أساطير وحكايات شعبية من تهامة والسراة

تحفل الذاكرة الشعبية لمختلف الشعوب العربية بعدد هام من الحكايات التي تمثل موروثا فنيا وسرديا لافتا، مليئا بالأساطير والحكم، ومشبعا بروح التاريخ وتفاصيله. لكن يبقى هذا الموروث على أهميته عرضة لخطر الزوال بزوال رواته، إذ أغلب الحكايات والأمثال الشعبية لم تعرف التدوين بل ظلت الأجيال تتناقلها عن الأجيال السابقة بشكل شفهي، ما يجعل من تدوين هذا الإرث ضرورة ملحة اليوم.
الثلاثاء 2017/06/20
حكايات تستمع لها بشغف

يقدم الكاتب السعودي محمد بن ربيع الغامدي في كتابه “ذاكرة الفواجع المنسيّة.. أساطير وحكايات شعبية من تهامة والسراة”مجموعة من النصوص الحكائية المتداولة بين الناس في قرى منطقة الباحة، يتداولها الكبار في ما بينهم ويرويها الكبار للصغار، وتجري على ألسنة الرعاة والمزارعين والسمّار في ساعات العمل وفي أوقات الراحة في طول المنطقة وعرضها. باستثناء نص بعنوان “جبل قاف” حيث يقول الكاتب إنه نص سمعه من راو يمني.

ويلفت الغامدي إلى أن “جميع هذه النصوص قد وصلتني عبر رواة من مناطق مختلفة داخل الباحة، إلا نصوص السيّر الشعبية فهي نصوص قد نقلتها عن أصول مخطوطة، لم أضف إليها شيئا غير علامات الترقيم، والسير الشعبية هي حكايات يقرأها بعض الفقهاء على سامعيهم المتحلقين حولهم في بيوت ذوي اليسار كما يفعل الحكواتي في مدن الحجاز ومصر والشام. وبطبيعة الحال فإن هناك حشدا من الرواة قد سمعت منهم، أو قرأت عليهم ما سمعته من غيرهم تحقيقا لنصّه”.

ومن بين هؤلاء الرواة نذكر ربيع بن أحمد بن جميع، ومحمد بن صالح بن ربيع، وأحمد بن كلي، وأحمد بن ربيع، وعلي بن جعير الأيتام، وسعد الحسن، ورجب الفريخ، وغيرهم.

ويقول الغامدي في مقدمته “تدوين الأمثال كان سهلا، أما الحكايات فكنا نستمع إليها بشغف دون أن ندون منها شيئا، كانت مهيبة وكان لرواتها ذات الهيبة التي تجلل حكاياتهم، وكانوا جميعا من كبار السن المولعين بترديد الحكاية الواحدة عدة مرات، وربما يتخصص الواحد منهم في حكاية بعينها”.

ويحكي مؤلف الكتاب كيف انتقل سابقا من الطائف إلى الباحة، أيام كانت الباحة ريفا حقيقيا، ويقول “كانت الأمثال العامية والحكايات والأشعار الشعبية تمشي معنا جنبا إلى جنب، في المسارب، وفي المجالس، وفي الحقول المسقوية والعثرية، في المرعى والمفلى، وحتى في العمل، وفي المسجد أيضا كنت تجد رائحة القرية عابقة في محرابه ومنبره، وفي عزْوَرَته وتحت ظُلَّته”.

ويتابع الغامدي “في الفترة ذاتها كان أبي معي، وكان رجلا مخضرما في كل شيء، فهو يحفظ القرآن الكريم، وهو أيضا دائرة معارف شعبية تمشي على قدمين، عاش حقبة في السراة وحقبة أخرى في تهامة، وعاش حقبة من عمره في بلاد زهران ومثلها في بلاد غامد. وكانت قريتي حافلة برجالها الذين تقدمت بهم السن فزادتهم حكمة وإدراكا، وزادتهم تواضعا فما كان أحب للواحد منهم من سؤال تسأله فيبحث إجابته في أضابير تجاربه، كانوا هم جلسائي معظم الوقت، ورفاقي كل خميس، عندما أحملهم معي في سيارتي فنأخذ طريقنا سويا إلى سوق الباحة الأسبوعي، نتبضع منه حاجاتنا”.

ويضيف أنه في العام الثاني من إقامته في منطقة الباحة، كانت إدارة تعليم الباحة قد قررت له محاضرة حول الموروث الشعبي وطرائق تنفيذه في المسرح المدرسي ضمن المحاضرات الأساسية للدورة السنوية التي كانت تقيمها لصقل المشرفين على المسرح المدرسي في مدارس منطقة الباحة.

وتلك المحاضرة منحته، كما يقول، فرصة أفضل لمراقبة الموروث الشعبي ورصده وتدوينه وتصنيفه، وجعلت له موقعا أشمل وأدق، فتعرف خلالها على جوانب أخرى من الموروث الشعبي، وعرف أيضا وسائل لم يكن يعرفها في حفظ الموروث وتوثيقه.

ويشير الغامدي إلى أنه قد تكونت عنده تبعا لذلك مكتبتان “الأولى تضم الكتب التي تبحث في تاريخ الباحة وموروثاتها الشعبية، أو في الموروث الشعبي بصفة عامة ونظرياته ومناهج دراسته ووسائل توثيقه، والثانية تضم أوعية أحفظ فيها كل ما وقع تحت يدي من نصوص الموروث الشعبي في الباحة، من مدونات أو تسجيلات أو تصاوير، وما هذه الحكايات التي أقدمها هنا إلا بعض ما حفظته أوعيتي تلك”.

ونلفت إلى أن كتاب “ذاكرة الفواجع المنسيّة.. أساطير وحكايات شعبية من تهامة والسراة” قد صدر أخيرا عن مؤسسة أروقة للنشر والترجمة والدراسات بالقاهرة.

15