أساليب الحرب العالمية الثانية الحل لمقاومة دعاية داعش

اعترفت الولايات المتحدة الأميركية بفوز داعش في حربها الإعلامية. هذا ما يحيل مباشرة إلى فشل استراتيجية الدول العظمى القائمة أساسا على السخرية. وفي مقال مشترك نشر في صحيفة هافيغتون بوست حاول الكاتبان كترزينا جاسكو وديفيد ويبر، من جامعة ميريلاند تقديم استراتيجية لمقاومة دعاية داعش تقوم على أسس علمية.
السبت 2015/06/20
الخطر الذي يشكله داعش يؤكد الضرورة العاجلة لوضع حملات فعالة تكون جدية وذكية وعلمية

واشنطن - لا أعتقد أن أيا كان لا يزال يعتقد بإمكانية هزيمة التطرف الإسلامي باستعمال الوسائل العسكرية وحدها، أو يشكك في ضرورة الكفاح من أجل قلوب وعقول المجندين المحتملين لحرب التطرف، ولكن يبقى السؤالان الكبيران هما هل يمكن أن نكسب هذه المعركة؟ وما هي المبادرات الفعلية لتحقيق ذلك؟

أحد أهم الأبعاد الرئيسية لهذا الصراع هو التواصل، الذي تعمّق أثره بشكل كبير من خلال موقع تويتر وغيره من مواقع ومنصات الوسائط الاجتماعية. إذ يشنّ تنظيم داعش، على سبيل المثال، حملة دعوة متواصلة لاجتذاب المجندين المحتملين. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التضخم المتزايد لتدفق المتطوعين إلى صفوفه، فلنا أن نقرّ بانّ هذه الجهود ناجحة.

ويشهد النجاح الحديث لداعش في الاستيلاء على مدينة الرمادي في محافظة الأنبار بالعراق ومحافظة تدمر في سوريا على قدرته على تحفيز المجندين على الموت نيابة عنه وإنتاج نوع من التفاني والتصميم، وهو ما تفتقر إليه بوضوح القوّات المعارضة العسكرية العراقيّة المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.

ولم تتراجع الحكومة الأميركية أمام الحاجة الماسة إلى الاستجابة لدعاية التجنيد المضخمة لداعش، وقد تم تكليف وزارة الخارجية بهذه المهمة، وبشكل خاصّ مركز اتصالات مكافحة الإرهاب الاستراتيجية التي شنت عدة حملات إعلامية تهدف إلى التقليص من بريق داعش وثني المجندين المحتملين عن الانضمام إليه. ومع ذلك، ورغم الجهود النابعة من نوايا حسنة، والاستثمارات الكبيرة من الوقت والموارد، فقد تعرضت هذه المحاولات مؤخرا إلى انتقادات كبيرة.

سخرت إحدى حملات مركز اتصالات مكافحة الإرهاب الاستراتيجية من داعش تحت شعار “مرحبا بكم في أرض داعش” وعرضت من خلالها بكل سطحية وخفة الفظائع الوحشية التي تمثّل السمة المميزة لتنظيم داعش، ومع ذلك، فقد أثارت هذه السخرية استجابة مماثلة من وسائط الإعلام “الداعشية” من خلال حملة تحت شعار “تعال ركضا على الأقدام إلى الدولة الإرهابية للولايات المتحدة الأميركية”، وقد تمّ اعتبار فيديو “أرض داعش” فاشلا في النهاية.

في وقت سابق من عام 2013، شرع مركز اتصالات مكافحة الإرهاب الاستراتيجية في نشر حملة باللغة الإنكليزية تحت عنوان “فكّر مرة أخرى، تراجع عن ذلك”، مما يتناقض مع ادعاءات داعش عن القوة والمناعة، كما عرض كذلك فظائع التنظيم وأوجه إساءة معاملة النساء في كنفه، ضمن أمور أخرى.

