أسامة الحداد: أنتظر توابع الزلزال لكنها لا تزال بعيدة

الكثير يروج اليوم لزمن الرواية وانتهاء الشعر والقصة القصيرة كأجناس أدبية قادرة على العطاء والتجدد واستيعاب أسئلة وهواجس الإنسان المتشعبة. لكن تبدو هذه المقولة مغلوطة بمجرد أن نتثبّت في ما يكتب اليوم من شعر وقصص قصيرة في مجابهة واقع عبثي متسرع. “العرب” التقت الشاعر المصري أسامة الحداد حول واقع الشعر اليوم.
الجمعة 2016/05/20
اللغة أداة وليست هدفا

ترنيمة من الوجع والغرائبية تشغل أعمال الشاعر المصري أسامة حداد، من وقت مبكّر جدا اختار حداد أن يلعب مع اللغة، لا يقف أبدا عند خرائط ترسيم الحدود النقدية لما ينجز شعرا، لا يقف عند تصنيفات، فهو دائم الانقلاب والانفلات من القوالب الجامدة. لذا يعيش دوما في ثوب المتمرد الثوري، يدشّن ألعابا صغيرة بعد أن يصارع الأشباح حتى يصير العشوائي الذي يكتبه ثوريّا ومتمردا ومغامرا.

في البدء يفتتح الحداد حديثه عن قصيدة النثر والتي يعتبرها نصا تقدميّا ومفتوحا متعددا، يمكنه استيعاب العديد من البنى والاقتراحات، والبنى هنا ﻻ تعني الشكلانية، بقدر ما هي شبكة العلاقات داخل النص.

صراعات حقيقية

يقول أسامة حداد “القصيدة التي ﻻ تكسّر القوالب، هي مجرد نسخة باهتة لنصوص سابقة، فالقوالب وضعت من أجل الخروج عنها، بالطبع وفق شروطها الجمالية والمعرفية، وأنا أبحث عن قصيدة جديدة، عن لغة قادرة على التجاوز، عن أنساق وأشكال جمالية أخرى، فغاية الأدب هي القيم الجمالية التي تحمل الخطاب المعرفي من أجل تحقق الوجود الإنساني في لحظتنا الآنية، أي كتابة الحياة بصراعاتها وإشكالياتها، بما في ذلك اكتشاف ذواتنا الداخلية، ومواجهة المسوخ الباهتة لمدنية زائفة متوحشة وهشة”.

وعن مدى نجاح حداد في اصطياد الدهشة والغرائبية والركض في طريق التخييل، يؤكد ضيفنا أنه شبه واثق من أنه لم ينجح بعد في كتابة قصيدة تحمل الدهشة والموازاة الرمزية للواقع وإشكالياته وأسئلته، أما عن الغرائبية فالحياة في رأيه تقدم أشكالا لا نهائية منها بعبثيتها، وأوهامنا عنها بالأباطيل التي تخرج من جوفها، والحقائق المزعومة التي ﻻ يمكن الوثوق بصحتها.

ويشير الشاعر إلى أن الحياة قد تطورت تحت قسوة منجز علمي وتقني واحتلت العوالم الافتراضية وألعاب الإيهام مساحة هائلة على حساب التواصل الإنساني، وغدا البشر سلعة في سوق جديد، وعلى الفن أن يتمرد على تشييء الإنسان واستغلاله، وانتهاك خصوصياته واستقلاله، فنحن كائنات اجتماعية وتحت مسميات ومخترعات يغدو ما هو اجتماعي مجرد حالة افتراضية، ونتحول إلى أشباح هائمة في الفضاء، كضحايا لقتلة جدد، فكيف نواجه كل هذا بقيم جمالية تعي لحظتها الراهنة والصراعات المتجددة والمتطورة؟

وعن الشعر إن كان يتطور مع الوقت باعتباره كائنا حيا، يؤكد حداد أن هذا أحد الأسئلة البديهية الآن للفنون الإنسانية التي تراجعت أمام ما يعتمد على التقنية والآلة، فهل يخضع البشر الآن لما اخترعوه بدرجة ما، وتلك إشكالية على الشعر أن يثيرها وبتجدد، فمن تنوع الأسئلة والإشكاليات تتشكل التجربة، وتضع أطراف أصابعها على أول طريق الدهشة، وتنظر من بعيد إلى ما هو غرائبي لأساطير جديدة، تتجسد وحوشها في الشوارع وتخرج من الحوائط المصمتة.

الحياة تطورت تحت قسوة منجز علمي وتقني وغدا البشر سلعة في سوق جديد، وعلى الفن أن يتمرد، فاللغة ليست هدفا بل وسيلة

ويتابع حداد “تطور المجتمع يعني تطور الفنون وأشكالها ومن بينها الشعر، فالمحاكاة لم تعد وفق ما رآه أرسطو، والرسم والنحت تضاءلا أمام الفوتوغراف، وفي الشعر لم يعد للتصورات الكلية والمثالية وجود، كما تم تجاوز الملاحم والبطوﻻت والتنبؤات لصالح المهمّش، الإنسان التائة الذي يتقبل الحياة ويتعايش داخلها، ويشتبك في صراعاتها الحقيقية والافتراضية، الذي يعاني الوحشة وسط الزحام والعزلة داخل التجمعات الكبيرة، وانتقل الشعر إلى هذه المنطقة المحاصرة والمختنقة، وعليه أن يعبر شارعا متسّعا بين ألغام مزروعة، وسيارات طائشة، ويواجه الدراجات البخارية التي يقودها المتهورون والحمقى، فقد يصطدم برصاصة عابرة، أليس ذلك مدهشا وهو يشاهد أشباهه في قفص يسمّى الشاشة مع غياب ما يمكن اعتباره المطلق والحقيقة، فكل الأشياء نسبية”.

