أسامة جاد: العرب يعيشون حالة من العدمية الثقافية

الشاعر والقاص المصري يؤكد أنه انتقل إلى القصيدة الحرة بعد قراءته الماغوط والحاج، وأن المشهد الشعري يعاني من حالة مجانية وسيولة فوضوية.
الجمعة 2018/08/10
الشعر هو البدء، وهو المنتهى

يحظى أسامة جاد بحضور متميز في الحركة الثقافية المصرية بفضل ما حققته تجربته كشاعر وقاص وناقد من خصوصية في الرؤية والأسلوب، ليشكل إضافة مهمة لجيله الذي انطلق في التسعينات من القرن الماضي، بالاضافة إلى ارتباطه العميق بمختلف الأجيال من الشعراء والقصاصين والنقاد، ومتابعته لإبداعاتهم ومشاركتهم قراءتها. في إطلالة على عوالمه الأدبية وتجربته المختلفة الأوجه كان لـ”العرب” هذا الحوار مع جاد.

بدأ أسامة جاد تجربته الأدبية بالشعر فأصدر “الجميلة سوف تأتي”، ثم كانت القصة “أحلام بيضاء رطبة”، و”صباح مناسب للقتل”، أما في النقد فلم يصدر أي كتب لكن حضوره كمناقش للكثير من الأعمال الشعرية والسردية جلي في الوسط الثقافي، كما أنه أخيرا تولى إدارة تحرير مجلة فصول النقدية. وبدأ يترجم حيث صدرت له رواية “أسنان بيضاء” للكاتبة البريطانية زادي سميث، وراجع ترجمة ديوان “زهور الأزاليا” لشاعر كوريا الكبير كيم سو وول.

البدايات شعرية

يقول أسامة جاد “الشعر هو البدء، وهو المنتهى، في تصوري”. ويضيف “كانت البداية مع الشعر بشكل رئيسي، وتزامن ذلك مع بدايات دراستي الجامعية في القاهرة. كان ذلك في العام 1986. وكانت القاهرة أيامها تعج بحراك أدبي كبير: هناك أمسية في كل يوم تقريبا، من نقابة الصحافيين إلى الرابطة الإسلامية، وصالون الدكتور عبدالقادر القط الأدبي، وندوة محمد جبريل في جريدة المساء، وندوة خيرات عبدالمنعم في عوامة على النيل في الزمالك، بالإضافة إلى الندوات المتنوعة في الجامعة، حلوان، ولقاءاتنا بشعراء وأدباء من الجامعات الأخرى. بالطبع كانت هناك بدايات سابقة أكثر عفوية، ارتبطت بفعل القراءة بشكل مركزي، عندما استوليت على مكتبة والدي بالكامل، لدى انتقالنا إلى بيت جديد في عام 1981، لتصبح القراءة فعلا يوميا. كنت أقرأ كل ما تبلغه يدي، دون أي انتقاء”.

النقد العربي تنظيري مستورد، وما نحتاجه حقيقة هو تطبيقات متنوعة للمناهج النقدية، تضيء أعمالنا الإبداعية المعاصرة
 

ويكشف جاد أن كتابته الشعرية بدأت وفق مفهوم الشعر المدرسي “في البدايات نظمت أكثر من نص عمودي شابته عيوب البدايات، وتراثية المعجم الشعري، الذي جعل بيتا شعريا لي يتناص مع أحد أبيات الشافعي قبل أن أقرأ ديوانه، الأمر الذي أدهشني كثيرا وقتها، ولكن لم يمر وقت طويل قبل أن أطرق باب التفعيلة، بعد أن عكفت على الأعمال الكاملة لصلاح عبدالصبور وأمل دنقل قراءة وحفظا، ومن بعدهما عبدالوهاب البياتي ومحمود درويش، ثم أدونيس وعفيفي مطر، والأخيران نسخت البعض من دواوينهما بخط يدي في دفاتر خاصة مازلت أحتفظ بها إلى يومنا هذا. فزت أيامها بالمركز الأول في لقاء شباب الجامعات في مجال الشعر، وبمركز متقدم في اللقاء نفسه في مجال القصة القصيرة، ثم أتاح لي عملي المبكر في دار ‘الغد‘ مع الشاعر الراحل كمال عبدالحليم أن ألتقي بشعراء الحداثة الشعرية وقصيدة النثر: تابعت طباعة ديوان محمد آدم ‘متاهة الجسد‘، وديوان حسن طلب ‘زمان الزبرجد‘. كما شاركت في إعداد كتاب ‘قافلة الغد‘، وهو ديوان جماعي لثمانية شعراء هم أحمد فؤاد جويلي صاحب مشروع الكتاب والذي رافقت تجربته طوال سنوات الدراسة وتعلمت منه الكثير، وياسر الزيات، ومؤمن أحمد، وأمجد ريان، وظبية خميس، وأحمد الشهاوي، وإبراهيم داود، ومحمد عبدالوهاب السعيد”.

