أسئلة في الحقيقة والكرامة

السبت 2016/11/19

بدأت في تونس جلسات الاستماع العلنية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، التّي تنظمها هيئة الحقيقة والكرامة والتي شارك فيها عدد من ضحايا الاستبداد منذ استقلال تونس، وتحديدا بين 1955 و2013.

الجلسة الأولى التي بثّت على محطات تلفزيونية عديدة لن تكون يتيمة، إذ ستنظر الهيئة خلال جلسات أخرى في الآلاف من الشهادات والشكاوى، ويفترض أن تتواصل هذه الجلسات على مدى أكثر من سنة.

السجال الذي اتصل بالجلسة الأولى كان انعكاسا لما يسود الساحة السياسية التونسية من تجاذب. إذ انقسمت التقييمات بين الفخر بالحدث واعتباره مفصلا في مسار العدالة الانتقالية في تونس، وبين التقليل أو السخرية من الجلسة ومن هيئة الحقيقة والكرامة والسياسة التي تقف وراء كل ذلك. القول الأول كما الثاني، كما الحدث ذاته، أبعاد تحتاج للتنسيب تفاديا لفخ السقوط في تهليل يحول دون تطوير التجربة، أو في التأثيم الذي لا يقيم اعتبارا لإيجابيات يمكن البناء عليها وإن كانت قليلة.

جلسة الاستماع الأولى، حوكمت بما سبقها من سجال، بمعنى أن الأحداث التي طبعت الأيام التونسية الماضية ضغطت بثقلها على التقييم، وأفقدت أغلب القراءات الموضوعية الضرورية. جدير بالتذكير أن تشكيل الهيئة لاقى انتقادات كثيرة، وأن رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، أثارت جدلا منذ تعيينها على رأس هذا الهيكل الدستوري وأن ممارسات الأخيرة وقراراتها والخلافات بين أعضاء الهيئة، عوامل أثّرت في انتظارات التونسيين لمنجز الهيئة وحددت التقييمات التي انهالت منذ بث الجلسة الأولى.

سبع شهادات قدمت خلال الجلسة المذكورة، بعضها لعائلات شهداء ثورة 14 يناير 2011، وبعضها الآخر قُدم من قبل سياسيين سجنوا وعذّبوا سواء في عهد الحبيب بورقيبة أو في زمن حكم زين العابدين بن علي (المناضل اليساري جيلبار نقاش والإسلامي سامي براهم).

كان واضحا أن الشهادات اختيرت بعناية للتوفيق بين العائلات السياسية التونسية، ولتمكين عائلات الشهداء من فرصة الإسهام في توثيق اللحظات الثورية. هنا كانت التقييمات متناقضة، بين من اعتبر الحدث مسرحية أقرب لبرامج تلفزيون الواقع منها لتجارب العدالة الانتقالية، وبين من اعتبر الجلسة لحظة فارقة في تاريخ البلاد. والثابت أن الموقف الأول تبخيس للشهادات ولأجيال متعاقبة من المناضلين والمناضلات، وأن الموقف الثاني لا يعير اهتماما لسلبيات التجربة، لمجرد أن أغلب الشهادات ستكون بمذاق إسلامي، وفي ذلك إيقاف وقبر لكل إمكانية لتطوير التجربة أو حتى إصلاحها.

التجربة التونسية هي التجربة الثانية بعد التجربة المغربية (عبر هيئة الإنصاف والمصالحة)، وهي تجربة قابلة للتطوير رغم الانتقادات التي وجهت لها. الانتقادات، وفيها الكثير من الانتقادات المشروعة، لا تعني ضرورة التخلي عن المشروع برمته.

الجلسة العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة، أفرزت طوفانا من الأسئلة، كان أولها السؤال المتعلق بالغياب اللافت للرؤساء الثلاثة (رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب)، وكان يفترض أن تواكب الدولة ما يقدم من شهادات عن تاريخها للقول بأنها جادة في قراءة التاريخ، وفي السعي إلى عدم تكرر الانتهاكات.

شهادات الضحايا لا تكتمل في غياب ممثلي السلطة أو الضالعين في ارتكاب الانتهاكات، ولن تعدم الهيئة سبل تدبر كيفية استدعاء ممثلين عن الهيئات السياسية والأمنية التي تورطت في الانتهاكات.

العدالة الانتقالية تحتاج شرطا ضروريا هو الاعتذار. وهذا الشرط ينسحب على كل من مارس العنف والترهيب أو دعا إليه أو نظّر له أو حماه، ولا يستثنى من هذا الشرط أي طرف سياسي لأن الإجماع حاصل حول ارتكاب السلطة للانتهاكات، ولكن العديد من الأطراف السياسية مارست العنف بحق البلاد. وهو شرط يبدو أن الهيئة غير آبهة بأهميته.

العدالة الانتقالية فعل معقد تتداخل فيه الأبعاد القانونية والسياسية والتاريخية والتعليمية والثقافية. والغاية هي عدم تكرر الانتهاكات وتصالح الشعب مع تاريخه، ولا شك أن الأمر يقتضي أولا الذهاب بعيدا، في البحث عن الأبواب التي أدت إلى الاستبداد، وهي أبواب قانونية وتربوية وثقافية ساهمت في انحراف الدولة الوطنية عن مسارها. وفي غياب هذه الشروط وغيرها، تزداد الخشية من أن تتحول جلسات الاستماع إلى مواعيد للإثارة أو للتجارة، وهكذا تكون الخسارة مضاعفة، ونكون قد بددنا فرصة أن نضمن عدم تكرر الانتهاكات، وأفقدنا التجربة مصداقيتها وما تحتويه من بذور بناء.

صحافي تونسي

9