أسئلة عراقية…

الأربعاء 2014/06/18

يطغى الحديث عن العراق في هذه الأيّام على كلّ ما عداه. الحديث كناية عن أسئلة أكثر من أيّ شيء آخر. أسئلة من نوع ماذا يجري في العراق؟ أيّ مستقبل للعراق؟ ما انعكاسات الحدث العراقي على المنطقة ككلّ، خصوصا على سوريا البلد الذي دخل مرحلة التفتيت؟ هل صحيح أنّ “داعش” هي التي تسيطر على الموصل وتكريت؟ هل تلقت إيران ضربة في العراق، على افتراض أنّها ضد تقسيم البلد؟ ما الذي ستفعله الولايات المتحدة التي حرّكت حاملة طائرات في اتجاه مياه الخليج؟ كيف سيستفيد الأكراد من التطورات العراقية، خصوصا بعد أن تمكنوا من التقدّم في كركوك، المدينة المتنازع عليها والتي تهمّ تركيا من زاوية نفطية، ومن زاوية استراتيجية، ومن زاوية وجود تركمان فيها؟

تتوالى الأسئلة، التي تتجاوز العراق إلى أمن الخليج ككلّ وصولا حتّى إلى لبنان الذي يتأثّر بكل ما يدور في الإقليم، خصوصا بعد تورّط “حزب الله” في عملية ذبح النظام للشعب السوري. لكنّ الثابت أنّ ما يشهده العراق هذه الأيّام، أقلّه ظاهرا، أقرب إلى لغز كبير. يصعب تخيّل كيف استطاعت قوات لا يتجاوز عددها المئات إلحاق هزيمة بالجيش العراقي الجديد والسيطرة، ولو مؤقتا، على مدينة مثل الموصل، ثاني أكبر مدينة في البلد.

يصعب أيضا فهم كيف تستطيع قوات غير نظامية التمدّد في أرجاء واسعة من العراق والتحكّم بتكريت وغيرها من المدن والبلدات، وكيف لا تجد القوات النظامية ما تفعله سوى الفرار على الرغم من عددها الوفير والأسلحة المتطورة التي تمتلكها.

هل هناك بالفعل شيء اسمه “داعش”، أي الدولة الإسلامية في العراق والشام؟ أم أنّ المسألة تتجاوز “داعش” التي هي في الأساس مرتبطة بالنظام السوري الذي تشاركه في الحرب التي يشنّها على شعبه؟ أليست “داعش” التي ترتكب كلّ أنواع الجرائم من أجل إظهار النظام السوري وكأنّه يحارب الإرهاب، الإرهاب الذي من صنعه؟

في الأصل، لم تكن “داعش” التي انطلقت من الأراضي السورية في اتجاه العراق، سوى شبيه بـ”فتح الإسلام”، التنظيم الإرهابي الذي اخترعته الأجهزة السورية وحاولت من خلاله السيطرة على مخيّم نهر البارد في شمال لبنان بداية صيف العام 2008. كان الهدف من ارتكاب “فتح الإسلام” تصوير شمال لبنان، بما في ذلك طرابلس، بأنّه وكر للإرهابيين، وأن خروج الجيش السوري من لبنان يخدم كلّ من يريد إقامة “إمارة اسلامية” تهدّد المسيحيين في المناطق ذات الغالبية السنّية. ولذلك لم يجد السيد حسن نصرالله ما يقوله، وقتذاك، عن مخيّم نهر البارد بعد سيطرة “فتح الإسلام” عليه، سوى أنّه “خط أحمر”. هل من يتذكّر ذلك؟ هل من يمتلك حدّا أدنى من المنطق للربط بين مخطط النظام السوري الذي كان يراهن على “فتح الإسلام”، والغطاء الذي سعى “حزب الله” إلى توفيره له؟

ستظلّ “داعش”، بدورها، لغزا بشكل عام، باستثناء أنّها صنيعة الأجهزة السورية، على غرار “فتح الإسلام”… أمّا الباقي، أي ما يدور في العراق، فيبدو أبعد ما يكون عن الألغاز. الباقي ليس لغزا في أيّ شكل، لا لشيء سوى لأنّ الوضع العراقي اليوم هو نتيجة طبيعية لممارسة السلطة على طريقة نوري المالكي، رئيس الوزراء، الساعي إلى ولاية ثالثة بعد تقدّم كتلته النيابية “دولة القانون” على الكتل الأخرى في الانتخابات الأخيرة.

