"أساطير رجل الثلاثاء" رواية العالم السري للجماعات الراديكالية

الجمعة 2013/11/08
صبحي موسى: بتعطل نشرها خلت الرواية عملا منحوسا

يدخل صبحي موسى في روايته "أساطير رجل الثلاثاء" الصادرة أخيرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب إلى عالم جماعات الإسلام الراديكالي وعملياتها الإرهابية من أفغانستان إلى أميركا، لينسج عالما ثريا يمزج ما بين الأسطورة والواقع، كاشفا عن قدرتها على التلقيح والحمل والتكاثر نتيجة ارتباطها بشبكة واسعة من الأجهزة والأنظمة العربية والغربية وتردّي الأوضاع لدى قطاعات واسعة من الشعب العربي، متناولا العديد من رموز تيار الإسلام الراديكالي التي شغلت الرأي العام بدءا من الملا محمد عمر والظواهري وعبد الله عزام وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهم، انطلاقا من حياة قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

يظهر أسامة بن لادن في رواية "أساطير رجل الثلاثاء" على أنه شخص عجوز منعزل عن الواقع في كهف مهجور، يتأمل تجربة حياته القصيرة الثرية متعددة المستويات، ويجوب بذاكرته في فواصل التاريخ العربي الإسلامي ليتماهى مع المشاهد والأحداث، ويسعى لاستعادتها. كما يكشف عن العلاقات السنية الشيعية الخفية ودورهما في بناء هذا التنظيم القاعدي وتدريبه وتمويله والحفاظ عليه، وكيف دبرت فرنسا كيفية تمويل هذا التنظيم عبر تجارة المخدرات مع الإدارة الأميركية خارج نطاق الكونغرس في الثمانينيات من القرن الماضي. وللاقتراب من عالم الرواية والروائي صبحي موسى كان لنا معه هذا الحوار.

المرض بالتاريخ

بداية يؤكد صبحي موسى أن الرواية كانت مشروع تفرغ حصل عليه من وزارة الثقافة لمدّة ثلاث سنوات، وحين انتهى منها عاد إلى عمله بإدارة النشر في قصور الثقافة، لكنه ظل يعيد النظر فيها حتى شعر أنه سيفسدها من كثرة إعادة النظر، ويضيف "خططت لها أن تكون في ثلاثة أجزاء، وأن تعتمد على الشكل الوثائقي بالدرجة الأولى، فعدت إلى أكثر من مئة وخمسين مرجعا، كان من بينها مذكرات التلمساني والبنا وكتاب معالم على الطريق لسيد قطب والفريضة الغائبة لناجح إبراهيم وغيرهم من رموز الإسلام الراديكالي، فضلا عن المراجع التاريخية الكبرى مثل ابن كثير والطبري وابن إياس وابن تغري بردي وغيرهم.. وخلال عودتي إلى هذه المراجع فتنت بالعديد من الفصول التاريخية التي كتبها مدونو التاريخ بخيال أعظم كتاب نوبل في الرواية، فقررت أن أضمّن هذه الفصول في النص تأكيدا مني على أن التاريخ ليس سوى حكاية أدبية كبرى، وأن منطقه ليس سوى منطق الكاتب الذي يغرم بحادث لم يره فيقوم بتكملة تفاصيله من خياله، وسرعان ما يأتي غيره ليضيف إلى الرواية السابقة، لنجد أنفسنا أمام طرح أدبي يصل إلى منطق الأساطير وليس حتى الكتابة الروائية، لكن الإشكالية أنني وجدت لديّ مستويين من الكتابة، أحدهما يخصني والآخر يخص الآخرين بتنوعهم وتعدد أساليبهم الكتابية الفاتنة، وشككت في أن هذا سيفسد العمل مما دفعني إلى إعادة كتابة النص ككل من جديد، إعادة هضم كل ما قرأته وتضمينه في النص عبر سرد رجل اخترته أن يكون مريضا بالتاريخ وليس عاشقا له، ومن ثم جعلته مجلدا واحدا بدلا من ثلاثة مجلدات، ومختصرا بما يزيد عن الثلثين، وأعدت ترتيب فصول النص بحيث أصبح فصل البداية الذي انطلق منه منطق الحكي هو الفصل الرابع أو الخامس، حيث يجلس شيخ عجوز في كهف مهجور برفقة صبي صغير وقبة ضريح يحتوي على عظام رجاله ورفاق رحلة كفاحه، ولا يملك سوى البكاء والنحيب والتذكر، هذا التذكر الذي يختلط فيه ما عاشه وما سمعه وما تعلمه بما قرأه وما أحبه وسعى لإعادة إنتاجه، وفي إطار كل هذا يملي على الصبي ما يتصور أنه حكاياته البطولية أو الأسطورية، موقنا بأن هذا الصبي هو جواز مروره إلى اللجنة".

