أسئلة كبيرة

الأحد 2016/01/03

لم يختلف عام 2015 عن ستة أو سبعة أو عشرة أعوام سبقته في حلقة متصلة من الانحدار الذي بصم الحياة العربية بزواياها السياسية والاجتماعية وطالت المرافق الثقافية التي نعتبرها آخر المصدّات المحتملة لإيقاف التداعيات الكبرى التي شلّت الوطن العربي وأوقفته عند حافة هاوية قد تكون باتت متوقعة إلى حدّ كبير.

مراجعة الذات الثقافية في وعيها الجديد أمر لا تحدّده استطلاعات ولا تقوم به مؤسسات ثقافية وأدبية وأكاديمية، فكل شيء ارتبط قسرا بالسياسة، بوصفه مفهوما عاما مؤثرا، والمنجز الفردي يحاول أن يخترق هذه الذات التي شكلتها ظروف ما بعد الربيع العربي الأسود الذي هيمنت عليه السلفية الجاهلية، حتى يؤسس لأصوات متباعدة لعلها تصل إلى العربي المتشظي بحروب الطوائف وهجرات الغرق وتهجير الذات من داخلها وكسر إيقاعاتها نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. لكن الفردية في البث الثقافي العام محدودة الإمكانيات وتحتاج إلى عوامل متضافرة تشكل ضفيرة من الأسس العميقة في إنشاء وبناء وعي جماعي- ثقافي يستطيع أن يخلق جسور منيعة لتمرير الوعي المضاد على خلفياته وأيديولوجياته المحبطة والمتخلفة.

هنا لا يمكن تشكيل صورة متكاملة عن ظاهرة أو ظواهر ثقافية عربية، لكن نشير إلى معطيات ملموسة أبرزها شيوع الصوت الثقافي على منابر التواصل الاجتماعي التي خرقت الكثير من المحظورات السياسية وتهشيم صورة التابوات الإسلاموية المتخلفة التي ترافق ظهورها البارز مع ثورات الربيع العربي الدموية، لذلك نجد عددا كبيرا من الأدباء والمثقفين استغنوا عن الصحف والمجلات وأنشأوا صفحات فيسبوكية لمخاطبة القارئ المتواري خلف هذه الصفحات في محاولة إيجاد مناخ اجتماعي- ثقافي للوصول إلى عقلية العربي المنشطر بين تيارات فكرية وجدت ساحاتها في كل مكان.

الكتابات الفكرية التي أنتجتها السنوات الماضية لمحاربة التطرف والإرهاب ظاهرة تستوقف القارئ وتجتذبه وتشيع فيه روح التفاؤل من أن هناك مَن يواجه الحياة السوداء بالحياة البيضاء المجردة من العنف بتاريخية الثقافة وجمالها ومعطياتها الحقيقية لا المزيفة، ليبدد أحلاما مريضة تقودها جماعات ودول حاضنة وصانعة وممولة للإرهاب، وليفضح كهنة التاريخ بأفكارهم المريضة الخارجة من صحارى العزلة اليتيمة.

لهذا فإن هذا العام شهد شيئا ما من أسئلة المجتمع في كيفية محاربة الأفكار الظلامية وتهيئة مناخات جديدة لواقع عربي لا يخضع لابتزازات السلفية وأفكارها المنحرفة التي تريد أن تفرض قاموسها البالي على المجتمعات العربية كمهيمن يخترق النسق الثقافي العربي العام.

وإذا ما كانت الثقافة بشقها الفكري الذي أنتج قسما منها عام 2015 لمواجهة التصحر الفكري الإرهابي، فإن الثقافة العربية بشقها الإبداعي، شعرا وقصة ورواية ومسرحا وفنونا تشكيلية وسينما، تفاوتت في العطاء والابتكار والتجديد والتحديث؛ فعلى الصعيد الشعري لا أعتقد أن هناك شيئا قد حدث لا سيما وأن الشعر بشكل عام يتراجع أمام السرد العربي الهائل الذي فرض واقعه بقوة مع تحفظاتنا على الكمّ الكبير الذي قرأناه. ونعتقد دائما أن الجوائز العربية التي تتبناها دول خليجية أسهمت إلى حدّ كبير في إبراز هذا اللون السردي باحتضانه وتقييمه ماديا ومعنويا، ولا سيما جائزة البوكر العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة وجائزة كتارا القطرية، وأخيرا جائزة ملتقى القصة القصيرة في دولة الكويت.

يعد السرد الروائي العربي هو الأبرز عام 2015 وأظنه سيبقى في السنوات التالية كأحد مهيمنات الثقافة العربية في واقعها الجديد ونعتقد أن لجائزة بوكر العربية فضلها في تقدير هذا الفن وإشاعته عالميا، على أن تؤكد مسابقة كتارا في دوراتها اللاحقة مثل هذا التعزيز بإبراز الأصوات الجديدة وإلحاقها بميدان السرد العربي احتضانا واهتماما وشيوعا وترجمة.

لكن لا توجد أسماء سردية عربية محددة يمكن أن نتوقف عندها إلا قلة قليلة لا تزال تواصل عطاءها كالجزائري واسيني الأعرج والسوداني أمير تاج السر والمصري يوسف زيدان والعراقي علي بدر والكويتي سعد السنعوسي والجزائرية أحلام مستغانمي برومانسياتها التي تستدرج فئة معينة من القرّاء، وغيرهم من الأسماء القليلة.

ويوجد اليوم في العراق كذلك مدّ روائي لافت للأنظار لكنه كمّ كبير لم يفرز نماذجه المتميزة بعدُ، وهو مدّ نهض بعد سنة 2003 بطريقة جماعية ساهم فيها الشعراء أيضا تحت غطاء إن عصر الرواية يبيح للجميع الكتابة فيها، وهي ظاهرة صحية في العموم خرجت من معطف الحرب أيضا وستتبلور تلقائيا مع الوقت لتفتح أفق السرد العراقي بأسئلة فنية كثيرة.

أما التجربة المسرحية والسينمائية العربية فلم نطّلع عليها هذه السنة لأسباب القطيعة الفعلية التي تسببت فيها الحروب المحلية الطائشة، ومثلها نشاطات الفن التشكيلي وغيره من الفنون المحايثة التي غطّت عليها الكتب الفكرية المنشغلة بملاحقة ظواهر التكفير والإرهاب.

الخلاصة أنه في عموم ثقافة 2015 العربية ثمة أسئلة فكرية كثيرة وكبيرة لكنها لا توازي المتغيرات الحقيقية التي أحدثتها الصراعات السياسية والطائفية والعسكرية المحتدمة في أرجاء متفرقة من الساحة العربية، وما ظهر من نتاج فكري يعتبر ردود فعل طبيعية لأفكار تنويرية تحاول أن تواجه حجم الكارثة الحقيقية التي وقعت في السنوات الأخيرة.

روائي من العراق

11