منهج السخرية يغضب الشباب، كما يزيد من استعدادهم للقتال بهدف الثأر من الإهانة التي يرونها موجهة إلى الإسلام

بالطبع، تستند واقعية الحملات وفعاليتها على واقعية الحقائق التي تدعمها على أرض الواقع. وعلى ضوء النجاحات التي حققها تنظيم داعش مؤخرا، فسيكون من السهل إثبات أن “الحقائق” التي تعلن ليست سوى أكاذيب مغرضة. وعلاوة على ذلك، فإن التركيز على الأعمال الوحشية والفظائع لا يعكس سوى رؤية غربية بحتة. وقد لا تردع الأفراد الذين لا يحترمون سوى لغة القوة والذين يتوقون إلى الرهان على “الخيول القوية”، كما أشار إلى ذلك أسامة بن لادن في الماضي.

وتتقاسم مختلف الجهود التي تبذلها وزارة الخارجية مشكلة مشتركة، هي الافتقار الظاهر إلى إطار توجيهي واضح يحيط الرسائل باستراتيجية متماسكة. وبدلا من ذلك، يبدو أنه يتم إطلاق مختلف الحملات على أساس الحدس البحت الذي يخلو تماما من قاعدة متينة في مجال علم التطرف، وهذا العلم موجود، في الواقع، وينبغي استخدامه لصالحنا.

يدعي هذا العلم بأن جاذبية التطرف العنيف تعتمد على ثلاثة عوامل، هي الحاجة النفسية التي يُشبعها التطرف، الخطاب الذي يعد بالاستجابة الكلية لهذه الحاجة، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تمنح مصداقية لهذا الخطاب.

وتشير الأبحاث إلى أن الجاذبية العظمى للتطرف العنيف متأصلة في حاجة الإنسان إلى الشعور بأنه مهمّ أو أنه ذو أهمية بارزة في أعين الآخرين. وبالنسبة إلى الشباب المسلمين الذين يفتقرون إلى آفاق مستقبلية واضحة ويواجهون تدهورا في وضعهم الحاضر، فإن فرصة عرض أنفسهم كأبطال أو شهداء تبقى مغرية جدا.

يتخيّل هؤلاء المجندون المحتملون أنفسهم في مشاهد يركبون فيها عربات سباق يغطيها الغبار، وهم يسارعون نحو الجبهة في مهبّ الرياح، يحملون البنادق في أياديهم، تعشقهم النساء ويحسدهم الرجال ويتمّ تتويجهم في حماسة من المجد المبهر. تلك هي الصورة القوية والمذهلة التي تقدمها داعش، وتتمثّل المهمة العسيرة لحملات مكافحة خطابات داعش على تويتر في تشويه هذا الخطاب بفعالية دون التسبب في تأثير عكسي على هذه الحملات نفسها.

الجاذبية العظمى للتطرف العنيف متأصلة في حاجة الإنسان إلى الشعور بأنه مهمّ أو أنه ذو أهمية بارزة في أعين الآخرين

من خلال تقديم صورة النفوذ العارم الذي لا ينفك يتقدم نحو نصر محتوم، استطاعت داعش أن توفر مصداقية للمسار الذي تدعي أنه يؤول إلى تحقيق تلك الأهمية التي يصبو إليها معظم المجندين، وتساهم وحشيتها، وأعمالها الهمجية القاتلة، وقسوتها في تعزيز الشعور بالرهبة.

على الحملات الفعالة لمكافحة خطابات داعش على تويتر أن تجد مسارات بديلة نحو المجد تكون على نفس القدر من الأهمية التي تعد بها خطابات السلطة والهيمنة التي تنشرها داعش. لن يكون ذلك سهلا، بلا شك، ومن المؤكد أن ذلك لن يتحقق من خلال تشويه التنظيم أو نعت تابعيه بالغباء أو الضلالة. كما شاهدنا مرارا وتكرارا، سوف يثير منهج السخرية ذاك غضب الشباب المسلمين. كما سيزيد من استعدادهم للقتال بهدف الثأر من الإهانة التي يرونها موجهة إلى الإسلام.

