغابة وأرسى مفاهيمها وربّى عليها جنودها وضباطها هم القادة الكبار. ترى بماذا يختلف ضابط البشمركة الذي قتل الشهيد بديوي عن أي ضابط آخر من حزب الدعوة أو منظمة بدر، أو عن أي عنصر آخر من “مجاهدي” مليشيات أحزاب السلطة التي ضمها الحزب القائد إلى جيشه وقوى أمنه ومخابراته؟

وأظن، وبعضُ الظن ليس إثما، أن القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي ما كان ليهرع إلى مكان الحادث، ويحمل جثة الشهيد بيديه ويسلمها لذويه، لولا أن هناك أسبابا أخرى لا علاقة لها بالوطن والوطنية، ولا برفض ثقافة القتل. وأسأل، لولا الانتخابات القريبة، وحاجة القائد العام للقوات المسلحة إلى شعبية تحفظ له الفوز بدورة ثالثة، على أساس “ما ننطيها”، أكان سيتجشم عناء السفر من مكتبه في المنطقة الخضراء إلى موقع الجريمة في المنطقة الخضراء، برفقة جيش عرمرم من الجنود والضباط، لإلقاء القبض على الجاني، وبهذه السرعة العجيبة؟

لو كان القائد العام عودنا على هذا الحرص على حرمة الدم العراقي، من أول جريمة قتل راح ضحيتها مثقف أو صحفي أو أكاديمي عراقي، كامل شياع، مثلا، وهادي المهدي ووضاح حسن عبد الأمير ومئات الأطباء والخبراء وأصحاب الكفاءات العلمية الذين تم اغتيالهم في حملة منظمة، ولو خصص لرعاية الثقافة والمثقفين جزءًا زهيدا من وقته الذي ينفقه على المناكفات والمؤامرات وتلفيق الملفات، ولو خصص بعضا قليلا من أموال الدولة على استرضاء المثقفين والمبدعين المهاجرين أو المهجّرين، وإعادتهم إلى أحضان الوطن وتعويضهم واحترام حقوقهم وكراماتهم، لاعتبرنا نخوته في مقتل الشهيد بديوي أمرا غير مستغرب، لأنها ستكون، عندئذٍ، صادرة عن زعيم وطني غيور على شعبه، يهتز ضميره غضبا لقطرة دم واحدة تراق في دولته العادلة، خصوصا إذا كانت تلك قطرةً من دم واحدٍ من قادة الثقافة والأدب والفن والصحافة، بُناة حاضر الوطن ومستقبل أجياله القادمة، أو على الأقل لو أظهر لنا القائد العام شيئا من سعة صدره للثقافة والمثقفين ولم يقمع تظاهراتهم السلمية بقوة النار والحديد، ولم يوعز باعتقال ناشطيهم، واغتيال بعضهم بالكواتم، لاعتبرنا حماسه في محاصرة قاتل الشهيد وإصراره على اعتقاله حبا لهم، وخوفا على دولته من لعناتهم التي سوف تلاحقه كما لاحقت سلفه وسلف أسلافه الآخرين.

هل تابعتم فصول المهزلة؟ فور سماع القائد العام بالجريمة لاح لي كأن عازفا ماهرا ضرب على بيانو ضربة واحدة لينطق بعدها ضجيج الفرقة كلها دفعة واحدة. فالحكومة وحزبها ووزراؤها ومحطات إذاعتها وتلفزيونها تهبّ من غفوتها وتمطر اللعنات على القاتل الأثيم. ثم يتنادى قادة جيشها وشرطتها لاستنكار الجريمة والمطالبة بالقصاص. ليس ذلك فحسب، بل يأمر القائد العام بطرد البيشمركة من المواقع الرئاسية، ويكلف قوات بغداد، وهي قواته الخاصة، بحمايتها. وربما كان هذا هو المطلوب.

لدي سؤال آخر. وأيضا أرجو ألا يفهمني أحدٌ خطأ. لو لم يكن الجاني كرديا، ولو لم يكن من البشمركة، ولو لم يكن يعمل في المواقع الرئاسية في الجادرية، هل كانت هبّت كل تلك العواصف لمقتل مواطن عراقي من عشرات ومئات يسقطون كل يوم في بغداد وفي المدن الأخرى بسلاح جيش الحكومة وأمنها وجواسيسها، أو تحصدهم مفخخات القاعدة وداعش ومليشيات السيد الرئيس؟

سؤال آخر. ترى لو لم يكن الشهيد مديرا لإذاعة أميركية تبث من بغداد، وللمالكي حاجة لدى سفارتها هل كان القائد العام يفعل ما فعل؟ لو كان الجاني من حزب الدعوة أو من دولة القانون أو من حرس السفارة الإيرانية أكان القائد العام قد استشاط غضبا وهرع إلى مكان ارتكاب الجريمة بنفسه ولم يغادر إلا ويده على رقبة الجاني؟ لا أظنه يفعل.


كاتب عراقي

9