أسامة هيكل: لا ألتفت إلى المعارك الجانبية وتركيزي على تحقيق أهداف الدولة

وزير الإعلام المصري أسامة هيكل يرفض في حوار مع "العرب" الاعتماد على البيانات الصحافية الرسمية المنتشرة، مفضلا التوضيح للمواطن المصري عبر التواصل المباشر والمستمر لاستعادة الثقة معه.
الخميس 2020/09/10
لست مسؤولا عما يفهمة الآخرون، بل عما أقوله فقط

يثير انتباه المتابعين أن الإعلام المصري فقد جانبا من بريقه وتأثيره على الساحتين الداخلية والخارجية مؤخرا، نتيجة التخبط في السياسات، وبروز مواقع التواصل الاجتماعي كمنافس قوي، جذب قطاعات عريضة من المواطنين. وتفاءل كثيرون مع عودة الصحافي أسامة هيكل ليتولى مسؤولية وزير الدولة للإعلام، لمنع التضارب في الاختصاصات، وتتعرض خططه لمقاومة ضارية ممن يريدون أن يظل الإعلام عاجزا للحفاظ على مصالحهم.

القاهرة - رفض وزير الإعلام المصري أسامة هيكل تسمية ما يحدث من خلاف وجدل في وسائل الإعلام المصرية والانتقاد الدائم للإعلام الحكومي بالتراشق، قائلا “لم أرد نهائيا ولن أرد على تلك الحملات لأنني أعي دوري جيدا، كما أدرك أدوار الآخرين، ولا أتجاوز في حق أحد، ما حدث هو اقتطاع لحديثي بشأن الصحف الورقية فحوّله البعض إلى أنني قلت إن الصحافة ستنتهي، وهو ما لم يحدث بل طرحت عقد مؤتمر للصحافة لبحث مستقبلها في ظل التطورات التي تحدث ولست مسؤولا عما يفهمه الآخرون، وأنا مسؤول عما أقوله فقط”.

وعرض الوزير المصري في حوار مع “العرب” مهمة الإنقاذ التي يقوم بها للإعلام المصري المتراجع، ورؤيته ومعارضته وخططه للمستقبل، لكنه لجأ أحيانا إلى إجابات دبلوماسية، ولم يشأ الدخول في صراعات يراها مصطنعة.

وسألت “العرب” هيكل عن سر التراشق والحملة التي تستهدفه وخرجت من بعض الصحف القومية، مثل “الأخبار” و”روز اليوسف”، في صورة مهنية، فقال “هذا الوضع أُسميه مقاومة، فأي عملية إصلاح في العالم يقابلها رفض، فهناك أوضاع ترتبت خلال السنوات الماضية، وعندما تأتي الإشارة إلى الإصلاح ينتاب البعض القلق خشية فقدان مساحات ومكتسبات تم الاستحواذ عليها”.

ولفت إلى أن دوره واضح ومحدد ومؤمن جدا بما يقوم به، “لم يكن الأمر سهلا فمجرد أن أديت اليمين الدستورية لتولي منصبي فوجئت بعاصفة من الهجمات من أحد المسؤولين السابقين، فتلك أول أشكال المقاومة، بينما لم نجلس سويا بعد، وما زلت أتعرض للهجوم من أصحاب المواقع من المرئيين وغير المرئيين”.

وشدد على أنه يضع نصب عينيه تحقيق رؤيته والأهداف المحددة التي كلفه بها الرئيس عبدالفتاح السيسي للعمل عليها، ولا يلتفت إلى المعارك الجانبية التي يحاول البعض استدراجه إليها، والهادفة إلى تعطيله، مؤمنا بأن أي عملية إصلاح تجد رفضا شديدا، وهذا لا بد من حدوثه حتى يبدأ في تثبيت الأوضاع، وقد اعتاد على تلك المعارك وواجهها من قبل.

الحل السحري الغائب

يولي أسامة هيكل اهتماما بالإعلام الحديث، ويضعه على رأس خططه، ويرى ضرورة في مواكبة التطورات، قبل أن تصبح المهنة في مصر خارج التاريخ
يولي أسامة هيكل اهتماما بالإعلام الحديث، ويضعه على رأس خططه، ويرى ضرورة في مواكبة التطورات، قبل أن تصبح المهنة في مصر خارج التاريخ

يعتقد متابعون أن عودة منصب وزير الإعلام لا بد أن تحمل حلا لكل مشكلات الإعلام المتراكمة عبر السنوات، بينما يرى فريق آخر أنه من الجائر تحميله عبء الإخفاق، لكن هيكل يرى أنه قادر على أداء المهمة، “أتيت من أجل مهمة أعمل في إطارها، لكن الناس ترسخ في ذهنها منصب وزير الإعلام بصورته القديمة”.

