أسامة سعيد رئيس وفد مسار الشرق : أنصار البشير اختاروا بعناية شرق السودان لخنق حكومة الثورة

الأطراف المعارضة للحكومة السودانية في الشرق تعتمد على استخدام سياسة الصوت العالي من خلال الاحتجاجات والاعتصامات وهي أحداث مفتعلة لنثر العقبات في البلاد.
الجمعة 2020/10/23
حلم الاستقرار لا يزال بعيدا

رغم الأجواء الإيجابية، التي بثها اتفاق جوبا في شرايين المكونات السياسية والقبلية السودانية كخطوة أولى باتجاه الانتقال من مرحلة الحرب إلى ترسيخ أسس السلام بعد سنوات طويلة من الاضطرابات، طفت مجموعة من المطبات على السطح بشكل متسارع في الفترة الأخيرة، نتيجة الرفض المتصاعد لمسار الشرق، الذي وقعت عليه الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة مع الحكومة الانتقالية، التي حمّلها رئيس وفد التفاوض لمسار الشرق، أسامة سعيد، تبعات إقالة والي كسلا، وقد سلط الضوء في حوار مع “العرب” على كيفية استغلال الموالين لنظام الرئيس السابق عمر البشير ما يحصل في المنطقة لتأجيج الصراعات القبلية وخلق النزاعات نظرا لما يمثله الإقليم من أهمية جيوسياسية.

القاهرة- يعاني إقليم شرق السودان من أزمات سياسية وقبلية متفاقمة ألقت بظلالها على اتفاق السلام الموقع بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية في جوبا، في الثالث من أكتوبر الجاري، وهو ما يجعل مؤشرات التوتر قابلة للتصعيد إذا لم تكن هناك حلول سريعة وشاملة تمنع تحول الإقليم إلى بؤرة جديدة في السودان، الذي يتلمس طريقه نحو الديمقراطية.

ولم يكن يتوقع الكثير من المراقبين أن يكون مسار الشرق في مفاوضات جوبا، والذي لم يأخذ حيزا زمنيا طويلا خلال المباحثات، شوكة في ظهر السلام مع توالي اعتراضات مكونات قبلية على القوى الممثلة لإقليم الشرق بالاتفاق، وهو ما دفع “العرب” إلى الحوار هاتفيا مع رئيس وفد التفاوض لمسار الشرق، أسامة سعيد، من مقر إقامته بهولندا.

ورأى سعيد أن الكثير من الأحداث مفتعلة في الشرق ويقف خلفها موالون لنظام الرئيس السابق عمر البشير، اختاروا بعناية أشد المناطق الجيوسياسية أهمية لخنق حكومة الثورة، ونثر العقبات في البلاد.

وقال رئيس مؤتمر البجا المعارض إن القوى التي تعترض على مسار الشرق هي ذاتها التي رفضت الانخراط في مفاوضات جوبا، بعد محاولات عديدة من قبل السلطة الانتقالية ومكونات مسار الشرق في الجبهة الثورية لدمج هذه القوى في وفد التفاوض، وأن بعض الجهات تستخدم الخلافات الأهلية والقبلية كستار لتحقيق أغراضها.

ومؤتمر البجا هو كيان سياسي حزبي تأسس في أواخر خمسينات القرن الماضي، ويضم في أغلبيته أفرادا من قبائل في شرق السودان، ويشكل خمسة قبائل أو ما يطلق عليه محليا اسم “النظارات” في الإقليم وهم البشاريون والبني عامر والامرأر والهدندوه والحلنقه. وقد تم إنشاؤه ليكون بمثابة منبر يعمل على تحقيق تطلعات سكان المنطقة.

ويتزعم موسى محمد أحمد، مساعد الرئيس المخلوع عمر البشير، والذي قاد مفاوضات جبهة الشرق في اتفاق سلام أسمرا في العام 2006، معارضة الاتفاق، وقد طالب بأن يكون وفد مسار الشرق المفاوض بالانتخاب، واشترط نقل مسار الشرق من جنوب السودان إلى إريتريا للدخول في المفاوضات.

