أسئلة وأفكار وخلاصات حول مكانة الترجمة في الثقافة العربية

الأحد 2015/03/01
كل شيء في حياة العرب ضرب من الترجمة

أبوظبي - كلما جاء الحديث على ذكر الترجمة إلى العربية، تبادرت إلى الذهن، فورا، تلك الفجوة الحضارية التي تفصل بين العرب والعالم عموما، والغرب تحديدا. وفي حين يشير واقع الحال إلى أن هذه الترجمة ماتزال تتأثر، إلى حدّ بعيد، بالخيارات الفردية للمترجمين أكثر من تأثرها باستراتيجية خاصة بالترجمة قد جرى تبنيها مؤسساتيا، وإذا وجدت هذه الترجمة فإنها غير منهجية غالبا. إذن،هل يتحمل غياب استراتيجية ممنهجة للترجمة إلى العربية أسباب ضعفها؟ وكيف يمكن لنا أن نتلمس حاجتنا إلى الترجمة في حياتنا اليومية؟

كانت هذه الفكرة مدار نقاش بين عدد من المثقفين العرب الذين حازوا جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الترجمة، وفرع التنمية وبناء الدولة. فإذا اتفق البعض منهم على أمور بعينها، فقد اختلفوا في أمور سواها. وفي ما يلي حصيلة ذلك النقاش:


مشروع وطني غائب وأفراد بلا طموح


تعدّ منزلة الترجمة في الحضارات المختلفة، سواء توالت أم تعاصرت، من المؤشرات الدالة على حيويتها الذاتية وهي من تقنيات الاستفادة من خبرات بعضها البعض في إطار من التنافس في ما بينها. ذلك أن الترجمة هي في آن علامة تعاون وصراع بين الأمم، أعني أنها علامة كل تنافس معرفي وثقافي بين الأمم والحضارات.

تدل الترجمة على التعاون، لأنها تمكن الحضارات من تبادل الخبرات والتجارب ومن ثم من توحيد التراث الإنساني المتحرر من حاجز اللغات: إذن فهي تواصل متعال على الموانع اللسانية. ولكنها في آن تدل على الصراع، لأن في الترجمة ما يشبه الاستعلام عن الخصم الممكن، ذلك الاستعلام الذي قد يلامس التجسس على تحصيله المعرفي والثقافي للإحاطة بما يدور في فكره وإبداعه وللاستفادة منه في التسابق بينهما على التحصيل العلمي والتقني والثقافي.

أبو يعرب المرزوقي: لا اقتصاد عربيا للترجمة ولا سوق لها

لذلك فكلما تضاءل دور الترجمة في أمة من الأمم، كان ذلك علامة على تأخرها وقلة طموحها وضمور قدرتها التنافسية. فيكون ذلك دليلا على غياب المشروع الوطني المتنافس في المسرح الدولي عند الجماعة وعلى خمول الفكر وضعف الطموح عند الأفراد. ومن الأدلة الحاسمة في هذا المضمار، أن النهضات كلها بدأت وتواصلت بفضل حركات ترجمة نسقية في إطار مشروع نهضوي طموح. وهذا الدليل متحقق في النهضات الخمس المعلومة تاريخيا والتي هي دائما، ذات مستويين:

ــ مستوى مباشر يتمثل في التلاقح بين الشعوب والثقافات بالممارسة العيانية، وأهم علاماته تعلم لغة الأجنبي والعمل بها دون ترجمة منها لدى من يمكن أن يصبحوا مترجمين في مشروع يهدف إلى الفاعلية الفكرية.

ــ وغير مباشر يتمثل في ثمرات هذا التلاقح المعيش الذي يوسط اللغة الوطينة فيتعين في الأعمال الناتجة عن الترجمة ذاتها، وذلك استجابة لحاجة الأقل تقدما في الزاد المعرفي والخبرة لما عند الأكثر في المجال المترجم منه.