داعش قادر تماما على إضفاء الشرعية على الفوضى الوحشية التي يبثها من خلال خطابات يقدم فيها إشارات إلى قيم تستحق قداستها أن يصل الدفاع عنها إلى حد تضحية كبرى لا توصف، مما يضفي أهمية ومجدا على أبطالها.

ويجب بالتالي صياغة أي خطاب معاكس يهدف إلى منع التطرف بعبارات إيديولوجية. فكما توضح الدراسات، لا يمكن التصدي بصورة فعالة للقيم العليا إلا من خلال قيم أخرى من المثل المقدسة، وتنطبق نفس القاعدة على منهج التصدي للإنجازات التي تعزز أهمية الأفراد.

وأخيرا، تستمد الخطابات التي تمنح أهمية للأفراد مصداقيتها وسلطتها من شبكات التواصل الاجتماعي التي يكثر في كنفها المجندون المحتملون الآخرون، ولهذه الحقيقة الراسخة عدد من الآثار الهامة.

بداية، يجب أن ينبع مصدر هذه الرسائل من حسن نية جزء من هذه الشبكة. بالنسبة إلى الشباب المجندين المسلمين، ستكون للرسائل الصادرة عن وزارة خارجية الولايات المتحدة، على سبيل المثال، مصداقية محدودة إن لم تكن سلبية، ومن ناحية أخرى، قد يكون للرسائل النابعة من مقاتلين عائدين محبطين بسبب ما وجدوه هناك، أو من فتيات جذابات يحططن من أهمية قيم داعش، أثر كبير ومقنع.

وعلى خلفية هذه الحقائق، فإن على حملات الرسائل الفعالة أن تحدّد أهدافا واقعية تستند إلى فهم علم النفس في مجال التطرف. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي وضع فريق من علماء الاجتماع، مع معرفته الواسعة في هذا الموضوع، إلى جانب خبراء في الوسائط اجتماعية، وفي حقوق البث والنشر، وغيرهم من المتخصصين في صياغة هذه الرسائل، وذلك بهدف تحسين المجهودات المبذولة على هذا المستوى في أحسن ظروف ممكنة. ويتوجب تقييم هذه الجهود باستمرار لضمان فعاليتها.

على حملات الرسائل الفعالة أن تحدّد أهدافا واقعية تستند إلى فهم علم النفس في مجال التطرف. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي وضع فريق من علماء الاجتماع

وبطبيعة الحال، فإنه من غير الواقعي أن نتوقع أن تنجح عملية بحث بسيطة في تحديد ما إذا كانت أي رسالة معينة قد أدت إلى تخلي شخص ما، كان قد أعلن انضمامه إلى الإسلاميين، عن خططه الأولية.

نحن لا نملك إمكانية اطلاع كافية على المجندين المحتملين لداعش لمعرفة ذلك، ومع ذلك فإن من شأن بحوث التقييم أن تنجز الكثير في هذا المجال، إذ تستطيع الدراسات التجريبية إنشاء نوع من رد فعل عند تلقي رسالة معينة، ويمكن لفرق المراقبة والدراسات التجريبية، وما إلى ذلك أن “تختبر حرارة المياه” لتسهيل حملة مستقبلية من الرسائل المضادة وإعادة هيكلتها على النحو الأمثل.

خلال الحرب العالمية الثانية، قام الجيش الأميركي بتجنيد أفضل علماء الاجتماع في البلاد للقيام بحملة حرب نفسية واسعة المدى ضد آلة الدعاية النازية. ولم تنجح مشاركتهم فقط في تعزيز فعالية التواصل الأميركي، ولكنها أنتجت أيضا ثروة من المعارف التي يمكن أن تكون مفيدة الآن.

يشير الخطر الذي تشكله داعش ونجاحها في دفع الآلاف نحو التطرف إلى الضرورة العاجلة لوضع حملات فعالة لمكافحة خطابات داعش، تكون جدية وذكية هذه المرة. وهذا المجهود يحتاج إلى تخطيط وموارد وتمويل. ولكن هذه التكلفة تبقى بسيطة بالمقارنة مع السماح لرسائل داعش بالانتشار دون أيّ معارضة فعالة.

18