أساطير سوداء

السبت 2016/01/23

مع استحضار قصة "قابيل وهابيل" بوصفها أول تجل نصِّي لممارسة العنف في تاريخ الإنسان، وعلى الرغم من ضآلة ما تتوافر عليه هذه القصة من دوافع ومكونات، ومن تعمد تغييب عناصر جوهرية كان يمكن لحضورها أن يسهم في إشباع حاجة القارئ، من أي زمن جاء ولأي أمة أو ثقافة انتمى، فإننا نقرأ في ما تتوافر عليه القصة من مكونات أمورا لا تقل أهمية عما نقرأه في المكونات الضرورية التي جرى تغيبها عنها، أوتلك التي حضرت كوقائع أهمل تعقب تطورها وسكت عن كشف أسبابها وتتبع مآلاتها، وذلك على نحو يجعل للمسكوت عنه دلالات تناوش، تجاوبا أو تعارضا، تلك التي يبثها المصرح به.

ولأن قصة "قابيل وهابيل" مبذولة للناس منذ القدم عبر تنويعات نصية لعل رواية "العهد القديم"، في صيغتها الأولى الناقصة، أن تكون أقدمها حضورا، كنص مكتوب تم تدوينه تأسيسا على مرويات شفهية، أو رقع مخطوطة سابقة عليه، ثم جرى إكماله، أو تعديله، أو إعادة صوغ بعض جمله لإزاحة غموض اعتراها، أو لجعلها تدل على غير ما كانت تدل عليه، وذلك عبر الترجمة اليونانية لسفر التكوين وما أعقبها من ترجمات إلى لغات أخرى، أو أساطير تكميلية في مقدمتها "أسطورة لامك" التي أتاحت، جميعا، تداوله واستلهامه، إو إعادة إنتاجه وترويجه في أعمالٍ أدبية وفنية وإعلامية، فإن مقصدنا من استحضارها، الآن، إنما يتلخص في الدعوة إلى إعادة اكتشافها من منظور عصرنا الذي يمارس فيه القاتلُ "قابيل"، وسلالته المتكاثرة الموغلة في امتداد وحشي غير مسبوق، حضورا طاغيا تنسرب تفاصيله في أدق تفاصيل الحياة الإنسانية الراهنة وعلى امتداد مساحات تكاد تغطي مدارات العالم وأحيازه جميعا!

ولعل أبرز مكونين تعرضا للتعديل وإعادة الصوغ، عبر الترجمات والأساطير التكميلية، إنما يتمثلان في أمرين:

أولهما تحديد "العلامة" التي منحها الرب لقابيل "لكي لا يقتله كل من وجده" (سفر التكوين، 15:4)، بأنها "قرنانِ"؛

وثانيهما: تعديل العقوبة المثلثة التي فرضها الرب على قايين لقتله أخيه هابيل من مجرد وسمه باللعنة "ملعون أنت من الْأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك"؛ وتعطيل قدرته على الإنتاج وتحصيل القوت من زرع الأرض، إلى عقوبة أكثر وضوحا وأشد صرامة، وذلك بسحب الحصانة من "القتل الانتقامي" التي منحها الرب للقاتل قابيل"كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه" (سفر التكوين، 4: 15)، إلى إيقاع قتل غير متعمد أو مبيت أو مقصود عليه، من قبل أحد أحفاده، أي من قبل "لامك" الذي هو صياد ماهر رغم كونه أعمى، والذي يرتدُّ نسبه إلى قايين عبر أب (متوشَائيل) وثلاثة جدود (محويائيل؛ عيراد؛ لحنوك)، وذلك في سياق يعيد التذكير، على لسان "لَامك" القاتل الصدفي للقاتل المتَقصد الأول "قايين" بالحصانةِ الممنوحة لكلا القاتلين.

هكذا لا تفضي إزاحة الالتباس إلا إلى المزيد من الالتباس، إذ تتعزز الحصانة الممنوحة للقاتل، أيا كانت ملابسات الجريمة، عشرة أضعاف (من سبعة إلى سبعة وسبعين)، وإذ لا تولى العدالة، التي توخاها البشر وتاقوا لملاقاتها منذ البدء ولا يزالون يتوخونها ويتوقون لملاقاتها حتى الآن، أدنى التفات من قبل كتبة التوراة، وصناع الأساطير السوداء، ومن أعقبهم من رواة ومفسرين تصدوا لمهمة إكمال نواقصها أو تعديلها أو تصويب أخطائها أو إزاحة التباساتها أو غير ذلك من أغراض وغايات.

ويبدو لي، في ضوء هذه الإطلالة العاجلة، واستنادا إلى الأسئلة الاستنكارية التي فجرتها فطرة العقل الإنساني في عقول قراء "التوراة" الذين قاربوا أسطورة "قايين وهابيل" الواردة فيها، ومن أي ملّة أو ثقافة أو دين كانوا، إزاء الدلالات المتوحشة التي تبثها هذه الأسطورة، أن فرضية مؤصلة تفرض نفسها، من جديد في هذا الزمن الذين نعيش، وهي فرضية تدعونا إلى البحث، بعمق ورصانة، وبتوسع منهجي علمي تكاملي، في الأساطير والموروثات التي هي، بحسب هذه الفرضية، المستنقع الآسن الذي في مستنبته المتوحش نمت جذور كل الأساطير السوداء والأيديولوجيات الظلامية التي تسوغ الاستئثار والظلم والاستبداد والعنف والقتل وتحصن القتلة والإرهابيين باسم الرب.

ناقد من فلسطين مقيم في براتشسلافا

16