وبذلك تكون الأعمال المترجمة ليست ممثلة لظاهرة التلاقح الحضاري بين الشعوب، فحسب بل هي تمثل شرط التحرر من التثاقف الانفعالي المعيش. فتوسط اللغة الوطنية يحقق شرط الاستقلال الفكري بوصفها الغربال الذي تنتخب به الأمة ما تطلبه وما يستجيب لحاجة مشروعها التاريخي فينتقل التلاقح من موقف المنفعل إلى موقف الفاعل القادر على انتخاب ما يحتاج إليه واستبعاد ما لا يناسب مشروعه الحضاري. الترجمة إذن هي في آن عملية تبادل رمزي بين حضارات متفاوتة التقدم أو متنافسة على تحصيل المعلومات المفيدة في مجالات تنافسها، وهي كذلك في آن أداة تحكم في التأثر الحضاري بفضل وساطة اللغة الوطنية التي تحول دون انقلاب التلقي إلى الانفعال العفوي الذي قد يهدد هوية الأمة. ومن ثمّ فالترجمة جزء لا يتجزأ من التنمية عامة بتوسطها بين التنمية المعرفية النظرية والعملية، وبتوسطها بين التنمية الذاتية التي تثري الهوية بإبداعات الغير، مع حمايتها من التلقي الانفعالي بفضل الوساطة الحامية التي تؤدّيها اللغة الوطنية.

وواقع الأمر، أن حركة الترجمة إلى العربية هي تجربة تبدو شديدة التعثر كميا وكيفيا، رغم أن بدايتها متقدمة، أو على الأقل هي معاصرة لمحاولات الشرق الأقصى ذات النجاحات الشهيرة في اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين وجنوب شرق آسيا. فما العلة إذن؟ وكيف يمكن التدارك؟

في صدد الجواب عن العلة؛ فبخلاف غيره من الكائنات الحية، إن الإنسان لا يتعامل مع محيطه الطبيعي مباشرة، بل هو يوسط بينه وبين منظومات تصورية حول نظامه وقوانينه، إذ أنه بحاجة إلى ترجمة أولى تنقله من الظواهر والأحداث إلى ما وراءها من علل وقوانين، وتلك هي المعرفة. والأمم يتفاوت سلطانها على محيطها بهذا المستوى الأول من الترجمة التي تنقل الطبيعي والحدثي إلى الرمزي والتصوري المناظرين لهما، وهذا الزاد الرمزي الذي يصوغ التصورات هو زاد الخبرة عند الأمم. لكن المقصود بالترجمة عادة هو المستوى الثاني الذي ينقل هذا الزاد الحاصل عند جماعة ذات لغة أجنبية إلى لغة المترجم، ليجعل أمته تستفيد مما لم تتمكن من تحصيله بذاتها، أو مما تريد أن تستفيد منه.

تخطيط لساي سرحان

فخبرة غيرها يمكن أن تمكنها من اقتصاد الوقت والجهد في عملية التنافس على شروط الحياة المادية والروحية: من هنا يأتي تجسس الدول والشركات على بعضها البعض للاستفادة من الخبرة بكلفة أقل. وبذلك، ففعل الترجمة بمستواه الأول هو صوغ الخبرة صوغا رمزيا نظريا. وهو في مستواه الثاني نقل لصوغ الخبرة أو التجربة بلغة معينة إلى لغة أخرى؛ فالترجمة إذن حاجة معرفية أولا، وهي حاجة تكيفية ثانيا، أي التكيف مع المحيط يجعل المترجم مفيدا لجماعته من الخبرة الحاصلة عند جماعة اللغة المترجم عنها.

أما حول التوقف عند السؤال الثاني: كيف يمكن التدارك؟ فيصبح بوسعنا عند ذلك أن نقترح الحلول الناجعة؛ فإذا علمنا طبيعة المحرك لفعل الترجمة تتحدد مجالات الترجمة التي يمكن التخطيط للاستفادة منها في مشروع أمة ذات طموح، أمة ساعية لربح معركة التنافس الحضاري بمنظور يطلب الندية وعدم التبعية. فالمحرك هو نقل الخبرة بأسرع ما يمكن لاستفادة من أكثر من جهد. فذلك يغني الأمة عن تكرار كل التجارب والمجهودات التي أوصلت إلى تلك الخبرة المنقولة والمفقودة في تراثها.

إن الترجمة هي إحدى الوسائط الضرورية للتنافس والإنجاز في هذين المجالين فتكون جزءا لا يتجزأ من حاجتهما إلى الخبرة الحاصلة في كل الجماعات التي تنافس الأمة المترجمة، إذا كانت أمة حية وذات مشروع ذاتي مستقل يريد تحقيق شروط التنافس القادر. وبهذا المعنى فالمنطق الذي تخضع له تنمية فعل الترجمة هو منطق المبادرة الاقتصادية.

