أسامة الأزهري قائد ثورة تجديد الخطاب الديني تحت قبة البرلمان

الأحد 2016/01/31
عالم شاب يثق به الرئيس

القاهرة - يوما بعد الآخر يحتدم الصراع بين المؤسسات الإسلامية الرسمية، ممثلة في الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء من جهة، وبين مدّعي تجديد الخطاب الديني الذي نادى به الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل فترة لتحجيم المكانة الهائلة التي يحظى بها شيوخ السلفية وأئمة التطرف في أوساط العامة.

ووسط السجالات العنيفة بين الطرفين، التي لا تجد في الغالب وقعا لصلصلة سيوفها في الشارع المصري، يطرح العالم الشاب أسامة الأزهري خطابا هادئا يحظى بقبول واسع عند مختلف الفئات المجتمعية.

الرؤى العاقلة

الأزهري يتمسك بالثوابت من دون تزيّد أو تشدد مثل الذي يظهره شيوخ السلفية في دفاعهم عنها، كما أنه يطرح رؤى عاقلة تصلح للبناء عليها وبلورتها لتكون نواة الخطاب الديني المجدد الذي طالب به الرئيس.

ظهر الأزهري على المصريين، مدعومًا من رأس الدولة، الذي قرر تعيينه في منصب المستشار الديني لمؤسسة الرئاسة. ما فسره البعض بأنه يجري تجهيزه لمنصب ديني رفيع، قد يكون منصب شيخ الأزهر نفسه ليخلف الشيخ أحمد الطيب.

كانت بداية التفات الناس للعلاقة الطيبة التي تربط السيسي بالأزهري عندما اعتلى منبر الخطابة أمام رئيس الدولة، في حضرة شيخ الأزهر ومستشاريه ووزير الأوقاف ومساعديه، ليلقي خطبة الجمعة في حضرة كبار رجال الدين والدولة.

بعدها اعتاد المصريون من مؤسسة الرئاسة أن تخرج بين الحين والآخر، ببيان إعلامي، تتحدث فيه عن لقاء ثنائي جمع السيسي والأزهري، لفترة طويلة، للحديث عن عدد من القضايا الدينية المثار حولها الجدل، والجهود المبذولة في ما يتعلق بقضية تجديد الخطاب الديني، ما صوّر الأزهري على أنه الرجل الذي يعتمد عليه السيسي كليّا في بلوغ الهدف الذي طالما سعى إليه منذ توليه رئاسة البلاد.

البعض ربط اهتمام الرئيس بالعالم الشاب بأنه إشارة على رهان الأول على الشباب، لذلك بدا كأنه وضع اللبنة الأولى لمشروعه الديني باختيار الأزهري في مهمة ثقيلة، لم تنجح في أدائها المؤتمرات المتكررة لوزارة الأوقاف، ولم تفلح معها مساعي دار الإفتاء المصرية، وظهرت مؤسسة الأزهر كأنها بعيدة عن المسؤولية، فعلى الرغم من مرور أكثر من عام ونصف على دعوة السيسي بسرعة تجديد الخطاب الديني، فإن النتيجة لا تزال محلك سر.

الأزهري يرتكن إلى قاعدة فلسفية في مجال التضييق على دعاة التكفير تقول إنه على كل جيل من المسلمين دور في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل البشرية في ذلك العصر

تحت القبة

ولد الأزهري في يوليو من العام 1976 بمحافظة الإسكندرية، انتقل بعدها إلى سوهاج بصعيد مصر، حيث مقر عمل والده. وهناك نشأ على قراءة وحفظ القرآن في سن مبكرة، ما لقي مباركة ودعمًا من الأب، وشجعه لما رآه منه من استعداد للتلقي ونهم للمطالعة والقراءة وشغف بالعلم والعلماء، ثم واصل مسيرته داخل مؤسسة الأزهر العريقة بمرافقة كبار العلماء والسفر معهم إلى اليمن والمغرب وبلاد الشام.