خوف الناشرين

الرواية تفكك العلاقات السنية الشيعية الخفية ودورهما في بناء هذا التنظيم القاعدي وتدريبه وتمويله والحفاظ عليه، وكيف دبرت فرنسا كيفية تمويل هذا التنظيم عبر تجارة المخدرات مع الإدارة الأميركية خارج نطاق الكونغرس في الثمانينيات من القرن الماضي.


انتهى موسى من كتابة روايته عام 2008 لكنها صدرت عام 2013 والأسباب لا ترتبط به قدر ارتباطها بالناشرين وخوفهم من ردود فعل بعض الدول والحكومات، يقول "عرضتها على أكثر من عشر دور نشر مختلفة، وجميعها رحبت بها ثم عادت وتراجعت، حتى أنني وقعت عقدا مع إحدى دور النشر المصرية المهمة، وتلقيت شيكا منها بمبلغ ألف جنيه، وراجعت بروفة أو اثنتين، وأجريت عدة تغييرات طلبها صاحب المؤسسة أو الدار، لكنه في النهاية قال لي إنه لا يمكنه نشر نص عن بن لادن بأي شكل من الأشكال، لأن هناك دولا قد تعترض، وخاصة تلك التي تمّثل أكبر القوى الشرائية في العالم العربي، وما تعترض عليه هي سترفضه بالتبعية دول أخرى، وإن نشرنا هذا النص لن يمنعوه فقط بل سيضعون حظرا على إصداراتنا كلها، فرجاءً أعطني نصا غيره كي ننشره، بالطبع لم أعطه غير الشيك والعقد وقلت له حين يكون لديّ نص سآتيك به، ورغم أنه لديّ رواية جديدة وديوان جديد إلا أنني لم أحبذ التعامل معه".

ويكشف صبحي "العديد من دور النشر – في مقدمتها الشروق – أخذت النص عن طريق يوسف القعيد مرة وعن طريق وائل قنديل مرة، لكنها في كل مرة لم تردّ؛ حين اتصلت بعد شهور من تسليم النص جاء الردّ بأن اللجنة لم توافق عليه، أما دار الجمل لخالد المعالي فقد وصلها النص عن طريق خالد عزب الذي شرح الفكرة لخالد المعالي فرحب بها، وكانت النتيجة بعد قراءة النص التراجع والرفض لنفس الأسباب، أما محمد هاشم فقد أصرّ على تلقي أموال في مقابل النشر، لكنني رفضت ليقيني أن هذا النص جماهيري ومربح لأيّ دار نشر، أما دار العين فقد رحبت بالنص أيّما ترحيب من قبل مدير النشر بها أشرف يوسف بعد قراءته للنص، وفي النهاية جاء الرفض تحت دعوى أنه من الضروري الجلوس مع صاحبة الدار والتحاور معها حول الفكرة، وكذلك فعلت دار رؤية، ونفس الأمر تكرر مع دار الآداب، وغيرها من دور النشر التي خشيت على تسويقها من نشر نص قد يُرفض، وهو ما جعلني أتصور أن هذه الرواية عمل منحوس، ورحت أفكر في نشر الرواية الحبيسة الآن في الأدراج بدلا منها، وبالفعل قدمتها لهيئة الكتاب، لكن أحد الأصدقاء الأعزاء نصحني بتغيير النص، وبالفعل قمت بذلك، وكنت -حتى قبضت على النسخة بيدي- أتصور أن هذا النص لن ينشر، لكن ها قد حدث ومن خلال كبرى مؤسسات النشر في مصر وهي هيئة الكتاب.

