أسامة دياب يرسم ورود الشرق الأوسط بكيميائية خبير ألوان

افتتحت صالة "أيام" في بيروت معرضا للفنان الفلسطيني- السوري أسامة دياب، والمقيم حاليا في لبنان، حيث عرضت آخر أعماله التي تدور في معظمها حول وردة واحدة ليست كباقي الورود، أوكل إليها الفنان مهمة جلب السلام إلى قلب اللوحات.
الخميس 2015/10/15
شخصيات مركبة على خلفية هادئة

بيروت - عدد قليل من الأعمال الكبيرة الأحجام والمشغولة بمادة الأكريليك ترجمت مقدرة الفنان الفلسطيني- السوري أسامة دياب، في معرضه البيروتي بصالة "أيام" على استخلاص الأمل من اليأس والحياة من الفجيعة دون الاستغراق في سذاجة ادعاء، مفاده أن الحرب في المنطقة العربية عموما وفي سوريا خصوصا، إلى نهاية قريبة، وأن “وردته” الحاضرة جهرا أو في الخفاء في لوحاته هي انتصار للحب على الكراهية وللطمأنينة على زمن الشتات.

تجلت تلك القدرة الصارخة من خلال عدة عناصر أساسية واضحة دأب الفنان على اعتمادها لبناء لوحة “صلبة” شديدة التماسك تشبه في كثير من نواحيها بنيانا، لا بل صرحا هندسيا ضخما صنعه عالم خبير بجدلية العلاقة ما بين الشكل والحجم واللون، وكذلك ما بين الأبعاد وكيفية تنظيمها.

خيميائي ألوان

أسامة دياب اختار للوحاته وبذهنية كيميائي خبير، ألوانا قليلة لا يبلغ عددها على أبعد تقدير أكثر من ثلاثة أو أربع ألوان زاهية عرف كيف وأين يضعها، كي لا تثير في نفس الناظر إليها لا الملل ولا أحادية المعنى المُراد التعبير عنه.

في تقشفه اللوني الذي نادرا ما يعمد إلى إظهار التدرجات، كثف الفنان من أهمية الأشكال والأحجام في تضاربها البنائي لتعوض في ذلك عن قصور الألوان في التعبير عن حيوية أو خطورة ما يعلنه من مواقف لا تتحمل الالتباس.

لوحات أسامة دياب تستوحي أجواءها من الفن التكعيبي الذي قوامه البناء وهو في أوج تدميره للمشهد

فالشكل خلافا للون هو أقرب إلى التعبير عن الأفكار أكثر من الألوان التي ترتبط بشكل أوضح بالمشاعر والصخب الداخلي، خاصة إذا ما تعلق الأمر بلوحات تستوحي أجواءها من الفن التكعيبي الذي قوامه البناء وهو في أوج تدميره للمشهد. فحتى التشظيات في اللوحات التكعيبية، وهذه الذي يقدمها الفنان أسامة دياب والتي تذكر بالتكعيبية، هي تشظيات متماسكة مهمتها أن تعيد التشكيل وإعادة تصميم الهيئة الخارجية، وليست التدمير ذا المنطق العدميّ.

هذه الطريقة في البناء استخدمها الفنان تارة في تشكيل شخصياته المُركبة على خلفية هادئة، وتارة أخرى في تصميمه لخلفية مُشكلة من عدّة عناصر هندسية التي تتقدمها شخصيات بسيطة الهيئة في مظهرها الخارجيّ.

توازن متين ترك المجال أمام المتلقي من أن يقرأ مضمون اللوحات ويتبصر في تفاصيلها المتعلقة بالحرب، ولكن من منظار الحالم بالسلام. تفاصيل متعلقة بالشتات، ولكن من منظار المؤمن بقوة الحب “العلاجية”.

هنا تماما يجيء دور “وردة” أسامة دياب، فهي غالبا ما تكون صلة الوصل بين الشخصيات المتنافرة إما حتى إشعار آخر، كما في اللوحة “اليمامة والوردة” و“الحب والخواء” و“لعبة الشطرنج”، أو هي في صميمها غير قابلة للتلاقي، كما هو الحال في اللوحات التي تحمل اسم “الغرنيكا الجديدة” و“مشهد يومي” و“ماذا حدث هنا؟” و“وردة للسلام”.

رموز ووردة

استخدم الفنان رموزا شهيرة في لوحاته منها اليمامة والثور والنور والوردة، ولكنه لم يستخدمها بشكل تقليدي ساذج. إذ أن مصدر الضوء إن كان شمعة أو مصباحا عصريا أو تقليديا يبدو إضاءة على استمرار المأساة وليس على الأمل بالسلام.

الفنان يكثف من أهمية الأشكال والأحجام في تضاربها البنائي لتعوض قصور الألوان في التعبير عن خطورة ما يعلنه

أما السلام فهو حاضر في عدد من لوحاته على شكل حلم في هيئة وردة أوكل إليها الفنان مهمة جلب السلام إلى قلب اللوحات. وما الوردة كما ذكرنا آنفا، إلاّ حسّ للتلاقي وانتصار للحب. يكتب الفنان أسامة دياب في مستهل المعرض هذه الكلمات على جدران صالة أيام، “من على أرصفة الشوارع وتحت الأنقاض جمعت أشلاء (الضحايا) علّي أمنحها الحياة من جديد بعد أن تحولت إلى مجرد إحصائيات وأرقام في وكالات الأخبار جرّاء ما تشهده منطقتنا العربية خاصة”.

ويضيف “ماذا حدث هنا؟ هو تجسيد لواقع من هم في لوحاتي، أشخاص ينظرون إلينا مواجهين صمتنا وتقاعسنا في إنسانيتنا لما وصلوا إليه مقدّمين وردا من الحب للسلام، وآملين في توقف القتل والحرب والدمار.. محاولين خلق حب خاص في ما بينهم.. يحكمهم الأمل.. الأمل بالسلام”. ويختم الفنان قائلا “كما يقول الكاتب اللبناني جبران خليل جبران: وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره”.

ما الذي حدث هنا؟ هو تساؤل أجاب عنه الفنان في لوحاته وأرفق إجابته بوردة جورية أحضرها معه من حدائق الشام الرازحة تحت نير ظلم العالم بأسره.

16