حصل على ليسانس أصول الدين والدعوة الإسلامية من جامعة الأزهر، وعمل معيدًا في قسم الحديث بكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية في فرع جامعة الأزهر بأسيوط، ثم حصل على درجة الماجستير في الحديث والدعوة الإسلامية، ثم الدكتوراه من كلية أصول الدين، وعمل أستاذًا في علم الحديث بجامعة الأزهر.

لا يؤمن الأزهري بفكرة معاداة الآخرين، بقدر ما يجل قيمة التحاور البنّاء لإقناع من نختلف معهم في الفكر والرؤى، قبل أن نصدر أحكامًا مسبقة، قد تكون سببًا في تحولهم مستقبلا من مجرد شخصيات تتعايش مع المجتمع، إلى شخصيات تكفيرية تحاول الانتقام من كل ما يعارضها، لذلك فهو صاحب فكر وسطي، يسعى من خلاله أن يمحو صورة التشدد الديني الذي يتخذه البعض منبرًا لاستباحة الدماء وقتل النفس البشرية دون وجه حق.

لأجل ذلك وغيره، لم يكن من المرهق بالنسبة إلى رئيس الدولة أن يبحث عن شخصية دينية وسطية شابة، لتعيينها في البرلمان الجديد ضمن نسبة الخمسة في المئة التي يحق له تعيينها وفقًا للدستور.

اختار السيسي الطريق الأسهل، وقرر تعيين أسامة الأزهري، ليكون مبعوثه الخاص لتجديد الخطاب الديني تحت قبة البرلمان المصري وخارجه.

لم يخفِ الأزهري فكرة المبعوث الخاص، وإنما على العكس ألمح لها بشكل غير مباشر حينما تحدث عن أولوياته في البرلمان، فقال إنها ستكون تجديد الخطاب الديني، واتخاذ خطوات جادة وملموسة على أرض الواقع، في هذا الشأن، لأجل إدراك القيمة الحقيقية للدين الإسلامي، وكيف هو بعيد كل البعد عن التشدد والفتاوى المضللة التي أضحت سببًا رئيسيًا في هدم بنيان الدول، وساعدت على نشر الفوضى في المجتمع.

يعد من أكثر المطالبين بضرورة سن تشريعات تحمي الفتوى من غير المؤهلين لها، رغم قناعته بأن ذلك ليس كافيًا لوقف الهجمة الشرسة من الفتاوى الشاذة والمضللة، لكنه يدرك تمامًا أنها تمثل أحد الحلول الجذرية لعلاج هذا المرض المتفشي في مختلف المجتمعات، ويعوّل كثيرًا على الثقافة الشعبية للجماهير، في التفرقة بين الفتاوى العلمية والأخرى التي تأسست على الجهل ووفق الأهواء.

هذا الفكر الوسطي، جعل من الأزهري شخصية منقذة لبعض مفاهيم الدين وعلوم الحديث من اتهامات بعض من تصدروا الشاشات بحجة التصدي لتنقيح التراث الديني، ولا ينسى الناس تصديه للإعلامي إسلام البحيري الذي انتقد بقسوة التراث الإسلامي وشكك في المذاهب الأربعة، وتطاول على الأئمة الكبار، واتهم مؤسسي علوم الحديث بأنهم السبب في ظهور التيارات التكفيرية.

الأزهري يتمسك بالثوابت من دون تزيّد أو تشدد

يومها انتهت المناظرة بكشف عوار البحيري وضعف حججه، وخرج الأزهري منتصرًا للدين الإسلامي الوسطي السمح، في قضية كانت الأشهر جدلًا وإثارة في مصر خلال الفترة الماضية.