الرواية بها العديد من التفاصيل والمعلومات عن حياة بن لادن وأسرته ورجاله، ولكن ما الذي جعل الناشرين يعتقدون أن هناك مَن سيعترض عليها، يقول صبحي "أثناء عملي على النص قرأت كما قلت أكثر من مئة وخمسين مرجعا تاريخيا سواءً في القديم أو الحديث، المدهش أنني اكتشفت العديد من المعلومات عن علاقة الأنظمة العربية بجماعة بن لادن، وفي حياة بن لادن العديد من التفاصيل التي ترتبط بتلك الأنظمة، فقد كانت بمثابة المطبخ الذي لا بدّ من مرور هذه الجماعات المترفة عليه، لدعم بعض من عناصرها وتوجيههم وأحيانا لتعيينهم في جماعاتهم".

خارج السياق

يمارس صبحي الكتابة النقدية والصحفية بجانب العمل الإبداعي في الرواية والشعر، الأمر الذي لا يتوافق مع ثقافة لا تعترف بالتنوع، إذ ترغب دائما في تصنيف أبنائها في خانة يمكن التعامل معها، وهذا ما يشكل لعنة مازالت تطارد صبحي حتى الآن، فالروائيون يعتبرونه شاعرا، والشعراء يقولون إنه روائي أفضل منه شاعرا، وهكذا "كل منهم لا يذكرني إذا أراد أن يتحدث عن المشهد الراهن، رغم أن كلاّ منهم يريدني أن أكتب عن عمله، هكذا جعلني هذا السياق خارج الحسابات دائما، وجعل علاقتي بالوسط تبدو كما لو أنها خارج السياق، رغم أن فكرتي عن الكتابة كانت بسيطة وعادية للغاية، فالشعر له مميزاته المدهشة في التعبير، لكنه لا يمكنه أن يقدم التفاصيل، لا يمكنه أن يقدم افتضاحا للمجتمع، ولا خلق واقع مواز للواقع المعتاد، كما أنه لا يمكنني أن أكون موظفا لدى الشعر، فلا يمكن لشاعر أن ينتج كل عام ديوانا جديدا، كما أن تغيير التجربة يحتاج الدخول في عالم يستحوذ على كل إمكانيات العقل، وهذا ما يؤهل الذهن لتجربة جديدة عن التجربة السابقة، ومن هنا كان منطقي لدخول عالم الرواية، لكن كيف نقنع ثقافة اعتادت على التصنيف وإراحة الذهن أن تجهد نفسها وتقرأ بعيدا عن هذا التصنيف، كيف نقنعها أن ما بعد الحداثة تعني التعدد والتنوّع وربما الفوضى الخلاقة وليس الأحادية والسعي في ركاب النوع والواحد والكاتب الواحد والزعيم الواحد والحزب الواحد، هذه ثقافة لا ينتمي إليها أبناء التسعينات ولا يعرفون منطقها القاتل".

الشخصية المصرية


في روايته "صمت الكهنة" بحث صبحي عن الحقيقة بانتهاك الصمت حيث تقوم فكرتها على بحث في العقل الجمعي المصري، والمرتكزات الأساسية التي تحكمه طوال تاريخه، "فالثقافة المصرية الراهنة لا تنحصر في تيار أو جماعة أو رافد معين، فإذا كانت نواتها الأصل هي الحضارة الفرعونية التي دامت أكثر من ثلاثة آلاف عام، فإن هذه النواة تراكمت عليها طبقات يونانية ورومانية وعربية وتركية، وأسيوية، فضلا عن العناصر الفارسية التي تداخلت معها في نهايات العصور الفرعونية، ومن ثم فالمصريون الآن يتحركون وفقا لحاكمية هذه النواة التي طمست معالمها الأساسية، ربما بسبب منطق الكهنة القدامى الذين رغبوا في الحفاظ على حضارتهم من خلال الحفاظ على أسرارها داخل جدران معابدهم، فلمّا سقطت الدولة عسكريا وتمّ نهب معابدها فقدنا أدوات التواصل مع هذه الحضارة، لكنها ظلت في المكوّن الرسمي، وظل فعل الصمت أحد أهمّ معالم الشخصية المصرية.

15