أساطيرنا والمسرح

الشاعر خزعل الماجدي من أبرز الكتّاب العرب الذين أنتجوا نصوصا مسرحية مكيّفة عن التراث الأسطوري الرافديني، في سياق اشتغاله البحثي على الميثولوجيا والأديان والسحر.
الأحد 2018/04/15
نصوص تراجيدية حفلت بالميثولوجيا الإغريقية

تُعدّ الأسطورة، في المنظور الشعري، “دفئا للعقل والجسد”، فالشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد، كما يقول الشاعر الفرنسي باتريس دولاتور دوبان، ذلك أن الطاقة التخيلية التي تكتنزها الأسطورة فيها ما يتيح التأسيس لبؤرة من العلاقات الإنسانية، إضافة إلى ما تولده في الإنسان من القدرة على الاستباق والاستشراف.

 ولعل هذا الدفء الذي تبعثه الأسطورة كان واحدا من أهم أسباب تكييف شعراء التراجيديا الإغريقية لملاحمهم وأساطيرهم في نحو ألف نص مسرحي تراجيدي، خلال مدة لا تزيد عن مئة عام، لم يصلنا إلا القليل منها.

ويُلاحظ أن هذه النصوص التراجيدية قد كيّفت المادة نفسها التي قامت عليها ملحمة الإلياذة، خاصة حرب طروادة، ومنجزات هرقل، ومآسي أوديب وسلالته، ومآسي أجاممنون وسلالته، على كثرة الأساطير التي تحفل بها الميثولوجيا الإغريقية.

وإذا قارنا بين التراث الأسطوري اليوناني والتراث الأسطوري الذي ابتدعه أجدادنا في العراق ومصر وبلاد الشام، نجد أن الثاني أعرق وأضخم من الأول، ويتسم بثرائه الدلالي والجمالي، وتعدد نصوصه (المتمحورة حول الخصب، والإخصاب، والحب، والزواج المقدس، والآلهة والبشر، والحضارة، والسلطة، والموت والبعث والحياة الأبدية، في إطار الأسئلة المقلقة التي رافقت الوجود البشري)، التي تشكّل ما يمكن تسميته بـ”الفكر الميثي”.

وتشتمل رمزيتها على كل ما اهتزّ في دخائل مبتدعيها من المعاني الحيوية المهمة. لكن رغم ذلك لم يكيّف كتّاب المسرح العربي، خلال قرن ونصف القرن من عمر هذا المسرح، ملاحمهم وأساطيرهم إلاّ في نصوص قليلة، وبصيغ درامية يمكن تحديدها في ثلاثة أنواع: يتمثل الأول بالنصوص التي كيّفها كتّابها للمسرح من دون أن يحدثوا تغييرا في أحداث النصوص الأسطورية، أو شخصياتها، أو الرؤى التي تحكمها. أي بمعنى أنهم أضفوا عليها طابعا مسرحيا فقط من خلال التقنية، ولم يمسوا نواتها الأساسية، أو بُناها الدلالية.

ويتمثل الثاني بالنصوص التي كُيّفت الأساطير بتأويلها وفق رؤى معاصرة أحدثت تغييرا في أحداثها، أو شخصياتها، أو نواتها الأساسية، أو منظوراتها، لتتناغم ومشاغل عصرنا الحالي، انطلاقا من منظومة الأفكار والأيديولوجيات والتصورات التي يحملها هؤلاء الكتّاب. أما النوع الثالث فيتمثل بالنصوص التي انتزع فيها كتّابها الشخصيات الأسطورية من محاضنها وزرعوها في الحاضر، وافترضوا لها وجودا ومواقف وأفكارا متخيلة أو وضعوها في
فضاءات معاصرة غريبة عليها، وزجوها في صراعات مع شخصيات معاصرة.

ويمكن القول إن الشاعر خزعل الماجدي من أبرز الكتّاب العرب الذين أنتجوا نصوصا مسرحية مكيّفة عن التراث الأسطوري الرافديني، في سياق اشتغاله البحثي على الميثولوجيا والأديان والسحر.

وقد ذاعت شهرة هذه النصوص، التي صدرت مع نصوص أخرى له في مجلد كبير ضمن أعماله الكاملة، في أرجاء الوطن العربي، وحضيت باهتمام وحضور واسعين في العديد من المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وكُتبت عنها دراسات ومقالات ورسائل وأطروحات جامعية كثيرة، أجمع أغلبها على أنها “نصوص مفتوحة” اتخذت من الينابيع والمصادر الدينية ونصوص التـصوف والإشـراق والغنوص رافدا جرى امتصاصه لإظهار رموز لها وظائف جديدة من خلال حذف وحدات نصية أو إعادة تركيبها وتسليط الضوء على وحدات أخرى لم تكن مقروءة سابقا، وإضافة “موتيفات” أو ثيمات جديدة إليها لإثرائها دراميا ودلاليا.

10