وأضاف سعيد في حواره مع “العرب”، أن “موسى طالب بأن يكون التفاوض وفقاً لما جاء في اتفاق أسمرا، الذي أثبت فشله على الأرض طيلة السنوات الماضية ولم يخاطب جذور الأزمة، والدليل أن الأوضاع متفاقمة حالياً في شرق السودان، وبالتالي كان من المستحيل الاستجابة لذلك المطلب بعد أن انتهت آجال الاتفاق السابق”.

ومن المستحيل أيضا الاستجابة لمطلب نقل مسار الشرق إلى أسمرا لأن هناك برتوكولا وقعت عليه الجبهة الثورية مع الحكومة الانتقالية نص على أن تكون جوبا هي منبر التفاوض.

وفي ضوء ذلك لا يمكن فصل المسار عن باقي مسارات السلام حتى لا تؤدي الخطوة إلى تجزئة اتفاق السلام، إضافة إلى أن الاعتماد على القادة الموقعين على اتفاق أسمرا مجدداً لن يكون منطقياً لأنهم تعاونوا مع النظام السابق وسقطوا مع سقوطه.

لا للتشكيك السياسي

السودان

اعتبر سعيد أن التشكيك في وفد مسار الشرق التفاوضي ليس له محل من الإعراب لأنه يضم مكونين سياسيين لديهما ثقل كبير في الشرق، وهما الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، ومؤتمر البجا المعارض، وطيلة فترة المباحثات عقد نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) لقاءات مع المكونات القبلية والسياسية في الشرق، وانتهى الأمر بمشاركة طيف واسع من قبائل شرق السودان.

وكان جزء من مؤتمر البجا، الذي يترأسه سعيد، معارضا للاتفاق الحالي وكذلك ضمن الموقعين على اتفاق أسمرا السابق لكنه التحق بمعارضة الخارج منذ أن وجد الطريق مغلقا أمام تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض وانضم إلى الجبهة الثورية في العام 2014.

وبالإضافة إلى كل ذلك، في مؤتمر البجا ضمن الأمانة القانونية لتحالف نداء السودان، الذي ضم أحزابا مدنية وحركات مسلحة وأقر بضرورة وجود مسار تفاوضي لشرق السودان في أي مباحثات مستقبلية مع الحكومة السودانية.

ولم يكن اتفاق السلام الحالي يضم سوى مسارين فقط، وهما دارفور والمنطقتان جنوب كردفان والنيل الأزرق، قبل أن تخوض الجبهة الثورية مباحثات موسعة مع وساطة جنوب السودان والحكومة الانتقالية، شارك فيها رئيس مسار الشرق لتدشين مسارات أخرى، وانتهى الأمر بمسار للوسط وآخر للشرق وثالث للشمال، فضلا عن المسارين الأساسيين.

وينفي سعيد، وهو يشغل أيضا منصب الناطق باسم الجبهة الثورية، تجميد مسار الشرق باتفاق السلام الموقع مؤخرا، حيث يمضي الاتفاق على طريق التنفيذ ويحظى بموافقة معظم القبائل باستثناء جزء من قبيلة الهدندوة، وناظرها محمد الأمين ترك، وكان الجزء الآخر من القبيلة متواجدا في جوبا لحظة التوقيع على السلام بقيادة الشيخ سليمان علي بيتاي، وكذلك قبيلة الامرأر التي تعد أكبر قبائل شرق السودان.

وأوضح أن الاتفاق حقق جملة من المكاسب غير المسبوقة لشرق السودان، وجرى إعداد ورقة المباحثات الخاصة به على الأخطاء التي وقع فيها اتفاق أسمرا السابق، وحقق وضعاً إداريا مميزاً في الشرق في مستويات الحكم المختلفة، واستعاد نظام الحكم الإقليمي للشرق على قاعدة تحويل السلطات من المركز إلى الإقليم وتخصيص الموارد، وراعى الاتفاقات الحالية، ونص على عقد مؤتمر شامل يضمن التوافق على تنفيذ هذه البنود على الأرض.

