أسباب كثيرة تجعل أفول تيار "الإسلام الجهادي" أمنية بعيدة المنال

لم يعد من المبالغة أو التضخيم تشبيه التنظيمات الجهادية بالخلايا السرطانية التي تعود للنمو والتكاثر أكثر من ذي قبل، خصوصا في غياب المعالجة الناجعة وتوفر البيئة الحاضنة، بل إنّ الضربات العسكرية غير الحاسمة من شأنها أن تمنح لهذه العصابات نوعا من المناعة والقدرة على التكيّف.
الأربعاء 2016/10/19
غياب الحسم العسكري أو التردد فيه، يمدد من أعمار التنظيمات الإرهابية

القاهرة - بعد كل تقدم عسكري تحرزه القوات المناهضة للتنظيمات "الجهادية"، وفي مقدمتها داعش والقاعدة، تثبت قدرتها الملفتة على امتصاص الهزائم، مما يضع تنبؤات الكثير من المحللين بقرب أفول تيار "الإسلام الجهادي" قيد المراجعة وإعادة التقييم.

ولدى تلك التنظيمات شعور بالوحدة مع حركة طالبان الأفغانية، فالحركة التي تم استهدافها بغرض تدميرها من قبل الجيش والمخابرات الأميركية وبعد أن كانت معزولة ومدانة، صارت طرفا في المفاوضات، وبالنظر أيضا إلى نموذج “جبهة النصرة/ فتح الشام سابقا” بماضيها القاعدي وحاضرها السياسي والعسكري في سوريا، فخلاصة التجربتين توحي بأن أي تنظيم مسلح ليس بحاجة إلى النصر من أجل تحقيق النجاح بل بحاجة إلى عدم الخسارة فقط .

وترى تلك التنظيمات أن حظها أوفر من طالبان في قلب المنطقة العربية التي تشهد صراعات طائفية وتدهورا أمنيا وغيابا لسيطرة مؤسسات الدولة ووفرة في مصادر الدعم، فضلا عن امتلاك تنظيم مثل داعش لميزة الحضور خارج جغرافيته المسيطر عليها فعليا، وهو ما يمنحه أدوات مؤثرة تجعله قادرا على موازنة القوة مع خصومه.

وأسهم ارتباك الولايات المتحدة وترددها وما نتج عن الانسحاب السريع من العراق والتدخل البطيء في سوريا في نفوذ واسع لقوى إقليمية تحمل مشاريع توسعية مذهبية وأيديولوجية، وفرت لتلك التنظيمات الدعم والتمويل والمساندة الإعلامية.

وراهنت تلك التنظيمات على التزود من مخزون السخط المجتمعي، في ظل واقع سياسي مضطرب وأزمات اقتصادية طاحنة ومظالم اجتماعية متوارثة، وهو ما استغلته التنظيمات الإرهابية لخلق محاضن لها وتجنيد الآلاف من الطبقات المهمّشة والمضطهدة دينيا ومذهبيا ومناطقيا.

ويبدو أن كلا التنظيمين حرصا على الطبيعة المزدوجة والتزود بثنائية "المحلي والعالمي"، فيما استنسخ تنظيم داعش تجربة القاعدة ووجه ضرباته من خلال خلاياه المنفردة بأوروبا مع احتفاظه بقدر معقول من حضوره المركزي على الأرض في معاقله المعروفة، بينما تدشن أفرع للقاعدة تجربة تمركز على الأرض من خلال حالة فتح الشام، مع احتفاظ التنظيم بلامركزيته التي تمنحه مرونة التحرك، وتلك الثنائية تمنحهما مساحات للمناورة والضغط، وتتيح استثمار العمليات العسكرية في صورة مكاسب سياسية يستطيع الشق المتمركز توظيفها بصورة واقعية وملموسة.

حركة طالبان، التي تم استهدافها بغرض تدميرها من قبل أميركا وبعد أن كانت معزولة ومدانة، صارت طرفا في المفاوضات

واستتبع ذلك مزج تلك التنظيمات بين تكتيك حرب العصابات وطبيعة الجيوش النظامية، فجمعت بين مزايا الميليشيا المسلحة والجيوش النظامية، وهو ما مكنها من تعويض الفارق النوعي بينها وبين جيوش متفوقة عسكريا. وفي تطبيقات القاعدة على الأرض يسعى التنظيم لأن يوصف بالمعتدل بالمقارنة مع تطبيقات داعش.

وانعكس ذلك على الساحة المصرية، عندما طرأ على تنظيم أنصار بيت المقدس الضعف وجد الملاذ في مبايعة داعش ليحظى بدعم إقليمي قوي، وبعدما طرأ الضعف على داعش انطلقت دعوات لعودة التنظيم إلى القاعدة بغرض استعادة عوامل القوة المحلية، وعلى رأسها تحسين العلاقة مع القبائل.