وحين حُكم على البحيري لاحقا بالسجن بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، لم يظهر الأزهري الشماتة ولم يعل من قيمة نفسه، بل رد على حبسه بطريقة زادت من تواضعه المعهود ونالت استحسان الكثيرين، حينما دعا له على الملأ، بأن يفك الله أسره ويخفف عنه ما ألمّ به، ويعود إلى بيته سالمًا لا يضره سوء مهما طال عمره.

وحينما التقطت صورة له وهو يمد يديه ويصافح “كلبًا” أبيض اللون، وانتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهمه البعض بأنه “لا يفقه في الطهارة”، رد عليهم بعبارة أسكتت الجميع قائلا “تخلقا بشمائل النبوة الرفيعة، وترفقا وبرّا بالإنسان سيد المخلوقات، أقول: اللهم إني أشهدك أني قد صفحت عن كل من أساء إليّ أو تطاول عليّ”.

كابوس داعش

هكذا يظهر الأزهري دائما في شخصية رجل الدين القدوة، لأنه يدرك قيمة أن الساعي نحو تجديد الخطاب الديني لن يجد الطريق ممهدا لذلك، إلا إذا بدأ بنفسه أمام من يسعى لمخاطبتهم وإقناعهم.

ومع وسطيته المعهودة في الدعوة والفكر، واعتماده على السماحة في نشر التجديد، لا يجد غضاضة في أن يفصح عن آرائه الدينية التي تنتقد أطرافا وتيارات بات من المحال تغيير عقيدتها بما يتوافق مع السماحة التي يدعو إليها في علاقات البشر مع بعضهم.

ينظر إلى أن الأطروحة الفكرية لجماعة الإخوان تدعو للعنف والتطرف والقتل، بل إنها تتشابه في أحيان كثيرة مع أطروحة تنظيم داعش الذي يعتمد في الأساس على أفكار الإخوان القديمة للقيام بمزيد من الأعمال الإرهابية، وقطع الرؤوس وتفجير الميادين.

وعن ذلك يقول “ظللت شهورا في التنقيب عن الفكرة الكامنة وراء داعش، إلى أن وصلت لكتاب ‘في ظلال القرآن’ لسيد قطب مؤسس الإخوان، فوجدته منبعا للفكر التكفيري وفيه بيان جذاب ورائع و400 صفحة فيها السم منشورة بين ثنايا الكتاب والفهم المغلوط لقول الله تعالى “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”.

رغم ذلك يؤمن الأزهري بأن تنظيم داعش كابوس سيزول عاجلًا أم آجلا، لأنه يراهن على استنفار الإنسان في أطروحة تكفيرية ستنتهي بإلحاد الشباب المنضمين له، وهذا أمر يستوجب تحركًا سريعًا من علماء الدين المعتدلين للقضاء على هذه الأطروحات التكفيرية.

الرئيس السيسي يبحث عن شخصية دينية وسطية شابة، لتعيينها في البرلمان الجديد ضمن نسبة الخمسة في المئة التي يحق له تعيينها وفقا للدستور. ولم يكن أمامه سوى اختيار الطريق الأسهل، فقرر تعيين الأزهري، ليكون مبعوثه الخاص لتجديد الخطاب الديني، تحت قبة البرلمان المصري وخارجه

أربع مراحل للتطرف

على عكس كثير من العلماء، يسعى الأزهري إلى تحليل مراحل التطرف، قبل التركيز على محاربته، لذلك توصل إلى أربع مراحل، يمر بها القاتل باسم الدين، تبدأ بمرحلة التدين ثم التطرف ثم التكفير، ويتحول في آخر مرحلة إلى قاتل، وهذا ما يعتمد عليه تنظيم داعش، حيث يصطاد العقول ويقلب كيانها ويحوّلها إلى أدوات تخريبية مدمرة.