ولما كانت المبادرة الاقتصادية تحتاج في آن إلى دولة تحقق شروط النجاعة لأفعال الأفراد والجماعة فإن ما يصحّ في الاقتصاد يصحّ في الترجمة التي هي وسيط ضروري في شروط الاقتصاد الحديث بل وهي أحد فروعه الأساسية: الدولة تحقق شروط الفاعلية الاقتصادية لفعل الترجمة، أي: 1- شروط البداية. 2- وشروط الغاية. 3- وتترك العملية للمبادرة الخاصة إلى جانب. 4- المبادرة العامة تماما ككلّ اقتصاديّ فعال. 5- ضمن سياسة تحقق مشروعا وطنيا مدركا لغاياته، وأهمها النجاح في التنافس المحقق للندية.

والمعلوم أنه من دون هذه الشروط لا يمكن تصور الخروج من التعثر الحالي، لأن السوق والاستهلاك هما قاطرة كل إنتاج لبضاعة أو خدمة في مجال التبادل والتواصل بين البشر. ولعل الأهم في حالتنا هو حماية حقوق المترجمين ومنزلة المهنة؛ التي هي جزء أساسي من المنظومة المعرفية والبحث العلمي القادر على المنافسة (الاستعلام المعرفي على خبرة الأمم في العلم بقوانين الطبيعة والتاريخ) وجزء من المنظومة التكيفية التنافسية (الاستعلام التجسسي على خبرة الأمم في التنافس بجميع مجالاته وخاصة في تطبيقات تلك القوانين والاكتشافات التقنية والتكوينية للإنسان).

كلما تضاءل دور الترجمة في أمة من الأمم، كان ذلك علامة على تأخرها وقلة طموحها وضمور قدرتها التنافسية

فالترجمة إذن ينبغي أن تصبح مقوما أساسيا في المنظومة التربوية والبحث العلمي، ومقوما جوهريا في المنظومة الدفاعية للأمن الاقتصادي والاجتماعي والعسكري.

وشروط الغاية هي الأهم، لأنها هي تعلل فشل فعل الترجمة في النهضة العربية الحالية، رغم الجهود التي تذكر فتشكر لبعض الشخصيات العربية ولبعض الدول، ولعل أهمها الإمارات العربية المتحدة التي بدأت بعض الدول العربية الأخرى تحاكيها في تشجيع الترجمة وتخصيص الجوائز للمترجمين.

لكنه لا يوجد اقتصاد قادر على المنافسة إذا كان فاقدا لسوق مضمونه تمكنه من الشروط الدنيا للثبات في التنافس. والترجمة إلى العربية اقتصادها عديم السوق لانعدام المستهلكين لمنتجها بضاعة وخدمة. ذلك أنه إضافة إلى أن الدويلات العربية عند النظر إليها فرادى ليس لها أدنى قابلية للمشروعات الطموحة التي يمكن أن تنافس العمالقة في مجالات البحث العلمي والخبرة التقنية فإن الترجمة فيها عديمة السوق.

أبو يعرب المرزوقي: مؤلف ومترجم من تونس، فاز بالجائزة في دورتها السادسة عام 2012 عن ترجمته “أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص وللفلسفة الظاهراتية” لإدموند هوسيرل


ترجمات تستهدف الرواج

ألبير مطلق: لابد من تفاهم حول المصطلحات مقبول بين المترجمين


من غير الإنصاف أن نلوم الترجمة على الفجوة الحضاريّة التي تفصل بين العرب والعالم عموما، والغرب تحديدا، الترجمة نفسها تعاني من أوجه الضعف التي نعاني منها. فمن الطبيعيّ أن نضع الترجمة في طليعة العوامل المساعدة في بناء الحضارات، قديما وحديثا، على أنّه لو قدّر لنا أن نترجم كتب العالم كلّه، لما جعلنا ذلك من السبّاقين بين الشعوب. بين الترجمة والنهضة عموما تفاعل، الضعف في إحداهما ينعكس على الأخرى، وكذلك قوّة إحداهما قوّة للأخرى، ولعلّ من الملاحظات التي يمكن إيرادها حول الترجمة ما يلي:

- غياب استراتيجيّة خاصّة بالترجمة إلى العربيّة عموما، وعلى الرغم من نشأة مؤسّسات خاصّة بالترجمة، لكنّ عملها لا يزال يعتمد على الجهود الفرديّة والخيارات الفرديّة. إنّه من الأهمّيّة بمكان وضع مخطّطات واضحة لترجمة المصادر الأساسيّة في ميادين الثقافة الإنسانيّة، ومتابعة المؤلّفات الحديثة ونشرها في أسرع وقت ممكن، وتيسير وصولها إلى أوسع شريحة من الناس، خصوصا الشباب منهم.