وإن كان أسامة الحداد يرى أن ما قدمه من قصائد خلال الخمس سنوات الماضية كفيل بالتعبير عن الثورة، يشدد ضيفنا على أن ما قدم من أعمال عن الثورات إلى الآن لا يتناسب مع الحدث، فجميع ما قرأه جاء وصفيا وخاويا من الاستشراف، وتجاوز الحالة المعرفية ما هو جمالي، وجاءت النصوص كصدى لحدث كبير، فرغم أنه انتظر توابع الزلزال لكنها لا تزال بعيدة.

احتفاء المغلوبين

يقول الشاعر “اللغة أداة وليست هدفا، وإن كانت وسيلة التواصل الوحيدة في الأدب، ولكنها متطورة وحية، وأتصور أنه كلما كانت أقرب للشفاهية تحقق التواصل، بعيدا عن الألعاب والمحسنات البديعية، فالبساطة جوهر الفن، والشعر بدأ شفاهيا قبل أن يعرف الإنسان الكتابة والشعر العربي، وبخاصة ما يعرف بالجاهلي، بعيدا عن جدلية وجوده وتاريخه، كان نصوصا شفاهية، وكانت لكل شاعر راوية، يحفظ ويقرأ قصائده، فاللغة ليست هدفا بل وسيلة للتواصل”.

عن تهميش الشعر والقصة القصيرة وهل لعبت الجوائز دورا في تغيب هذه الأجناس الأدبية من المشهد الثقافي العربي، يؤكد الحداد أن الشعر والقصة القصيرة، خاصة في العقدين الأخيرين، أكثر حيوية من الرواية داخل المشهد الإبداعي.

الشعر والقصة القصيرة اليوم أكثر حيوية من الرواية داخل المشهد الإبداعي
فالشعر يتفوق فنيا وجماليا، والقصة تعود بعد إقصائها، ولكن الرواية يتم الاحتفاء بها بصورة مبالغ فيها لأسباب عديدة في مقدمتها ما هو أيديولوجي، فالثقافة الحاكمة أو الغالبة هي التي تقود المشهد لذا نحن نتبع المركزية الأوروبية، التي تضع الرواية في المقدمة بمغالطات تاريخية وتجاوزات مثل اعتبار دون كيخوتة بداية الرواية برغم وجود العديد من السرديات الكبرى مثل الجحش الذهبي وألف ليلة وليلة. لا يمكن الثقة في مقوﻻت مثل زمن الرواية وقدرة السرد على رصد المتغيرات السياسية والاجتماعية والراوية الجنس السردي القادر على احتواء عوالم وأشكال متعددة، فجميعها مقوﻻت مطلقة تتغافل عن دور الفن وروح التمرد في الشعر”.

وعن راهن المشهد النقدي وعلاقته بالمشهد الثقافي العربي، يشير الحداد إلى أن هذه النقطة فيها إشكاليات كثيرة وعلى الأخص في المشهد المصري، بعضها يعود إلى الظرف الاقتصادي، نتيجة عدم قدرة الناقد على التفرغ، وكذا المتابعة، وهناك ما يعود إلى الشراح حيث يضع بعضهم النظرية في المقدمة، ويجبر النص على الخضوع لها، بالرغم من أن النص هو الأسبق، كما أن لكل نص مفاتيح للقراءة وفق السؤالين، ماذا قال؟ وكيف؟

ويتابع “بالطبع لا يمكن إغفال المجاملات والمصالح، وبالتأكيد كل نظرية تمثل توجها يخص أصحابها بدرجة ما، وتحمل عوامل هدمها”. كما يشير ضيفنا متحدثا عن واقع الترجمة إلى تلك الجملة التي اعتدنا رفعها “أيها المترجم أيها الخائن”، ويؤكد أنها مقولة تقليدية لا يثق فيها، فالترجمة تواصل بين ثقافات مختلفة، وإن كانت لكل لغة جمالياتها الخاصة، وتبدو ترجمة الشعر أكثر صعوبة ولكنها ضرورية.

وعن راهن المشهد الإبداعي في مصر يشير الحداد إلى أن المشهد الإبداعي في مصر يعاني من مشكلات وأزمات عديدة، كابد منها الكثير، فالشلل والمصالح والفساد، تعرقل التواصل مع المجتمع وتعمد إلى إقصاء الكثير من المجيدين، ولم يكن تأخره في النشر إلا نتيجة لتلك الحروب المجانية الصغيرة والعلاقات والمصالح ومازال يعاني، لأن هناك من موظفي المؤسسة والعاملين في الصحافة من يعمدون إلى السيطرة والاستحواذ على كل شيء، وتهميش الجميع من أجل مكاسبهم الشخصية رغم أن غالبيتهم لم تقدم تجارب جادة.

15