أسامة بعلبكي رسام الألم المرئي والمسموع في غابة السكون الكبير

الخميس 2015/04/16
أسامة بعلبكي فنان الإحالات والاختزالات

السكون المشرف على هاوية ما، الذهنية الرافضة للتعبيرية المفرطة، هدوء النبرة اللونية، كثافة الإحالات الشعرية والفكرية، تلك هي أبرز سمات أعمال الفنان التشكيلي اللبناني الشاب أسامة بعلبكي.

يفسر الفنان التشكيلي اللبناني أسامة بعلبكي التكثيف الذي يسود مجمل لوحاته على أنه نتيجة لتضافر عوامل عدة تداخلت في ذاته، إذ يقول “العمل الفني يعتمد على تصوري وفهمي للعالم بتجلياته الخفية والظاهرية، ولكنه أحيانا يرتكز على غياب هذا الفهم، ويعتمد كذلك على معرفتي الفنية والتقنية، كما يتأثر بتجاربي الشخصية وذائقتي الشعرية”.

ويواصل قوله “إنه أشبه بمزاولة روحية تدمج كل ذلك كما يخلط الكيميائي في مختبره العلم بالحدس، ولكن عندما أغوص في أجواء اللوحة، وهي قيد التنفيذ، أضيّع عن طيبة خاطر صيغة تكوّن الأشياء. أؤمن بأن الفنان يجب أن يعي الروافد التي ساهمت في تشكيل حساسيته الفنية، شريطة أن يعود ويفقد رابط الوعي بها ليدور في مدار تحكمه عشوائية ما”.

لكبح جماح “الفيض الشعوري”، المتأتي من كثرة الروافد، والذي لا يحبذ أسامة بعلبكي أن يظهر في لوحته، يتحول الفنان أحيانا إلى كتابة ومضات شعرية تسير في خط مواز لعمله الفني دون أن تقع في فخ التفسير أو التعقيب على ما تقوله اللوحة في نصها البصري. يؤكد الفنان على أن “النص الشعري الذي أكتبه والنص البصري الخاص باللوحة يملك كل منهما حياته الخاصة، ولكن هناك تلاقيا وانسجاما يصلان أحيانا إلى حدّ التطابق”.

ويعتبر بعلبكي نفسه رساما بالدرجة الأولى. يكتب أحيانا مقتطفات شعرية لأنه يرى فيها القدرة على التعبير عن الجزء البسيط الذي لا يمكن أن تظهره اللوحة من خلال لغتها البصرية الخاصة.

نذكر من تلك المقتطفات ما وضعه الفنان مرافقا لإحدى أجمل لوحاته والتي تحمل هذا العنوان “على أهبة الاستعداد”، يقول بعلبكي “قفزا من شاهق الحزن/ كراكب الأفعونيات/ أُفلتُ في الهواء قلبي/ شهقة بعد/ ويغدو العالم ممدّدا بقهقهة”.

وبرفقة لوحة ثانية تحمل اسم “ترقب هائل.. ألفة” نقرأ هذه الكلمات: “هذا الصباح/ طعمُ العالم ينفجر أسفل الحلق/ ويسري في الدم/ تسمم منعش/ ترقب هائل/.. ألفة”.

حس المراقبة الحثيث الذي يملكه الفنان مكنه من إدخال تفاصيل العالم الذي يعيش فيه إلى فضاء لوحاته بشكل عار من أي غنائية مفرطة. كما شمل حسّه العقلانيّ وحتى نظرته لذاته وهو منشغل بالعمل على لوحة من لوحاته.