ومن خلال تلك المنظومة المتشابكة تعثر تلك التنظيمات على مساحات للتجديد والتعويض عند التعرض لضربات، ما دامت منتشرة في أماكن كثيرة من العالم، وتجيد استغلال التناقضات وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.

والانشقاقات التي طالت كل التيارات "الجهادية" تقريبا في المنطقة، لم تكن في جميع الأحوال عامل ضعف، وإنما أعطتها بدائل واقعية للاستمرار، ولو كانت استمرت بنفس الأحادية والتكتل لتلقت الضربات مجتمعة. فضلا عن الاستفادة من تلك الانشقاقات في توظيف الخلايا والفصائل في مواجهات بالوكالة، ونموذج فصيل “جند الأقصى” يجسد المزايا الوظيفية للانشقاقات، فهناك عمليات للنصرة ترغب في القيام بها وتحرص على ألا تنسب إليها، وهي حالة شبيهة بتحالفات الإخوان في مصر مع العشرات من التنظيمات والفصائل المسلحة التي تتبنى عمليات إرهابية ضد الدولة وتستفيد منها الإخوان في الأساس، كما أن تلك الفصائل تمثل مستودعا إضافيا للمجندين الجدد المؤهلين للعمل السري والمسلح.

ونموذج تنظيم “خراسان” كان غرضه الإيحاء بأن فرع القاعدة في سوريا يسعى حثيثا إلى تطوير إمكانياته وتصحيح أوضاعه والتأقلم مع المستجدات، وحينما أرسل أيمن الظواهري نخبة من قيادات التنظيم إلى سوريا لمباشرة المهمة بنفسها، محددا أن هدف المجموعة يتمثل بالأساس في “رفع خبرات جبهة النصرة وتصحيح مسيرة الجهاد الشامي وعدم الوقوع في أخطاء العراق”، وأطلق عليها هذا العنوان الجديد للدلالة على أن واقعا جديدا يتشكل بإسهام من عقول القاعدة ورموزها الكبار.

وتجاوزت جماعات خصومات سابقة مع جماعات أخرى، وانخرطت في تحالفات لتحقيق مصالح سياسية مشتركة، ودشنت جماعة الإخوان المصرية تحالفات من هذا النوع للاستعانة بجماعات أكثر تشددا في مواجهة مؤسسات الدولة، بينما وجدت تلك الجماعات في التحالف مع الإخوان فرصة للثأر والصعود إلى السلطة.

هناك بدائل تلجأ إليها التنظيمات في حال القضاء على آمالها، حيث تلجأ إلى العمل السري المسلح، وتوجه طاقات أفرادها نحو القيام بأعمال تفجير واغتيالات.

وتحصّنت التنظيمات بحزمة من المقومات جعلتها قادرة على الضخ الدائم لعناصرها في ساحات المواجهة مع الدول، وكلما تم القضاء على خلية إلا وظهرت أخرى، ومجندوها لا يحتاجون إلى أكثر من التدريب العسكري والشحن العقائدي التكفيري، وهذا يعفيها مما تخوضه الدول والمؤسسات والأحزاب من معاناة تدريب وإعداد خبراء في كافة المجالات ويمنح أعضاءها التميز والمناصب دون مجهود، وفي هذا الإطار جاءت دعوة أبوبكر البغدادي في يونيو 2014 للباحثين والقضاة والأطباء بمثابة الدلالة على أن التنظيم يفتقر لأبسط مقومات الدولة.

وفي مقابل العمل السري هناك “الورشة والمعرض”، بحسب تعبير حسن البنا، في إشارة إلى التنظيم الخاص السري المكلف بعمليات الاغتيال والمهام العسكرية الخاصة بموازاة النشاط السياسي وواجهة الجماعة المعلنة ونشاطها الاجتماعى، وهو خيار الكثير من الفصائل اليوم في سوريا ومصر تحديدا، رهانا على رغبة البعض من القوى في التعامل مع تيارات تجيد التعاطي مع الواقع السياسي ولا يقتصر نشاطها على العمل العسكري وحده تحت عنوان “المعارضة المعتدلة”، وتحظى تلك المجموعات بالقبول والدعم الغربي.

ورغم تعثر هذه الحالة نتيجة ضعف الخبرات السياسية وندرة الكوادر المدربة على التعاطي مع العمل السياسي العام، فإنها في نهاية المطاف تمثل حاضنة تحمي حضور البعض من التنظيمات داخل إطار العمل السياسي، وتمثل خيارا متاحا ووسطا بين العسكرة الشاملة والعمل السياسي العسكري الهجين. وهي تعوض هذا النقص والخلل بخطاب عاطفي دعائي يعتمد على البعض من الرؤى الغيبية المتعلقة بملاحم آخر الزمان.

13