أسباب فشل الثقافة البديلة

الاثنين 2016/05/23

رافق واقع الحرية في تونس سعي إلى تأسيس واقع ثقافي آخر، حيث ظهرت للعلن أنواع جديدة من الفن والممارسات الثقافية -فنية كانت أو أدبية- هي أكثر قربا من الشارع، وانتقلت من الهامش إلى المركز بديلة عن الثقافة الرسمية التي لها مثقفوها وكتابها وفنانوها ومبدعوها الرسميون، الذين وإن توفرت في بعضهم الكفاءة، وجمّده الدور السياسي من بعد، فإن أغلبهم كان دوره سياسيا بحتا لا علاقة له بالإبداع.

حال الارتداد السياسي انعكس على الثقافي اليوم، فبتنا نجد نفس الوجوه تتصدر الواجهات، لتعود هذه الرموز الثقافية القديمة بأقنعة جديدة وديكور جديد محاولة المسك بزمام الثقافي في البلاد، بعد فشل الثقافة البديلة التي تمّ استقطاب بعضها من قبل السلطة سواء السياسية أو الثقافية، ففقد بريقه وقدرته وطريقه، وبعضه الآخر كشف خروجه إلى ضوء الحرية ضعف بصره وانعدام الأسس التي يمكنه أن يؤسس من خلالها لواقع ثقافي بديل حقيقي. لكن لنا أن نتساءل عن أسباب فشل الثقافة البديلة.

لطالما كان الشعر وقودا للثورات وريحا تدفع للتغيير باتجاه الحرية حماية للذات الإنسانية الفريدة التي لها يكتب الشعر وبها، فلا عجب أن نجد انتفاضة الشباب التونسيين تبدأ من بيت شعري لأبي القاسم الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر”.

تموقع نفس وحساسية شعرية جديدة في تونس، خاصة ما بعد الثورة، يقودها جيل من شعراء الألفية الثالثة، والذي نجح في الخروج بالشعر التونسي من أبراجه الحبيسة لمكروفونات القاعات الفخمة والشللية الضيقة والحسابات السياسي منها و”الرؤيوي الوحدوي” الذي يمنع كل جديد من الظهور وحطم الأصنام الجمالية المكرّسة، وقد نجح مشروع هؤلاء الجدد في الدفع بالشعر التونسي أكثر إلى تفاصيل واقعه من جهة وإلى كسر التابوهات التي فرضتها مؤسسات شعرية كرّسها سابقون، تحول دورهم من تمهيد الطريق للقادمين إلى عرقلتهم ومحاولة طمسهم.

المتأمل لمشروع الشعراء التونسيين الجدد -وهذه تسمية بغاية التمييز فقط لا التصنيف- سيجد ملامح متنوعة ليس لنص واحد تجمعه الرؤية الواحدة بل سيلاحظ تنوع النصوص الشعرية شكلا ومضمونا، لكنها تشترك في محاولة الخروج عن المكرّس، وهذه المغامرة محفوفة لا بد بالخطر دائما، ونتذكر هنا قولة ياسودا عن الشاعر الكلاسيكي الذي يقفز وعيناه مثبتتان أين ستهبط قدماه بينما يقفز الشاعر المجدد دون مبالاة بالعودة من أصله. وهكذا كان الحراك الشعري التونسي مخاطرة جمالية. لكن تلكؤ هذه المجموعة وابتعاد بعض عناصرها عن الشعر بعد الكتاب الأول، أو حتى قبل صدوره، ووقوف مجموعة أخرى في منطقة واحدة يلوك نفسه يجعلنا نتساءل عن سبب خفوت زخم هذا الحراك الشعري الذي انتظره الشعر التونسي لقرون.

نجح فريق من المثقفين القدامى في أن يظل مسيطرا على مقاليد الثقافة التونسية وتسييرها حيث شاء، لا تحدوه إلّا رغبة في الكسب ولا اهتمام له بنص أو أدب أو ثقافة، هذا الفريق ممثلا اليوم خاصة في بعض دكاترة الجامعات الذين يرفضون حتى أن تشتغل رسالة ماجستير عن الشعراء الجدد، إضافة إلى من والاهم من أدباء السلطة المتلوّنين أيّا كان الحاكم، ساهم في إعطاب الحراك الشعري التونسي واستقطاب من يمكن استقطابه إلى جلابيبهم التي تخنق الإبداع، ومن لم يكن منهم كان عليهم، فأنكروه وهمّشوه بمكناتهم الإعلامية والسلطوية القديمة ذاتها، ولم يواكب أحد منهم النص الشعري التونسي المعاصر بالنقد ولم يمدّ أحد منهم إليه يدا بيضاء. بل ظل هؤلاء يسمون الشعراء الجدد بـ”الشباب” احتقارا واستنقاصا، وشغلوا أفواههم وأقلامهم في الخفاء لحجبهم ومهاجمتهم وتشويههم، بينما عود الجدد الطري كان من الأجدر الاعتناء به لأجل الشعر والأدب والفن والإنسان التونسي.

ثم إن سبب خفوت الجماعة كامن فيها أيضا، حيث لم يكن هناك من نقد ولو ذاتي لتطوير التجارب والسعي إلى خلق حراك ذي أسس، وتوهم أغلبهم المركزية ذاتها التي مارس من خلالها آخرون عليه سابقا أبشع أنواع الاحتقار، ثم ظهر منطق المصلحية الضيّق والاصطفاف الشللي، من ناحية أخرى فالغضب والرفض الذي تحلى به آخرون وأن تكون هامشيا وتهتم بالهامش رغم مشروعية ذلك لا يكفي لأن تصنع تجربة شعرية فرديّة أو تجارب جماعية مؤسسة. ورغم ذلك مازال الحراك الشعري ينبئ بنصوص مغايرة في كل مرة، رغم جنرالات المعرفة من الدكاترة المختبئين بأسوار الجامعات، الذين لا يتوانون في محاربة كل ما هو جديد.

نفس الشيء ينسحب على بقية مكونات المشهد الثقافي التونسي البديل الذي يكاد ينهزم رغم أمل كبير في استعادته لبريقه ومواصلته لمشروعه، فالفشل يتحمله أولا مثقفو السلطة وأذرعها الثقافية/السياسية وأيضا المبدعون الجدد الذين لم يؤسسوا بالنقد ولا ببعد النظر إلى مشروع ثقافي حقيقي قادر على مجابهة سنوات من التكلس.

شاعر من تونس

14