يقول بعلبكي “الرسم بالنسبة إليّ هو حاجة جسدية، حاجة عضلية وعصبية يمكنني من خلالها تصريف فائض الضغط والقلق، لذلك أرى أن الممارسة الفنية هي ممارسة شفائية أيضا تخفف من وطأة الطاقة التي تعتمل في داخلك”.
حس المراقبة الحثيث الذي يملكه بعلبكي مكنه من إدخال تفاصيل العالم الذي يعيش فيه إلى فضاء لوحاته بشكل عار من أي غنائية

يواصل مستفيضا في هذا الخصوص “العمل اليدوي، التوظيف الجسدي الذي يدخل في صلب إنتاج اللوحة، هو أشبه بطقس سحري يمنحك الليونة، ويسرّع من دقات قلبك ويشرك أعصابك كلها في هدف واحد هو إنتاج اللوحة. النسج، والحكّ والحتّ والخدش وضربات الريشة، والتقرب والابتعاد جسديا من اللوحة كلها أفعال تشرك الروح والجسد معا، وأحيانا كثيرة تزيل الفارق بينهما”.

هناك فنانون يمشون في الغابة وهناك فنانون آخرون تمشي الغابة من خلالهم. قد يكون أسامة بعلبكي من هؤلاء الفنانين، فهو يتمتع بحدس قوي يجعله يرى الحيّ في الجماد، كما أنه يحسن الإنصات إلى أحلامه وأحاسيسه، كما ينصت الصوفي إلى الكون في داخله.

الفن المبلسم

للفنان مواضيع مفضلة لا ينفك يعود إليها بطريقة مختلفة، وهو يشير “غالبا ما تلحّ عليّ صور غير واضحة المعالم والتشكل أمام عينيّ، وهي نوع من بقايا مخيلة تعيد إفراز ما اكتسبته عبر السنين. صور مبعثرة ومفككة، ولكن لها طعما خاصا ورائحة خاصة، صور تحدثني عن الزمن وإيقاعه وعن الموت وطبيعة انسياب الحياة”.

صور تختزن الكثير من الهوائية والغازية، وهو يقوم بعقلية الرسام، بتجميدها ليصنع منها هيئات بشرية ومشاهد طبيعية تختزل الحركة البشرية. يرى الحياة في كل شيء، وكل الأشياء في نظره تشعّ بطاقة طبيعية.

ربما لأجل ذلك تبدو المشاهد الطبيعية في لوحات الفنان، وكأنها شخصيات بشرية تضج بالحياة وتقول كلمتها أو تكتمها أسرارا في تلافيف الأعشاب. نذكر من تلك اللوحات لوحة أطلق عليها الفنان عنوان “سيارة نافقة” في إشارة إلى سيارة محطمة متروكة على مفترق طريق جبلي، ولوحة أخرى تحمل عنوان “وثبة الموت” يصوّر فيها كلبا دهسته للتوّ سيارة.

أسامة بعلبكي: الرسم حاجة جسدية يمكنني من خلالها تصريف فائض الضغط

يغمر السكون كل أعمال الفنان حتى تلك المُفعمة بالوحشة والألم، ويقول الفنان إن مردّ ذلك يعود “إلى نوع من الضبط النفسي الذي أمارسه بإصرار على الألم والتراجيديا، قد لا يوافقني الكثيرون الرأي وكثيرا ما تحادثنا أنا وبعض الفنانين العرب حول هذا الموضوع، ولكنني أرى أن الفن يجب أن لا يستغرق في التراجيديا مهما بلغت شدّتها، أرى للفن دورا مبلسما يسوق الحياة نحو بعد آخر”.

هذا السكون لا يبدو بالنسبة إلى الفنان سوى نوع من الصراخ المكثف الذي يبحث عن تماسك ما، كي لا يتيح للجلاد فرصة القبض على روح تتلاشى تحت وطأة ألم لا يحتمل. ليس نوعا من إشاحة النظر عن الألم، بقدر ما هو محاولة لإقامة علاقة فنية معه تسمح للفن بأن يقوم بدوره، لا أن يكون مجرّد جزء من بضاعة الألم الفاقدة للمعنى. يريد أن يكون الألم مرئيا ومسموعا في ذلك السكون الكبير الذي يتناوله به.

لعل النصوص الشعرية التي يكتبها الفنان وغالبا ما يرفقها بلوحاته، هي مدخل آخر إلى عالمه الفني الذي جمّده السكون، كما يخدّر الجليد الإحساس المضني بالجرح. سكون يخيّم على مجمل أعمال الفنان في خضم عالم تمزقه المآسي وتعتلي عروشه المسوخ الأكثر بشاعة.