- تقوم دور النشر بدور كبير في نشر الكتب المترجمة وغير المترجمة، لكنّها تختار عموما الكتب التي يمكن أن تجد رواجا، أو على الأقلّ الكتب التي لا تتسبّب بخسارة مادّيّة. من هنا نحتاج إلى أن ندعم دور النشر ونشجّعها على نشر كتب بمواصفات معيّنة ووفق استراتيجيّة محدّدة.

- على الرغم من أوجه الضعف التي تعاني منها الترجمة إلى العربيّة، فإنّ ما نترجمه اليوم من اللغات الأخرى يفوق كثيرا ما كنّا نترجمه في أواسط القرن المنصرم، ولعلّ هذا الاتّجاه في تصاعد. لقد افتتحت فروع خاصّة بالترجمة في عدد كبير من الجامعات في بلدان العالم العربيّ، وهي تخرّج طلاّبا ذوي مؤهّلات عالية. والهدف من تخريج هؤلاء الطلاّب هو تلبية سوق العمل بالدرجة الأولى. مع ذلك يؤمل دائما أن يبرز من بين هؤلاء مترجمون يسعون إلى النهوض بعمليّة الترجمة، وسيظلّ للفرد دائما دوره في نهضة الشعوب.

- من المشكلات الكبيرة التي نواجهها في الترجمة إلى العربيّة مسألة المصطلحات؛ في العلوم، في الصحّة والطبّ، في المصطلحات الحضاريّة على اختلاف أشكالها، في مصطلحات الحياة اليوميّة، وفي المصطلحات التي تستجدّ في العالم كلّ يوم، نواجه صعوبة بالغة في اختيار التعبير العربيّ المناسب. تحدّد مجامع اللغة العربيّة قواعد نقل المصطلحات، ولكنّ المشكلة من التشعّب والاتّساع بحيث نجد الأكاديميّين والمترجمين حائرين في مواجهة المشكلة، ويسعى كلّ واحد إلى حلّها على النحو الذي يجده أقرب إلى الفهم. نحن اليوم، للأسف، نتلقّى الحضارة ولا نصدّرها. كم من مصطلح في السيّارات التي نتباهى بقيادتها، كم من مصطلح في وجبات الطعام التي نستطيبها، وكم من مصطلح في العلاجات الجديدة التي نلجأ إليها؟ هذا هو ما عنيته عندما قلت إنّ بين الترجمة والنهضة تفاعلا، ومن الصعوبة بمكان أن نضع ترجمة مثاليّة ما لم نكن نحن فعّالين في بناء الحضارة.

في الظاهر تبدو الترجمات خيارات فردية عابرة، لا تزال تحتاج إلى أن يتم تبنيها مؤسساتيا، ومع ذلك فإن المفارقة هنا هي أن المؤسسات لا تترجم

- الترجمة عمل معقّد يتطلّب مجهودا كبيرا، ويستلزم دقّة ومؤهّلات عالية؛ علينا أن نتذكّر أنّ الترجمة عمل كأيّ عمل آخر، وأنه ينبغي أن تكون المكافأة عادلة، وبمستوى العمل نفسه. للأسف كثيرا ما يقتحم الميدان مترجمون غير مؤهّلين، وهؤلاء يستعان بهم لضآلة ما ينالون. أعتقد أنّ مكافأة الترجمة الجيّدة مهما عظمت صغيرة، ومكافأة الترجمة الضعيفة مهما ضؤلت كبيرة.

- في السنوات الأخيرة لاحظت تزايد الاهتمام بإصدار كتب مترجمة قيّمة الموضوعات ورصينة، ولاحظت أنّ عددّا متزايدا ممّن يقومون بالترجمة هم من ذوي المؤهلات العالية، الذين يبدون اهتماما كبيرا بالدقّة والأمانة في النقل، ويزوّدون ترجماتهم بشروح ويضعون فهارس، ويضعون حيث يلزم ثبتا بالمصطلحات. وإذا كان لي من اقتراح فإنّه لا يتعلّق مباشرة بأسس الترجمة، فهذه معروفة. لكنّي أرى أنّه سيصعب على الترجمة أن تلبّي حاجاتنا العلميّة والعمليّة على نطاق واسع قبل التوصّل إلى تفاهم مقبول حول المصطلحات في أنحاء العالم العربيّ، وخصوصا المصطلحات العلميّة ومصطلحات الحياة اليوميّة.

