أسباب دفعت بورخيس وإدوارد سعيد إلى تعلم اللغة العربية

عبدالفتاح كليطو يؤكد أن الأدباء العرب المعاصرين شبه مغمورين ومجهولين في بلدانهم الأصلية، وأن المستشرقين الغربيين دفعوا طه حسين إلى اكتشاف الأدب العربي.
الجمعة 2018/04/13
العرب كفوا عن إجلال كتابهم ومفكريهم

ما يتميز به الناقد المغربي عبدالفاتح كليطو هو أن كلّ كتبه تعكس إلمامه بالتراث العربي القديم شعرا ونثرا وفكرا وفلسفة، وتثبت اطلاعه الواسع على الثقافة الغربية في جميع تجلياتها القديمة والحديثة.

فهو يركز على جميع الكتب النقدية وخاص أمهات كتب التراث مثل “ألف ليلة وليلة”، و”المقامات”، وآثار الجاحظ والتوحيدي وأبي العلاء المعري، وابن رشد، وابن المقفع وغيرهم من عظماء الكتاب والمفكرين والشعراء في العهود القديمة عندما كانت للعرب حضارة مُشعّة على جزء كبير من العالم.

أما الأدب العربي الحديث فلم يعره اهتماما كبيرا مكتفيا من حين إلى آخر بإشارات خفيفة وسريعة لأثر من آثاره. وهذا ما فعله في كتابه الصادر حديثا عن دار “توبقال” المغربية بعنوان “بحبر خفي”.

طه حسين ناقدا

ردا على لامبالاة الفرنسيين بالأدب العربي الحديث
ردا على لامبالاة الفرنسيين بالأدب العربي الحديث

دوافع تأليف كتاب “بحبر خفي” هو أن كليطو حضر مائدة مستديرة في باريس، وخلال الجدل الذي دار فيها، تذمرت كاتبة لبنانية تجاهل ذكر اسمها من لامبالاة الفرنسيين بالأدب العربي الحديث، في حين أنها وغيرها من الأدباء العرب مطلعون جيدا على الأدب الفرنسي والأوروبي الكلاسيكي والحديث.

وردا على تذمر الكاتبة اللبنانية، علق كليطو قائلا إن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها جلّ الأدباء العرب المعاصرين هي أنهم شبه مغمورين ومجهولين في بلدانهم الأصلية. ولو كان لهم عدد كبير من القراء مثلما كان الحال بالنسبة إلى طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحي حقي لما شغلتهم ترجمة آثارهم إلى اللغة الفرنسية أو غيرها من اللغات الأجنبية.

ومستشهدا بما كتبه كافكا في يومياته قائلا إن على أمة صغيرة أن تفتخر بكتابها لأنهم “فخرها أمام العالم العدائي الذي يحيط بها”، يعتقد كليطو أن العرب كفوا عن إجلال كتابهم ومفكريهم مثلما كان حالهم في الماضي. اعتمادا على هذا يمكن أن ندرك سبب إحساس الكتاب العرب بـ”اليتم” و”الغربة” في أوطانهم الأصلية، وسعيهم إلى الحصول على الاعتراف خارجها، ورغبتهم في “الانتقال من السياق الصغير إلى السياق الكبير” مثلما هو الحال بالنسبة إلى أدباء وشعراء أميركا اللاتينية الذين تمكنوا من “غزو” العالم بآثارهم الإبداعية.

ويشير كليطو إلى أنه اعتمد في تكوينه الأساسي في سنوات المراهقة على شاعر وناقد. فأما الشاعر فهو محمد سامي البارودي الذي حقق ديوانه علي الجارم. وأما الناقد فهو طه حسين الذي فتن به ليقرأ جلّ مؤلفاته ودراساته الكبرى.

 وهو يعتقد أن المستشرقين الغربيين هم الذين كان لهم التأثير الكبير على طه حسين إذ أنهم ساعدوه على اكتشاف الأدب العربي القديم، وعلى إعادة النظر في الشعر الجاهلي. ولعله كان يشعر بالمرارة لأن الأدب العربي القديم لم يرتق إلى مستوى الأدب اليوناني الذي كان يعتبره أرقى آداب الأمم عبر التاريخ.

وكان طه حسين ينظر إلى المؤلفين العرب الجدد وكأنهم “مجرد تلاميذ يوفقون ويفشلون بقدر قربهم من، أو بعدهم عن أساتذتهم الأوروبيين”. حتى “أمير الشعراء” أحمد شوقي لم يكن قادرا على أن يسمو إلى مرتبة شعراء أوروبيين أمثال بودلير أو بول فاليري. وفي النهاية، يشير كليطو إلى أنه لم يعد أبدا إلى طه حسين. وهو يظن أنه لن يعيد قراءته لأن إعادة قراءات سنوات المراهقة غالبا ما تسبب له “خيبة مريرة”، وقد تعرضه إلى “التنكر إلى نفسه والتنقيص من شأنها”.