تكاد تكون كل اللوحات التي قدمها الفنان في معارض فردية وجماعية مختلفة في لبنان وخارجه تنطق بلسان الجليد عمّا هو أحرّ من الجمر، ربما لأجل ذلك يمكن تقديم الفنان على أنه فنان الإحالات والاختزالات.

لعل التوازن الخطر، الذي يقيمه الفنان على حدّ براعته التقنية، ما بين العادي والغرائبي، والشعري والعادي، الشخصيّ والعام، التافه والخطير هو ما يجعل أعماله الفنية محركات باطنية تدفع بالمشاهد، خارج هدوء اللوحة وواقعيتها المرسومة والملونة بتقشف لوني يكاد يلامس حدود الصوفية، نحو عوالم أخرى متخفية تحت قشرة المنظور المباشر.

يرسم أسامة بعلبكي الجبل، والسهل، والوادي، والأشياء العادية كدواخل الغرف، والأدوات البسيطة كالقلم، والكتب، والأوراق، يرسم ذاته في وضعيات عادية، ولكن تنمّ عن صياغة ذهنية متمكنة يريد منها الدخول إلى حالات مختلفة كالوحشة، والحياة، والموت وغيرها من المواضيع الوجودية والميتافيزيقية.

الناظر إلى تلك اللوحات سرعان ما سيكتشف ألغاما موقوتة أو إشارات أو تفاصيل تعيد صياغة العمل الفني ومعناه في نظر المشاهد، نذكر من تلك الأعمال اللوحة التي تحمل اسم “تشذيب” ويظهر فيها الفنان مشذبا مخالبه. ويرفق هذه اللوحة بهذه الكلمات: “على أصابعهم/ يلمح الرسامون فضلات أعمالهم/ ويحسبونها خدوشا”.

أسامة بعلبكي يرى أن أعماله تعتمد على ما يسمى بالواقعية الحدسية المتصلة بالأحلام وبشذرات الصور الناضحة من مخيلة تكتنز الذكريات

الواقعية الحدسية

يرى أسامة بعلبكي أن أعماله تعتمد على ما يسمى بالواقعية الحدسية المتصلة بالأحلام وبشذرات الصور الناضحة من مخيلة تكتنز الذكريات، يرى أنه لا حدود زمنية للفن، وهو يعتبر أن الزمن ملتبس الاتجاهات.

يستطرد قائلا “أجد غريبا تصنيف الفنون عبر مراحلها الزمنية أو العصر الذي نشأت فيه، فكرة القديم والحديث ملتبسة لديّ. لا أرى أن هناك زمنا ثابتا في اتجاهاته الفنية، أرى الزمن كسديم تدور فيه العناصر، أعتقد أنها نظرة بعيدة عن التشدد النظري والتأطير التاريخي”.

ويضيف قائلا “عادة ما أستغرق في عملي الفني محاولا التخفيف من وطأة التأثيرات الخارجية، أحاول أن أظل على اتصال مباشر مع مخيلتي الشخصية لكي أنتج عملا خاصا بي، ولا ينضوي تحت شعارات فنية أو سياسية أو عاطفية معينة؛ أكره السائد أو الانضمام لعدوى فنية شائعة”.

العديد من لوحات الفنان مشغولة بالأكريليك بالأسود والأبيض، حتى تلك التي تتضمن مشاهد طبيعية، تذكرنا هذه اللوحات ببعض الأفلام الروائية التي تنسحب منها الألوان في منتصف السياق، إما للإشارة على إيقاف الزمن أو للولوج إلى العوالم الداخلية بعيدا عن “بهرجة” اللون إن صحّ التعبير، في هذه اللوحات يقف نص أسامة البصري عاريا إلاّ من جوهره.

على الرغم من كون أسامة بعلبكي هو نسبيا في بداية تجربته الفنية، إلاّ أنه استطاع في وسط السائد على الساحة الفنية أن ينجح في تطوير نص فني مغاير، يتفاعل مع محيطه، ولكنه يتناسل دوما من ذاته.

16