ألبير مطلق: مترجم من لبنان، فاز بالجائزة في دورتها الرابعة عام 2010، عن ترجمته “موسوعة الحيوانات الشاملة” من اللغة الفرنسية



شخصية عربية منفتحة

محمد طاهر المنصوري: لابد من توافق بين الطابع الرسمي والاختيار الشخصي في الترجمة


لقد اعتبر الغرب الترجمة وسيلة من وسائل الهيمنة على الآخر، من خلال الاطلاع على معارفه وآدابه وتاريخه وذهنيته، لذلك رافقت الترجمة حركة الهيمنة منذ الحروب الصليبية. وقد اعتبرها القديس بطرس المحترم (1092-1151 ميلادية) أداة من أدوات محاربة الديانات السماوية الأخرى وخصوصا الإسلام. وهو ما دفع به إلى تأسيس المدارس العربية التي كانت تعمل على استكشاف الحضارة العربية الإسلامية، كما طوّرت أغلب البلدان الأوروبية مؤسسات تعليمية راقية اختصت في شؤون الترجمة، ليس بالمعنى اللغوي البسيط كما قد يتصوره البعض في عالمنا اليوم وإنما في نقل الحضارات الأخرى نقلا شموليا، بترجمة الإنتاج الفكري والعلمي واستكشاف الروح الحضارية للآخر مصدر الآثار المترجمة.

من هذا المنطلق تطورت الترجمة لتصبح أداة من أدوات التعارف واكتساب المعارف. وقد حرصت دول أوروبية عديدة على مأسسة الترجمة وجعلها جزءا من عملية إنتاج المعرفة مثلما هو الشأن في اليونان وإسبانيا حيث تساهم الترجمة في استكشاف الآخر وتعريفه بالذات في نفس الحين من خلال الترجمة من وإلى اللغة الوطنية في هذا البلد أو ذاك. وقد أدت هذه التجارب إلى قفزة معرفية جعلت الفارق بين الغرب والعالم العربي عبارة عن هوة سحيقة.

ويعود هذا التقدم الغربي في مجال الترجمة إلى الذهنية الأوروبية المتطلعة إلى فضاءات معرفية أرحب، تضيف ولا تخيف، تقدم ولا تمسخ الذات الأوروبية الواثقة من كيانها، وغير المتوجسة من الآخر المختلف. فقد استطاع الأوروبيون استبطان المعارف الإنسانية و”أوربتها” وإعادة إنتاجها كإبداع أوروبي. ولعل الكثير من الأفكار والاختراعات والإبداعات ذات الجنسية الأوروبية هي في الأساس وليدة حضارات أخرى كالعربية والأفريقية وغيرها ولكنها لم تأخذ حظها من الذيوع والانتشار حتى أن الأصل ضاع وبقيت النسخة. لذلك تعتبر الترجمة من وإلى أيّة لغة محطة أساسية في تطوير المعرفة وبناء الشخصية الفكرية لأيّ مجتمع من المجتمعات.

في حين ظلت الترجمة في العالم العربي “علما متروكا” لا يعتني به إلا قلة من الناس لأسباب عديدة منها ما هو مادي باعتبارها حرفة أو مهنة يتعاطاها البعض تحصيلا لقوت اليوم وهو أمر طبيعي وفي كثير من الأحيان يكون بعضها متسرعا لأن الغاية منه هي إنجاز عمل ما دون تفكير في القيمة العلمية أو المعرفية أو المنهجية التي قد تضيفها الترجمة. كما أن كثيرا من الترجمات يقوم بها من حذق اللغة دون حذق المعرفة. فليس من السهل على المترجم الذي حذق اللغة أن يترجم أي نص بل يجب أن يكون المترجم ممن حذقوا المعارف التي يتنزل فيها النص المترجم، ولا يمكن أن تكون المعرفة اللغوية وحدها قادرة على نقل المعرفة من حقل ثقافي إلى حقل آخر.

حركة الترجمة إلى العربية هي تجربة تبدو شديدة التعثر كميا وكيفيا

ومنها الترجمة التي تقوم عليها مؤسسات حكومية وهي ترجمات يمكن اعتبارها “ترجمات رسمية” تخضع لرغبات السلطات وتتماشى مع السياسات الرسمية للدول. وهي ربما ترجمات تلقى رواجا باعتبار طابعها الرسمي. وهي ليست بالضرورة الأجدى محتوى والأجود ترجمة، كما نجد ترجمات يختارها من حذق اللغات وهي ترجمات تخضع للاختيارات الشخصية وتكون مرتهنة للناشرين.