إدوارد سعيد وبورخيس

في نص بعنوان “صورة المثقف حمالا”، يعرض كليطو ملاحظات دقيقة وذكية تتصل بسيرة إدوارد سعيد “خارج المكان”. وهو يقول إن قراءته لهذه السيرة رسمت في ذهنه صورة “المثقف حمّالا”. ففي سيرته يروي إدوارد سعيد أنه كان يحرص منذ طفولته على أن يسافر مرفوقا بحقائب ضخمة غالبا ما تحوي أشياء زائدة عن اللزوم. وكانت تلك الحقائب الضخمة تجبره على أن يسير منحني الظهر، مهملا بذلك وصية والده الذي كان يأمره دائما بأن يكون “مستقيما” لأن “الاستقامة هي سمة الرجال الوقورين الذين يمقتون الانكماش، ويتحلون بالجرأة، وبالقدرة على الصمود”.

 هذه هي نفس السمات التي رسم بها سعيد في ما بعد صورة المثقف في مواجهة السلطة. لكن في “خارج المكان” هو يشير إلى أنه آثر في سنوات النضج أن يهمل نصيحة أبيه نهائيا لكي “لا يكون سويا تماما، وأن يظل في غير مكانه”.

ويضيف إدوارد سعيد قائلا إن إصراره الدائم خلال فترة الشباب على السفر بحقائب ضخمة قد يعود إلى أنه كان يخشى ألاّ يعود أبدا كما كانت تعتقد والدته، وأن يفقد نهائيا المكان الأول.

بورخيس وإدوارد سعيد وعلاقتهما بالثقافة العربية
بورخيس وإدوارد سعيد وعلاقتهما بالثقافة العربية 

وكانت اللغة هي الجانب الآخر الذي اهتم به إدوارد سعيد في سيرته لأن اللغة هي ما يفتقده المرء كثيرا في غربته. ويعود انفصاله عن اللغة العربية إلى فترة مبكرة من حياته. ففي القدس، وفي القاهرة، انتسب إلى مدارس ومعاهد كان محرما فيها دراسة اللغة العربية وتعليمها. وعندما قرر السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية أوصاه والده بأن يبتعد عن العرب “لأنهم يجذبونه إلى الأسفل، ولا يوفرون له أبدا فرصة السمو بها”.

 وفي الجامعة التقى أستاذا كان قد عاش في مصر. لكن حين سعى إلى محادثته بالعربية رفض هذا الأستاذ ذلك رفضا قاطعا قائلا “لا يا أخي. لا عربية هنا. لقد تركت ذلك خلفي حين أتيت إلى أميركا”.

كان على إدوارد سعيد أن يختار الكتابة باللغة الإنكليزية. من هنا كان شعوره الدائم بـ”الغربة” وبأنه “خارج المكان” دائما وأبدا، وأنه لم يفقد الوطن فقط، بل اللغة أيضا.

ومحاولة منه للحد من الخسران الكبير، خسران الوطن، وخسران اللغة، اختار إدوارد سعيد في السنوات الأخيرة من حياته أن يكتب مدافعا عن القضايا العربية، وأن يفضح المخططات الاستعمارية الحديثة التي استهدفت وتستهدف العالم العربي. وعندما اشتد به المرض الذي فتك به، عاد إلى بيروت محاولا أن يدرس العربية.

وفي نص قصير آخر يشرح كليطو الأسباب التي دفعت بورخيس إلى تعلم اللغة العربية قبيل وفاته، وكان آنذاك مقيما في جنيف. وهو يعتقد أن السبب الأول هو أن بورخيس الذي كان يتقن اللغة الفرنسية واللغة الألمانية واللغة الإنكليزية كان يعتبر اللغة العربية لغة ثقافة كبيرة أثرت في تكوينه، وانعكست على آثاره النثرية والشعرية. ولعل بورخيس كان يظن أيضا أن تعلم اللغة العربية سيوفر له فرصة قراءة “ألف ليلة وليلة” في لغتها الأصلية.

كما هو معلوم كان صاحب “كتب الرمل” يعتبر “ألف ليلة وليلة” من أعظم الآثار في الآداب الإنسانية كلها. بالإضافة إلى ذلك اختار بورخيس أن يكون معلمه من مصر، بلاد الفراعنة الذين كان يصنفهم ضمن الشعوب المؤسسة للحضارات الإنسانية. كما اختار أن يكون معلمه من مدينة الإسكندرية التي ظهرت فيها أول وأعظم مكتبة في العالم القديم.

ويختم كليطو مقاله عن بورخيس قائلا “توفي مؤلف ‘الألف‘، و‘مكتبة بابل‘، وفي نفسه شيء من حكايات شهرزاد، ومن اللغة العربية التي ختم حياته على عتبتها وهو يتلعثم بتهجيها”.

14