توزيع السلطة والثروة

ينذر اشتعال الشرق بكارثة أمنية وسياسية واقتصادية
ينذر اشتعال الشرق بكارثة أمنية وسياسية واقتصادية

يمثل أبناء الشرق في الوظائف القيادية للخدمة المدنية نسبة 14 في المئة تشمل وظائف في السلك الدبلوماسي ومدراء الوزارات ورؤساء المفوضيات، ونص الاتفاق أيضا على إنشاء قانون لإعمار شرق السودان على أن تضع الدولة مبلغا ابتدائيا بقيمة 348 مليون دولار، وتخصيص 30 في المئة من عائدات الموارد النفطية والمعدنية المستخرجة من الشرق لصالحالإقليم.

وبنت التنظيمات القبلية في الشرق خطابها السياسي تاريخيا على المطالب التنموية ذات العلاقة بنطاقها الجغرافي، فقد ركز مؤتمر البجا في ميثاقه في نهاية خمسينات القرن الماضي على ضرورة استغلال ثروات شرق السودان المعدنية بالتصنيع، وتطبيق الحكم اللامركزي، وإقامة المستشفيات وإقامة السدود والآبار الجوفية، ما جعل المباحثات تركز بالأساس على جذور تلك الأزمات.

وأشار سعيد إلى أن الشرق يعاني من تهميش سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، وأن مشكلة تلك المنطقة بالأساس مع المركز وليست مشكلة داخلية، لكن موظفي النظام البائد اختاروا بعناية شرق السودان لتأجيج الصراعات القبلية وخلق النزاعات لما يمثله الإقليم من أهمية جيوساسية، بفعل الموانئ المطلة على البحر الأحمر، وبالتالي فإنه من الممكن خنق حكومة الثورة وإفشالها عبر إثارة الفوضى والتوتر في الإقليم.

الحكومة تتحمل مسؤولية تداعيات تعيين والي كسلا، ومعارضو الاتفاق طالبوا بنقل المفاوضات من جوبا إلى أسمرا

وأوضح خلال حديثه لـ”العرب” أن الأطراف المعارضة للحكومة تعتمد على استخدام سياسة الصوت العالي من خلال الاحتجاجات والاعتصامات وقطع الطرقات، ووصل الأمر إلى تعطيل الموانئ، ويبدو أنها صاحبة الحضور الأكبر في الإقليم بعكس الواقع على الأرض، وما يساعد تلك الأطراف في تنفيذ مخططاتها أنها لا تواجه قبضة قوية من الحكومة، وهناك تراخ واضح في فرض هيبة الدولة وإعمال سلطة القانون.

وينذر اشتعال الشرق بكارثة أمنية وسياسية واقتصادية، حيث قطع محتجون الطريق الرئيسي الرابط بين الخرطوم والموانئ البحرية الرئيسية في بورتسودان وسواكن، ما يهدد إمدادات الغذاء والوقود لكل مناطق البلاد، ويجعل تداعيات التوتر تفوق أزمة دارفور، إذ يمثل الشرق مجالا حيويا، وهو قريب جدا من المركز إذا ما قورن بدارفور.

وأشار سعيد في كلامه إلى أن السلطة الانتقالية أدركت خطورة تردي الأوضاع الأمنية في الشرق، وأرسلت تعزيزات أمنية وأصدرت جملة من القرارات لفرض سلطة القانون وتتعامل بحزم مع أي محاولة من شأنها التأثير على الجانب الاقتصادي.

وعقد مجلس السيادة برئاسة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة، وحضور النائب العام وقيادات المنظومة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، اجتماعا عاجلاً، الأحد، شدد على أن المرافق الحيوية “خط أحمر لا يجوز المساس به”، ودعا إلى التطبيق الصارم والبت في الإجراءات القانونية ضد الأشخاص أو الجماعات المحرضة.

ركائز الأزمة

السودان

قال رئيس مؤتمر البجا، إن الحكومة كانت سببا في إشعال أزمة والي كسلا، صالح عمار، لأن اختياره بالأساس لم يجر بالتشاور مع المكونات السياسية أو القبلية في الولاية، وجاء اعتماده من اللجنة المركزية لقوى الحرية والتغيير بالخرطوم، كما أن إقالته جاءت في توقيت خاطئ، لأنه من المفترض أن تتم إقالة جميع الولاة بعد أسبوعين على الأكثر تنفيذا لاتفاق السلام، وهو ما تسبب في أحداث عنف واسعة.