وجرى خلال السنوات الماضية صدور دستور نص على إنشاء “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” و”الهيئة الوطنية للإعلام” و”الهيئة الوطنية للصحافة”، وكان دور المجلس الأعلى وفقا للدستور منح التراخيص للقطاع الخاص في الصحافة والإعلام، ووضع معايير لمراقبة كل وسائل الإعلام، وتطبيق المعايير عليها جميعا دون تفرقة.

لكنّ ثمة خلطا وتضاربا في الاختصاصات بين دور وزير الدولة للإعلام، وهذه الهيئات؛ ومن هنا قال هيكل “إن المهام التي تضطلع بها وزارته لا يقوم بها المجلس الأعلى للإعلام، ولا الهيئة الوطنية للصحافة، أو الهيئة الوطنية للإعلام، فالثانية مهمتها إدارة أموال الصحافة المملوكة للدولة وتقدر بـنحو 55 إصدارا صحافيا، ولا علاقة لها بالقطاع الخاص، أما الوطنية للإعلام فتدير أموال الدولة في الإذاعة والتلفزيون المملوكين للدولة، أي اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقا”.

وأضاف أن الدستور نص على أن كل هيئة من هذه الهيئات تتمتع بصفة الاستقلالية، والحقيقة أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هو وحده الذي يتوجب أن يكون جهة مستقلة ليتسنى له أداء أدواره، “لكن الهيئتين الوطنيتين تديران أموال الدولة، رغم منحهما صفة مستقلة، فمن أين يأتي الاستقلال وهما تديران أموال الدولة؟”.

وقال في إجابة عن أسئلة “العرب”، إن وضع السياسة الإعلامية للدولة يتطلب التنسيق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهيئتَيْ الإعلام والصحافة، لأن الدولة تنفق على مؤسساتها لتحقيق سياستها الإعلامية، فتأتي الهيئات وتقول إنها مستقلة، وهي في الواقع غير مستقلة، وهذا تفسير تشوبه مشكلة، ولا بد أن يكون هناك مفهوم أكبر لفكرة الاستقلالية.

وأكد أنه يقول هذا الكلام بصفته كان المسؤول عن وضع القوانين في مجلس النواب خلال فترة رئاسته للجنة الإعلام والثقافة والآثار، وتلك القوانين دارت حولها مناقشات فترةً طويلة، وهذا دستور لا يمكن العبث به، وتم وضع القوانين على مرتين، الأولى في شكل قانون موحد، ثم جرى تفصيلها على ثلاثة قوانين في المرة الثانية.

تصحيح أوضاع مختلة

الوزير يعرض مهمة إنقاذ الإعلام
الوزير يعرض مهمة إنقاذ الإعلام

وقال هيكل “كان هناك غياب بشأن من يتحدث باسم الدولة، ومن يضع لها السياسة الإعلامية. وعندما حدث ارتباك عقب ظهور دعوات تحرّض على التظاهر ضد الدولة في سبتمبر الماضي، قدمت وسائل الإعلام المصرية تصورات مختلفة دون وجود رؤية لخطاب معين يعبر عن الموقف الرسمي للدولة، فغابت البوصلة”.

وتابع “ومن هنا فكر الرئيس عبدالفتاح السيسي في إعادة منصب وزارة الدولة للإعلام، وتمت دراسة الموقف من الناحية الدستورية وتبين عدم وجود تعارض مع الدستور المصري، فعاد المنصب ضمن تشكل الحكومة، وهي رؤية تعكس إدارة القيادة السياسية للبلاد في هذه المرحلة”.

وأضاف أنه كُلف بمجموعة من الأمور، أهمها وضع السياسة الإعلامية للدولة، بالتعاون والتنسيق مع رئيس الحكومة، ثم يتم عرضها على رئيس الجمهورية، وإذا اعتمدها تصبح السياسة العامة للدولة، وقال “أبذل قصارى جهدي لنجاح مشروع تطوير الإعلام لقناعتي الشخصية في ودعم الرئيس السيسي لها، وأراها مهمة جليلة”.

وأشار إلى وجود خطة وسياسة إعلامية محكمة؛ “قدمنا طرحا أوليًّا وطرحا ثانيًا، وبانتظار تقديم العرض الثالث والنهائي، وأبدى الرئيس السيسي اتفاقا معنا في وجهة النظر، وثمة تفاصيل دقيقة طلب إضافتها خلال المناقشة التي أُجْرِيت معه، حيث يبدي اهتماما بالغا بملف الإعلام، ويتفق على حتمية الانفتاح بشكل عام وإتاحة المعلومة لوسائل الإعلام داخليا وخارجيا”.