لذلك يجب أن تقع المزاوجة بين الطابع الرسمي للترجمة والاختيار الشخصي للمترجمين، بمعنى أن تكون للدول العربية سياسات رسمية للترجمة ومؤسسات قارة مختصة في الترجمة بمعناها الشمولي، مثلما كان ولا يزال يحدث في الغرب والاعتماد على أهل الاختصاص في شتى العلوم لتقديم ما يمكن أن يترجم من المعارف. وليست الترجمة اليوم ضرورة لنقل المعارف فقط بل لنقل المناهج، إذ أن نقطة الضعف في الدراسات العربية في أغلبها على الأقل هي ضعف المنهج وقلة الاطلاع على الأساليب الحديثة في البحث وفي طرق مواضيع في بعض الأحيان غير متوقعة بسبب أحادية اللغة. لذلك، ومن هذا المنطلق يمكن أن تلعب الترجمة عدة أدوار في تاريخ الحضارة العربية المعاصرة، باستكشاف المناهج والعلوم التي تعتمد عليها الدول المتقدمة وتقديم الإنتاج الحضاري العربي ونقله إلى اللغات الأخرى من أصوله العربية. تساهم هذه الطريقة في بناء شخصية عربية صلبة متفتحة متنورة قابلة للأخذ والعطاء قادرة على النقد وقابلة للإصلاح والتصالح مع الذات من ناحية، ومن ناحية أخرى تساهم الترجمة في تشبيك العلاقات الإنسانية وتدعم مساهمة العرب في بناء الحضارة الإنسانية.

محمد الطاهر المنصوري: مترجم وأكاديمي من تونس، حاز الجائزة في دورتها الثامنة عام 2014، عن ترجمته “إسكان الغريب في العالم المتوسطي” لأوليفيا ريمي كونستابل



حال الترجمة انعكاس لتردّي واقعها

محمد كبة: تراجع الترجمة سببه تراجع كل شيء في الواقع العربي


يتساءل الناس عن سبب تراجع الترجمة في عالمنا العربي متناسين أن الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في واقعنا العربي. ولا أظن أننا نغالي إذا قلنا إن الوضع العربي مؤلم أثخنته الجراح، وما حال الترجمة اليوم إلا انعكاس لوضع العالم العربي المتردي. فالترجمة، مثلها مثل سائر النشاطات العلمية أو الفنية أو الثقافية الأخرى، لا تنفصل عن الواقع، لأنها جزء منه تنهض بنهضته وتنحدر بانحداره؛ فهذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي ألقى بظلاله القاتمة على حركة الترجمة وخلف انحسارها الكبير في أغلبية البلاد العربية.

لقد فرض هذا الواقع على الترجمة قيودا كثيرة جعلها حبيسة مبادرات وجهود فردية، أعطت كل مترجم حرية اختيار المادة التي يريد طرحها على الناشر. ليس هذا فحسب، بل صار كل من آنس في نفسه القدرة على الترجمة لا يتورّع عن الإدلاء بدلوه في هذا الخضم حتى لو جاءت النتائج مخيبة للآمال. وأضحى الهدف من الترجمة تجاريا بحت، لا يقيم وزنا للمادة العلمية ولا للفائدة الثقافية المرجوة من هكذا عمل.

إن المترجمين أناس متخصصون وقادرون على مدّ الجسور بين مجتمعات اختلفت ألسنتها. إنهم يهدفون إلى تحقيق مهمة كثيرا ما وصفت بالمستحيلة لأنها تعيد صياغة أفكار كتبت أصلا بلغة مختلفة ضمن مفاهيم ثقافية غريبة. لكن الترجمة، بصرف النظر عن الصعوبات النظرية، تظل أداة فعالة من أدوات التواصل لأنها تتيح لأبناء هذا العالم فرصة رسم معالم مستقبل مشترك دون الحاجة إلى التخلي عن اللغة الأم التي تشكل جزءا لا يتجزأ من شخصيتهم وكيانهم. لذلك كان من الضروري تدريب المترجمين وإعدادهم إعدادا جيدا سواء في مختلف مجالات الترجمة، سواء المكتوبة أو الشفوية (الفورية أو التتبعية أو البينية).