تبيّن، بكل بساطة، أنّ ما زرعه الأميركيون في العراق بعد الحرب التي شنّوها على البلد من أجل إسقاط نظام عائلي- بعثي هو نسخة طبق الأصل عن النظام السوري، لا يصلح سوى لتفتيت المنطقة وإثارة الغرائز المذهبية.

ها هو العراق يتفتّت بعدما حكم المالكي البلد من منطلق أنّه زعيم لحزب مذهبي اسمه “حزب الدعوة”. هذا الحزب الذي أصبح مسؤولا عن العراق وعن كلّ ما يجري فيه، لم يستطع في نهاية المطاف، وبكلّ بساطة، الإمساك بالبلد دون دعم إيراني مكشوف. لم يعد المالكي، الذي تحوّل إلى حاكم بأمر الله في بلد لا دولة فيه ولا قانون، سوى وسيلة لتكريس الانقسام الفعلي بين العراقيين وبين الشيعة أنفسهم. الشيعة الذين يحنُّون إلى دولة مدنية عصرية تحترم المواطن يرفضون المالكي، كذلك التيار الصدري و”المجلس الأعلى”.

إضافة إلى ذلك كلّه، عمل المالكي على جعل كلّ السنّة ضده، لم يراع حتّى الحساسيات الصغيرة. الأهم من ذلك كلّه أنّه لم يحاول، بأيّ شكل، إصلاح الخطأ المزدوج الكبير الذي ارتكبه الأميركيون إبّان سيطرتهم على العراق.

يتمثّل الجانب الأوّل من هذا الخطأ في حلّ الجيش العراقي من دون أخذ في الاعتبار لتشريد المعيلين لنحو نصف مليون عائلة. ماذا يستطيع أفراد هذه العائلات فعله، غير اللجوء إلى التطرّف، عندما يصبحون من دون باب رزق؟

أمّا الجانب الثاني من الخطأ، المرتبط عضويا بالجانب الأوّل، فهو الذهاب بعيدا في ما يسمّى “اجتثاث البعث”. كم من المظالم ارتكبت باسم اجتثاث البعث من منطلق مذهبي ليس إلّا. كانت في العراق قيادة قاصرة إلى أبعد حدود في مجال التعاطي مع حقوق المواطن وفهم ما يدور في المنطقة. كان على رأسها رجل دموي اسمه صدّام حسين.

ولكن هل كان مئات آلاف البعثيين فاسدين ودمويين حتى يفقدوا وظائفهم وأبسط حقوقهم كمواطنين؟ هل صار على كل بعثي دفع ثمن ما ارتكبه صدّام حسين، وعلى كلّ سنّي التحول إلى مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة بسبب عهد صدّام حسين؟

تجمّعت عوامل عدّة في جعل نظام نوري المالكي، الذي عادى كلّ ما هو عربي في العراق واستفزّ في الوقت ذاته الأكراد، ينهار بالشكل المدوي الذي انهار به. هناك ثورة شعبية حقيقية في العراق. هناك رفض لنظام مذهبي متزمّت لا يرى العالم إلّا من خلال حزب معيّن. العراق إلى أين؟ يبدو أنّ التقسيم صار اليوم واقعا. هل المالكي، ومن خلفه إيران، ضدّ التقسيم أصلا؟


إعلامي لبناني

8