ولدى أسامة هيكل أملٌ في تصحيح أوضاع الإعلام المصري، ومبعث تفاؤله أنه وزير ذو خلفية سياسية، وربما يكون الوحيد الذي يحمل هذه الصفة في الحكومة الحالية التي يطغى على غالبية أعضائها طابع التكنوقراط، ويعول عليه للمساهمة في جَسر الهوة بين السلطة والمواطنين.

وأوضح أنه يؤمن بضرورة الجمع بين الإعلام والسياسة، فمع تطور وسائل الإعلام لا يصلح اتخاذ قرار سياسي دون أن يواكبه آخر إعلامي يمكنه المساعدة على  إنْجاحه، كما ينبغي مراعاة توقيت اتخاذه والظروف المصاحبة له وطريقة الإعلان؛ لذلك تسمى “سياسة إعلامية”.

ولفت إلى أن تجارب الدول التي ألغت وزارة الإعلام، يوجد فيها دائما من يختص بهذا الملف، وفي مصر غاب ذلك تماما فحدث اختلال في العلاقة بين متخذ القرار والمواطنين، ومنذ وصلت إلى هذا المنصب بدأت في العمل على رأب هذا الصدع.

ويولي هيكل الإعلامَ الحديثَ اهتمامًا، ويضعه على رأس خططه العملية، ويرى ضرورة في مواكبة التطورات، قبل أن تصبح المهنة في مصر خارج سياق التاريخ، ويسعى للمحافظة على مهنة الصحافة لمواصلة مسيرتها في إطار التطور التكنولوجي الذي يهدد الصحف الورقية ذاتها.

ووضع على رأس أولوياته مخاطبة الشباب وإقناعهم بسياسة الدولة، معترفا بأن ثمة مشكلة في التعامل مع الشباب، الذي من الواجب مخاطبته برسائل إعلامية تناسب عقله، في ظل انتشار المنصات الرقمية والهواتف النقالة، وطغيان وسائل التكنولوجيا الحديثة التي أضحت بمثابة وسائل إعلام وليس مجرد وسيلة اتصال، وانتشار صحافة المواطن.

ويعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تصلح لتكون مصدرا للمعلومة، فقد لا تتوافر النيات الطيبة لصانع المحتوى وتغيب عنه المعلومة الدقيقة، وهو يحاول ترميم العلاقة مع الشباب، إدراكا منه أن ثمة فجوة بين الدولة المصرية والأجيال الشابة.

وحول رؤيته للتواصل إعلاميا مع الشباب قال “أطلقنا حزمة من المبادرات التي تستهدف هذه الفئة في المقام الأول، مثل مشروع ‘سفراء الإعلام الجديد’، واستعنت بمجموعة منهم لوضع نهج وأفكار حول كيفية التواصل والتقارب مع أقرانهم عبر المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت وجهة الشباب الرئيسية، وقادرة على إحداث التغيير في الرأي العام”.

وأطلق هيكل مسابقة للتصوير الفوتوغرافي، وقد لمّح إلى وجود عدد من المبادرات سيتم إطلاقها خلال الفترة المقبلة، تستهدف تعريف الشباب بسياسة الدولة، خاصة أن هناك مؤشرات تؤكد أنها تحظى بمشاركة جيدة.

واعترف بأنه “لا يصلح أن يكون الإعلام صوتا واحدا فهناك حاجة إلى تنوّع الآراء، ولا يمكن أن يجد الجمهور الشاشات المصرية تناقش الموضوع ذاته دون توافر مساحة من الاختلاف، وإلا سيلجأ إلى قنوات أخرى ربما تكون معادية، وإتاحة المعلومات مبكرا عملية مهمة للغاية، لأن تأخيرها سيعطي فرصة لتسلل الآخرين، واستغلال الفراغ لبث الشائعات”.

وعن شكوى السلطة الدائمة من وسائل الإعلام وعدم قدرتها على التعبير عن طموحات الدولة وإيصال وجهة نظرها إلى المواطن، قال “لا بد من إتاحة مساحة لحرية الإبداع والتنوع، وعرض الرؤى المختلفة، والإعلام في صورته الحديثة لا يصلح لأن يكون موجها، مع وجود أكثر من ألفي قناة فضائية، فثمة طوفان من الشاشات التي يشاهدها المواطن، وليس رهين شاشة واحدة فإذا لم تعجبه القنوات المحلية ينتقل إلى العربية أو الأجنبية”.

وذكر هيكل أن الخلل الذي حدث خلال السنوات الست الماضية في الإعلام المصري ترتبت عليه أوضاع البعض، وعند محاولة التغيير حاليا يحدث نوع من المقاومة، لذلك الأمر يتطلب قدرا من الوقت.