ويقول عن ذلك إن “الضغط النفسي أو الشبهة الفكرية، قد تكون سببًا في تطرف شخص وانضمامه إلى هذه الجماعات الإرهابية. وتختلف ردود الفعل من شخص إلى آخر، فهناك إنسان ‘الأنا’ عنده مستقرة، وآخر يحتاج إلى الشعور النفسي، وتحقيق ‘الأنا’ وإشباعها، ومن هنا يكون المدخل لهذا النوع، بأن يصوروا له أن تحقيق ‘الأنا’ لن يكون إلا بأن يحمل السلاح ويجاهد ويدمر فيصبح ذا قيمة”.

من هذا التحليل يعتمد الأزهري في تحركاته نحو نزع فتيل التكفير والتطرف، على زوايا عدة، يعتبرها تمهيدًا ضروريا لتجديد الخطاب الديني بسلاسة، أولها إطفاء الفكر المتطرف دينيًا بخلاف صوره وأفكاره وشعاراته، بالتزامن مع إطفاء الفكر المتطرف المعارض للتطرف الديني والمتمثل في الإلحاد، وثانيها إعادة تأهيل وتقويم أعمدة الشخصية المصرية من جديد لترويض “الأنا”، وآخرها إعادة المصانع الدينية على أيدي الأزهر لتقويم وتصحيح المفهوم الديني.

بر الأمان

إيمانه جعل منه عالمًا شحيح الحديث في الإعلام، منشغلًا بالبحث عن طرق عدة وممرات مختلفة لمواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة والكتاب المتطرف بآخر وسطي معتدل يرتكن إلى أدلة وبراهين علمية ودينية، يعالج في مضمونه كل ما يؤثر على عقلية الجيل الصاعد حديثًا، بيد أن مخاطبة هذه الفئة من المجتمعات تظل السلاح السلمي الأقوى لمواجهة التكفير الناشئ مع الأجيال المقبلة.

يحاول أسامة الأزهري في جميع مؤلفاته، لفت انتباه القدر الأكبر من الناس إلى العلاقة بين ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وماهية التعلق السليم بمناهج سلف الأمة وتراثهم العلمي الهائل الذي خدم البشرية، ومفاتيح فهم ذلك التراث بشكل لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا يحدث ذلك الانغلاق على النفس والتجمد الفكري والوقوف خلف عجلة الزمن وفي نفس الوقت لا يؤدي إلى انسياق أعمى وراء كل صيحة ودعوة لا أساس لها.

ويرتكن الأزهري إلى قاعدة فلسفية تظهر قيمة كل مجتهد في مجال التضييق على دعاة التكفير، بأنه على كل جيل من المسلمين دور في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل البشرية في ذلك العصر، ورسم الخرائط التي تقود البشر إلى بر الأمان وأن ذلك لا يكون إلا بالارتباط بالأصل من خلال التعمّق في فهم مناهج البحث التي أرسى أصولها سلف الأمّة وطرائق تفكيرهم، وإدراك الثوابت وتحديد المتغيرات مع معايشة الواقع والمعرفة بالمستجدات ليس فقط من خلال الأحداث وإنما من خلال الأفكار الكلية والنظرات الشمولية وإدراك سمات العصر التي تجعل المسلم واعيا بما حوله وما سيكون، مما يكسبه “مناعة حضارية” ويهيئه للتعامل مع الأمور باتزان وثقة ودراية.

العمق العلمي والفكري للأزهري جعله قدوة لمن سبقوه في العلم أو المنصب، لذلك لم يخجل عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق، أن يعترف بأنه يشعر بضحالة الفكر أمام علم الأزهري، أو أن يصفه محي الدين عفيفي أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بأنه “عالم يسبق سنّه بمئات السنين وقامة مشهود لها بالكفاءة”. وأن يقول عنه الدكتور جاد الرب عبدالمجيد عميد كلية الدراسات الإسلامية بالأزهر إنه “مجدد الأمة المقبل على رأس المئة عام، وأنه أزهري اسما وقولا ينشر ثقافة وسماحة الأزهر ووسطيته عالمًا ومؤرخًا وفقيهًا ومحدثًا”.

كاتب من مصر

8