هذا الدور الحيوي الذي تلعبه الترجمة في التقارب بين الحضارات وجسر الهوة الثقافية بين الثقافات جعل دعمها ضرورة ملحة لا غنى عنها من أجل توفير المناخ الملائم للمترجمين وتشجيعهم على القيام بهذه المهمة الشاقة، من خلال خطوات علمية مدروسة منها: إقامة هيئة متخصصة في العالم العربي تعنى بالترجمة وشؤونها وعدم الاكتفاء بالكليات والمعاهد التي تدرسها. وإعداد المترجمين المتخصصين إعدادا جيدا وتدريبهم على ممارسة هذا الفن بشتى فروعه المكتوبة والشفوية. كذلك من المفيد إعداد قاعدة بيانات شاملة تتضمن أهم الكتب التي تصدر عن دور النشر في الدول المتقدمة، وبصفة خاصة أوروبا وأميركا وتوفر للمترجمين معلومات وافية عن كل ما ترجم، أو هو قيد الترجمة، في العالم العربي بحيث تتحقق الفائدة ولا يضيع الجهد في ترجمة عمل سبق أن ترجم أو مادة غثة لا فائدة منها. ثم تكليف جماعة من المترجمين المتخصصين بترجمة كتب منتقاة من قاعدة البيانات، ولا سيما تلك المتعلقة بنشر المعرفة والتقنية مما يضمن اختيار الأعمال المهمة التي تسهم في دفع عجلة التطور الحضاري والمعرفي في هذه المرحلة بالذات. فالتخصص مطلب ملحّ في كل فرع من فروع المعرفة. وأخيرا، من الضروري إعداد دورات متخصصة في قواعد اللغة العربية والتحرير العربي بما يضمن جودة العمل المترجم وعدم الاكتفاء بدراسة اللغات الأصل. هذه الدورات المتخصصة تساعد المترجمين على إنتاج ترجمة دقيقة وسليمة من الناحيتين الدلالية واللغوية.

إن رسم استراتيجية شاملة خاصة بالترجمة خطوة لا بدّ منها إذا ما أردنا لهذا الفن العريق أن يؤتي أكله اليوم في العالم العربي. فاختيار الكتب المهمة من قاعدة البيانات، وبالأخص تلك الكتب التي تعنى بنقل المعرفة والتقنية، ضمن استراتيجية شاملة تسهم دون شك في جسر سنوات طوال من الفجوة الحضارية الواسعة بين العالم العربي والبلدان التي سبقته.

محمد كبّة: أكاديمي ومترجم من سوريا، حاز الجائزة في دورتها الخامسة عام 2011، عن ترجمته “الثروة واقتصاد المعرفة” لألفين وهافلي توفلر



إننا عرب محدثون نحن ظاهرة ترجمية

فتحي المسكيني: الترجمة مشروع ينبغي أن يتجاوز أمزجة الأفراد


ما من أحد ينكر الفجوة الحضارية بين العرب والغرب، لكنّ منزلة أو دلالة الفجوة قد تغيّرت أو غيّرت من أفقها: إنّها تكمن في سياسة الحقيقة وليس في ماهية الحقيقة نفسها، أي في سياسة العقول وليس في العقول ذاتها. ومن ثمّ فإنّ مصير الترجمة إلى العربية ليس مشكلا شخصيّا لهذا المترجم أو ذاك. بل هو جزء من تحوّل روحي وأخلاقي عميق تعيشه شعوب معيّنة في فترة معيّنة وفي ظلّ نوع معيّن من فكرة الدولة. فلم يعد المطلوب هو سدّ الفجوة، بل تغيير الأفق، وإنّما هنا بالضبط تظهر الحاجة التاريخية إلى الترجمة، ليس باعتبارها وسيلة نقل حضاري، بل بوصفها جزءا خطيرا من سياسة الحقيقة التي تشرف عليها مؤسسة أو دولة ما.

أجل، في الظاهر تبدو الترجمات خيارات فردية عابرة، لا تزال تحتاج إلى أن يتمّ تبنّيها مؤسّساتيا، ومع ذلك فإنّ المفارقة هنا هي أنّ المؤسّسات لا تترجم، إذ الترجمة في ماهيتها إبداع شخصي أو إنتاج أشخاص بعينهم، ولكن في المقابل إنّ الترجمة لا تنجح إلاّ في إطار مؤسّساتي. وبالتالي ما يعطّل مهمّة الترجمة إلى العربية ليس الفجوة الحضارية بين العرب والغرب، فهذا على الأرجح عرض تاريخي تشترك فيه مع بقية بلاد العالم، بل بالأحرى غياب التوسّط المناسب بين خيارات الأفراد واستراتيجية المؤسسات. وهما وجهان لعملة واحدة.