ويصنف وزير الدولة للإعلام المصري بأنه رجل المهام الصعبة، ويستدعى دائما في فترات عصيبة سياسيا، أو عقب حدوث أزمات إعلامية، وجاء كأول وزير للإعلام بعد ثورة يناير 2011، إثر فترة من شغور المنصب وشيوع فوضى إعلامية لافتة، وإضراب داخل التلفزيون المصري، وتمكن من امتصاص غضب العاملين الساخطين.

واختير عام 2014 رئيسا لمجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، التي عانت خسائر فادحة، فتمكن من سداد ديونها عبر صوغ نظام متطور لإدارتها، متحررا من عباءة الأداء الحكومي البيروقراطي.

بين مهمتين

العمل على استعادة الثقة عبر التواصل المباشر والمستمر مع المواطن المصري
العمل على استعادة الثقة عبر التواصل المباشر والمستمر مع المواطن المصري

يرى هيكل أن مهمته في الوقت الراهن أكثر صعوبة من سابقتها، موضحا “في المرة الأولى جئت عقب ثورة، ومكثت خمسة أشهر، وكانت الفوضى تشمل البلاد كلها وليس الإعلام فقط، وما تبقى من الدولة كان يقف إلى جانبي ويساندني في قراراتي.

وكان وزير الإعلام آنذاك يتخذ ما يراه مناسبا في الوقت الملائم، وهناك وزارة قائمة بالفعل، ونظام للعمل وموظفون، وأعرف من يقاومني ومصدر الشغب، سواء من المتظاهرين في الشارع أو عناصر جماعة الإخوان ممن سيطروا على التلفزيون المصري في وقت من الأوقات.

وفي الوقت الحالي أضحت الأوضاع أكثر صعوبة، حيث أمتلك أهدافا أسعى لتحقيقها، وهذه المرة أقوم بتأسيس وزارة للإعلام من البداية، وحتى الآن لم يكتمل الجهاز الفني، ويجري العمل عليه، وهناك مشقة كبيرة جدا في التكوين الإداري، وهي صعوبة لم تكن في الوزارة الأولى، كما أن مقر الوزارة الحالي مؤقت، وحتى الأثاث قمنا باستعارته من جهات أخرى وهذا طبيعي وليس عيبا، وتركيزي ينصب على العمل فقط”.

وحول الصعوبات التي تواجهه في أداء مهمته قال “أرفض سياسة فرض الأمر الواقع، وأتعامل بهدوء وكياسة في هذا الشأن، وأدرك أن التغيير يتطلب وقتا لإنجازه، فعندما يجد طرف أنه يفعل ما يحلو له ثم يفاجأ بالمساس به قد يبدي مقاومة، والمهم هو إتاحة المعلومة، التي قد يطرحها بعضهم بشكل خاطئ، وحينها تتوجب المحاسبة”.

وساد السنوات الماضية إعلام الصوت الواحد الذي يبدو مدافعا عن صوت الحكومة متجاهلا معاناة المواطن، ما أسفر عن اندلاع أزمة في الثقة بين الحكومة والمواطنين، وبين إعلام الدولة والجمهور.

وعن سبل المعالجة أوضح “نحاول استعادة الثقة عبر التواصل المباشر والمستمر مع المواطن، فبعيدا عن مشكلة غلاء الأسعار يبدو حجم مشكلة المواطنين مع الحكومة أقل كثيرا من سابقه في الأعوام الماضية، وإتاحة المعلومة للمواطن هي الجزء الذي يخصني، فلا نخفي شيئا، ويكون هناك مؤتمر صحافي عقب أي اجتماع لمجلس الوزراء لإطلاع المواطن على كافة المستجدات، عن طريقي أو من قِبل الوزير المختص أو عن طريق رئيس الوزراء”.

وحذر من مغبة الخروج عن إطار وظيفة وزير الإعلام، حيث مهمته إتاحة المعلومة الدقيقة في أسرع وقت ممكن، كي يوقف انتشار الأكاذيب، ولوحظ أن حجم الشائعات قد تراجع مؤخرا، كما أن المواطنين اعتادوا منذ أزمة كورونا أن يأتي الإعلان أولا من الحكومة وخروج المسؤولين فورا للحديث عن تفاصيل أحداث مختلفة.

ورفض هيكل فكرة الاعتماد على البيانات الصحافية الرسمية التي انتشرت بكثافة في دولاب الدولة المصرية، قائلا “أنا أميل إلى الخروج على الهواء مباشرة، فإذا لم يخرج التوضيح بشكل فوري سيتعرض للاقتطاع وسيكون أبطأ في الوصول إلى المتلقي”.

13