وقتل شرطي وسبعة من المتظاهرين وأصيب 30 آخرون بجروح خلال احتجاجات عنيفة دارت في ولاية كسلا اعتراضا على قرار رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، بإقالة الوالي صالح عمار، ما تسبب في الأحداث الأخيرة، وفرض حظر التجوال في الولاية لمدة أسبوع، وهو ما ضاعف من حدة الغضب الشعبي ضد الحكومة، وزيادة الهوة بين قبيلتي البني عامر والبجا.

وينتمي عمار إلى قبيلة البني عامر، وعارضت قبيلة الهدندوة توليه المنصب بحجة أنه لا يمثل سكان الولاية، إلا أن سعيد أشار إلى أن الاعتراض على إقالته لم يكن لأنه ينتمي إلى البني عامر وإنما لطريقة تعامل الحكومة مع الأوضاع السياسية من منظور قبلي، فلو كانت إقالته بسبب مؤهلاته السياسية لما أثار الموضوع حفيظة أبناء البني عامر الذين لم يدعموا ترشيحه للمنصب.

ولم يستبعد أسامة سعيد وجود أياد خارجية خفية تعبث بأمن شرق السودان، واعتبر أن صراعات الإستراتيجيات الدولية في البحر الأحمر تُلقي بظلالها على شرق السودان، في ظل تنامي حروب النفوذ والسيطرة على الموانئ، وهو ما يجعل السودان عرضة لهذه النزعات وتكون لذلك انعكاسات مباشرة على الأوضاع الداخلية.

وفي خضم ذلك، رفض رئيس مؤتمر البجا الاتهامات الموجهة للنظام الإريتري بالضلوع في تأجيج الصراعات الحالية لوجود قبائل عارضت الاتفاق، يتواجد نصفها في السودان والنصف الآخر في إريتريا، مشيرا إلى أن الرئيس أسياس أفورقي دعم قضايا إقليم شرق السودان لأهمية استقراره.

ويبدو أن أسامة سعيد مقتنع بأن الحل الملائم لأزمات شرق السودان يتمثل في تنفيذ ما أفرزه اتفاق السلام من بنود، وعقد مؤتمر أهل الشرق، ويحضره الرافضون للاتفاق وتقديم رؤيتهم لحل المشكلات الحالية، وتضمين تلك الرؤية للاتفاق من أجل الوصول إلى رأي موحد يضمن الإجابة على أسئلة كيف يُحكم شرق السودان؟ وكيف يمكن النهوض به تنمويا؟ وكيف يجري تمثيل كل القطاعات السياسية والمجتمعية في إدارة الإقليم؟

وكشف في حواره مع “العرب” أنه من المقرر أن يجري عقد المؤتمر بعد 45 يوما من التوقيع على اتفاق جوبا، أي منتصف شهر نوفمبر المقبل، وأن الوقت الحالي يشهد مشاورات واسعة يقودها الفريق حمدان دقلو لضمان تمثيل كافة المكونات السياسية والقبائل تمهيداً لتشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر.

وذكر أن السودان ينتظر جملة من القرارات السياسية الهامة لإنزال اتفاق السلام على الأرض بعد تضمينه في الوثيقة الدستورية وأضحى تنفيذه أمرا واقعا، وأن السلطة الانتقالية في طريقها لإصدار مرسوم العفو العام بما يُمكن قادة الحركات من العودة بحرية إلى الداخل، ومن المقرر إعادة تشكيل مجلس السيادة، وإضافة ثلاثة أعضاء جدد من الجبهة الثورية، وتجري مشاورات مكثفة لتشكيل المجلس التشريعي.

ولفت إلى أن الجبهة الثورية لم تناقش بعد تسمية أعضائها في مجلس السيادة، لكنها ستكون جاهزة لإعلان الأسماء وقت صدور تشكيل المجلس الجديد، وينصب التركيز في الوقت الحاضر على الترويج للسلام وخلق رأي عام داخلي مؤيد، ولديه الوعي الكافي لتنفيذ بنوده.

7