حول تأثير كل من النقد الأدبي والقصة القصيرة والشعر أحدهم على الآخر، يشير جاد إلى أن عمله في الصحافة أتاح له الالتقاء مباشرة بعدد كبير من رموز الأدب والثقافة في العالم العربي في مطلع التسعينات وبعدها: نزار قباني وبلند الحيدري ومحمود درويش والبياتي ومحمد مهدي الجواهري وشوقي بزيع وممدوح عدوان ومحمد علي شمس الدين، كما التقى شاعر داغستان الأكبر رسول حمزاتوف، والمسرحي السوري وليد إخلاصي، وغيرهم، وأتاحت له حواراته معهم التعرف على عوالم متنوعة في الشعر وفي الثقافة، وعلى رؤى وآفاق شديدة الاتساع والفرادة.

انفجار شعري

انغماس المشهد النقدي المصري في حقل الدراسات النظرية
انغماس المشهد النقدي المصري في حقل الدراسات النظرية

يقول الشاعر “غير أن لقائي بالناقد السوري حسام الخطيب كان فارقا بالنسبة إلي، عندما أشار إلى غياب هائل للنقد في خطة وزراء الثقافة العرب أيامها، إذ أغفلوا النقد تماما في تخطيطهم للثقافة العربية ومشروعاتها خلال 20 عاما. ومع سفري في 1993 إلى سلطنة عمان، كان عملي في القسم الثقافي لجريدة ‘الشبيبة‘ فرصة كبيرة لتلمس واقع النقد العربي، ومجانيته المفرطة أمام التجارب الإبداعية وأمام النظريات الأدبية الحديثة”.

ويلفت جاد إلى أنه توقف في تلك الفترة عن الكتابة الإبداعية، وتمترس وراء النقد الصحافي الأدبي على السواء، وكانت سنوات السفر فرصة حقيقية لتقليب المشهد في وجوهه المختلفة، كما كانت فرصة للانغماس في فنون أخرى كثيرة بحكم العمل: التصوير الفوتوغرافي، والفن التشكيلي، والسينما والمسرح: ممارسة ونقدا. ومع العودة إلى مصر في 2005 أعد ديوانا شعريا تفعيليا بالكامل، غير أنه كان يشعر بغرابة تجربة التفعيلة بعد عكوفه على أعمال محمد الماغوط وأنسي الحاج على وجه الخصوص، الأمر الذي انتهى بإحراق مخطوط الديوان، وبداية تجربة شعرية جديدة مع القصيدة الحرة، تبلورت في ديوانه الأول ‘الجميلة سوف تأتي’.

ويرى جاد أن أهم سمات المشهد النقدي في مصر انغماسه في حقل الدراسات النظرية، التي لا تتعدى في معظم الأحيان “نقل” أو  “محاولات نقل” النظريات النقدية الحديثة بدءا من دراسات الشكلانيين الروس، مرورا بمدرسة فرانكفورت ووصولا إلى نظريات التلقي عند أيزر وياوس.

 ويضيف “نحن نقرأ دراسات عامة عن الأسس والمناهج النقدية للسيميولوجيا والسيميوطيقا والجينولوجيا، للأسلوبية والبنيوية، ولنظريات الحجاج وتحليل الخطاب، غير أن ما نجد فيه ندرة حقيقية هو الدراسات التطبيقية التي تستكشف النصوص الأدبية المعاصرة، وتستنطقها جماليّا وإبداعيّا، وفق ‘عدّة نقدية’ هي نتاج معظم تلك النظريات واكتشافاتها. نقدنا –في معظمه- تنظيري مستورد، وما نحتاجه حقيقة هو تطبيقات متنوعة للمناهج النقدية، تضيء أعمالنا الإبداعية المعاصرة”.

ويؤكد جاد أنه على الرغم من وجود حالة “انفجار” شعري هائل، أحدثته ربما وسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات الإنترنت والمدونات قبلها، إلا أن المشهد الشعري يعاني من حالة مجانية واضحة وسيولة فوضوية، تجعل كل شاعر جزيرة وحده، سواء على مستوى القيم الجمالية وراء النص أو على مستوى مفهوم الشعر في حد ذاته.

ويقول جاد “كعادة كل لحظات التحول الاجتماعي والسياسي، يواجه المشهد الثقافي المصري حالة مزدوجة من السيولة ومن الاستقطابية في وقت واحد: السيولة التي أتاحها الانفتاح الهائل على تجارب وفنون وآداب إنسانية واسعة بصورة لم تكن متاحة في ما قبل عصر العولمة، والاستقطابية التي تقودها خيارات أيديولوجية واجتماعية وجمالية أيضا. هي حالة ثرية للغاية بمعنى ما، غير أنها -على ثرائها- عصية على التحديد. غير أن الرائع في الأمر هو الوصول إلى حالة من ‘الأناركية’ الثقافية العامة التي تترك لجميع التجارب فرصتها الحرة في الوجود وفي الاستمرارية، ليظل النهر فتيّا، يحدد مساره وفق حالة من الدافعية الذاتية للفعل الثقافي، دون توجيه مسبق، ودون غائية مؤسساتية، وإن حاولت المؤسسة غير ذلك”.

15