أسامة بعلبكي يختصر مسيرة الحدس العابر لبيروت

قراءة لوحات التشكيلي اللبناني أسامة بعلبكي ترتبط ارتباطا وثيقا بـ"حقيقية" مدينة بيروت، وببراعته في تصويرها اجتماعيا وسياسيا وبيئيا.
الجمعة 2018/08/10
لوحات مفاهيمية يختلط فيها الغرائبي بالواقعي

نظمت صالة “صالح بركات” الشاسعة في مدينة بيروت معرضا كبيرا للفنان التشكيلي اللبناني أسامة بعلبكي ضم العديد من أعماله السابقة، إضافة إلى بعض الأعمال الجديدة التي لم تُعرض من قبل. القيمون على الصالة كشأنهم دائما شكلوا من مجموعة الأعمال المشغولة بمادة الأكريليك وبالألوان المائية سينوغرافيا “دسمة” ساهمت في تسهيل قراءة تنوع الأعمال وارتباطها، وانطلاقها من بعضها البعض.

بيروت – يعيد الفنان اللبناني أسامة بعلبكي في مجمل لوحاته السابقة والجديدة المعروضة حاليا في صالة “صالح بركات” البيروتية الإجابة على جملة من الأسئلة المُتداخلة؛ ما هي مكانة اللوحة التشكيلية ما بعد التصوير الفوتوغرافي الرقمي؟ ما هو الفن الواقعي المعاصر؟ ما دور الحدس في تشكيل اللوحة؟ وإلى أي مدى تدخل المؤثرات الأدبية والشعرية في صياغة نص اللوحة؟ وكيف تكون خاصية السرد في لوحات تشكيلية/ بصرية بامتياز؟

أبرز ما يُمكن الإشارة إليه ويشمل معظم أعمال بعلبكي التي رأيناها في الصالة هو استحالة التوقف عند مستوى القراءة الأولى للوحة على الرغم  من وضوح معالم المشهد المرسوم، ولعل لوحة الفنان الجديدة “ألعاب نارية” هي من أهم الأعمال التي أبدعها، أولا لجماليتها التي ستؤثر في أي مُشاهد لها، وثانيا والأهم من ذلك لأنها أفضل مثال على ما ذكرناه آنفا.

ما تقدّمه بوضوح لوحة “ألعاب نارية” هو بيروت في الليل وألعاب نارية تنطلق في سماءها، لكن هل ما نراه هو ما نراه فحسب؟ بالطبع لا.. ما نراه هو ترجمة بصرية خاصة بالفنان لمناخ بيروت الداخلي.

وتتطلب هذه اللوحة وعلى غرار اللوحات العالمية الكلاسيكية أن تكون لدى مشاهدها خلفية تاريخية ما عن المشهد المُصوّر: هل هي عن  تتويج الملك الأصغر سنا؟ هل تجسد أنواع الأسلحة المستخدمة في معركة مفصلية؟ هل هي تخليد لوجه شخصية نافذة؟

تتطلب لوحات أسامة بعلبكي لكي يتم تلقيها على أعمق مستوى أن يكون الناظر إليها، كما الناظر إلى لوحة “ألعاب نارية” ملما بالحالة البيروتية العامة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، ومظاهر الفرح بمظاهر الألم ومشاهد القنابل المضيئة سابقا قبيل القصف الإسرائيلي المتكرر بالاحتفالات المشتعلة بفوز منتخب رياضي ما وما يتضمن ذلك، وعلى مستوى واحد، من حالات الانبهار التي قد تتحوّل في ثوان بسبب عشوائيتها إلى إصابات جسدية، كما ينتج ولا يزال عن الرصاص الطائش الذي ينطلق من وقت إلى آخر في فضاء المدينة.

قراءة لوحات الفنان اللبناني، وخاصة لوحة “الألعاب النارية” ترتبط ارتباطا وثيقا بـ”حقيقية” مدينة بيروت، وببراعة الفنان في اختيار تصوير ما هو مُعبر اجتماعيا وسياسيا وبيئيا.

حقول من الضوء والرمز
حقول من الضوء والرمز

كما يقدّم بعلبكي بيروت إما ضمن ضجيج اعتاده البيروتيون حتى الإدمان، ضجيج يكاد الفرد يسمعه وهو يراه، وإما تحت سلطة قمر فضي أثلج حركتها، ولكن حتى طلوع الصباح.

أما الريف الحاضر في العديد من اللوحات، فهو أبعد من الجبال والطرقات المتعرجة التي حفظها بعلبكي عن ظهر قلب كونه ابن جنوب لبنان، لوحات يلتحفها سكون قاتل بـ”عاديتها” وتأخذ المتلقي إلى واقعية أثر الإنسان والتقّدم المدني والتلوث على البيئة.

للفنان أيضا، عدد من اللوحات الذاتية في المعرض يتخالط فيها الغرائبي مع الواقعي وينضح منها الكثير من الطرافة المُحببة تحت سيطرة تشكيلي تمرّس على ترويض غربته عمّا يحيط به.

هذا أكثر ما يميز فن أسامة بعلبكي الذي منذ بدايته الفنية إلى اليوم وهو يقوم ببلورة فن واقعي/ مفهومي/ حداثي يحركه الحدس وتصقله المعارف والتأثرات الأدبية والشعرية، فمن المعروف عن بعلبكي تأثره بالشاعر الفرنسي رونيه شار، وبالشاعر الروسي ماياكوفسكي وبالشاعر والمفكر شارل بودلير، وله لوحات عن هؤلاء الشعراء، قاربها مقاربته للوحاته الأخرى أي من خلال الشكل الخارجي الذي لا بد أن يحيلك إلى ما يمثل هذا، أو ذاك الشاعر بالنسبة للفنان.

بعلبكي يرسم لوحة “واقعية” واضحة المعالم، ولكن على أساس أفكار ومشاهد داخلية خاصة به وحده، ونابعة من مشاهدات أخرى واختبارات حياتية متداخلة، لذلك تحمل لوحته أكثر ممّا تقدم للوهلة الأولى، فعلى سبيل المثال تنبثق من بعض لوحاته صفرة أشعة شمس العصر “بطبيعية” مُطلقة، ولكنها صفرة تحيل في مواقع عدة إلى الصفرة “الافتراضية” المُضيئة التي تجلت في البعض من صور المفكر والمصوّر الفوتوغرافي جان بودريارد، لا سيما في مجموعته التي تحمل عنوان “صفرة الكبريت”.

ويقدّم أسامة بعلبكي لوحة تطغى عليها أطياف الأزرق الأكريليكي المعروفة، ولكنه أزرق “كهربائي”، إذا جاز التعبير، أزرق فوسفوري يذكر بالفن الرقمي وبالشاشات الإلكترونية.

مؤخرا تم إنتاج عالميا لون أزرق فوسفوري يشع بقوة في العتمة ولمدة ست ساعات، ويمكن شحنه عبر تعريضه إلى نور الشمس أو للأشعة ما فوق البنفسجية، غير أن أزرق أسامة المُضيء لا يحتاج إلى “الشحن” ويدوم بدوام العمل الفني، كما أن الزرقة التي تشع في مجموعة من أعماله لا تصيب الناظر بالأرق ولا بالصداع الذي تكلم عنه العلماء في معرض حديثهم عن أزرق شاشات الكومبيوتر والهواتف الجوالة، بل تبث هدوءا عاطفيا يحلو السهر تحت زخاته.

17