نعم، تجري الترجمة على غير منهج. وإنّ وجود “استراتيجية ممنهجة للترجمة” هي شرط مؤسساتي رائع، لكنّه يظلّ في حاجة أخلاقية إلى طاقات شخصية استثنائية يجب البحث عنها والتواصل معها، وخاصة تشريكها في التفكير في مستقبل الترجمة، وليس اعتبارها مجرّد أدوات أو وسائل تحت تصرّف المؤسسات. طبعا، من وجهة نظر مؤسساتية، ثمّة ارتباط مؤكّد بين غياب استراتيجية للترجمة وبين ضعف الترجمات أو ندرة الترجمات الجيدة. لكنّ مجرّد التشجيع الموسمي، وإن كان شرطا هامّا، فإنه بدوره يظلّ في حاجة إلى تدعيم من نوع آخر.

بهذا المعنى، كيف يمكن لنا أن نتلمس حاجتنا إلى الترجمة في حياتنا اليومية؟ من الواضح أن كلّ حياتنا اليومية هي مترجمة أو تكاد. ومن الإجحاف لأنفسنا الحالية أن نتعامل مع الترجمة وكأنّها قطاع على حدة، أو يمكننا عزله عن نمط حياتنا الحديثة. إنّ كوننا “محدثين” لا يعني شيئا آخر سوى أنّنا ظواهر ترجميّة معقّدة.

فالحداثة هي سياسات ترجمة أو لا تكون. نحن ننتقل من لغة إلى لغة أخرى في كل شبر من اليومي: كل ما حولنا من آلات أو أشكال معمارية أو إدارات أو قوانين أو إشارات مرور، إلخ.. هي ترجمات تكنولوجية ورقمية وقانونية ومعياريّة؛ وإنّ مواطنا حديثا لا يتقن فكّ شفرة المدينة التي يسكنها هو بلا شكّ سيكون مترجما سيّئا، وبالتالي ساكنا سيّئا ومن ثمّ مواطنا سيّئا.
الترجمة عمل معقّد يتطلّب مجهودا كبيرا

وعلينا هنا بالتحديد أن نعرّف الترجمة: إنّها سياسة المرور من لغة إلى لغة، داخل حياة يومية واحدة. نحن نوجد في كلّ لحظة على حدود شعوب ولغات وعصور مختلفة. ومن لا يستعمل أكثر من لغة في حياة واحدة، هو قد حرم سلفا من أن يطأ عقله أو قلبه أو حواسّه عوالم عديدة، هي متاحة لغيره الذي يقاسمه الغرفة أو القطار أو الساحة العمومية أو الانتماء وحتى الإيمان. إنّ التواصل اليومي بين مواطني الدولة الواحدة لا يمكن أن يتمّ من دون تدريب جيّد وكاف على الترجمة من لغة (طبيعية، تراثية، قومية، إلخ..) إلى لغة أخرى (اصطناعية، رقمية، أجنبية، جندريّة، إلخ..).

أما عن كيفية الخروج من هذا المأزق على نحو يفيد الثقافة العربية، فإنه فضلا عن التبنّي المؤسساتي لقطاع الترجمة، وتكريم المترجمين الأكفاء، وبناء استراتيجية ممنهجة للترجمة، والحرص الرسميّ على الاحتفاء بالترجمات الجيّدة، فإن من الممكن أن نقترح ثلاثة أمور:

أ- العمل على تكوين المترجمين وليس فقط تكريم الجيّدين منهم.

ب- تأطير المترجمين أو تأطير اختياراتهم لأعمالهم ومتابعة إنتاجهم وتشجيعهم على الانخراط في أعمال ترجمية تأسيسية كبرى (موسوعات عظمى، معاجم ضخمة، أعمال كاملة، إلخ..).

ج- الدفاع عن سياسة للحقيقة، تكون الترجمة جزءا من طرق إنجازها. وخاصة بالربط القوي والعميق بين حاجات العقل في الثقافة العربية الراهنة، وفي هذا المفصل الحاسم من تاريخنا الحديث، وبين مشاريع الترجمة.

أجل الترجمة يقوم بها أفراد، لكنّ الترجمات يجب أن تكون حلقة في سياسة للحقيقة في ثقافة ما، وليس اختيارا جماليا أو تجاريا. بمثل ذلك تكون الدولة حليفا روحيّا للمفكّرين، وإطارا ملائما لتربية العقول على فكرة الإنسانية. وليس ثمّة من عقد أخلاقي بين المترجمين وبين مؤسسات الترجمة سوى تربية العقول على القيم الكونية للإنسانية. وهنا يتبيّن أنّ الترجمة هي الجهاز الأكبر وربما الوحيد الذي يمكن أن يمتلكه شعب ما كي يلحق بعقل الإنسانية.

فتحي المسكيني: مترجم من تونس، فاز بالجائزة في دورتها السابعة عام 2013، عن ترجمته “الكينونة والزمان” لمارتن هايدجر

12