أسبوع الجذور في الإسكندرية: التقاء الحضارات والسياسات

قمة مصرية قبرصية يونانية ضد الإرهاب وتركيا، ورسائل تسامح تنفض الغبار عن الماضي المتسامح في مواجهة مد سلفي دخيل.
الخميس 2018/05/03
صف واحد ضد سياسات تركيا

الإسكندرية - وسط حشد من المسؤولين والصحافيين وقف رؤساء مصر واليونان وقبرص، متجاورين يتحدثون باهتمام بالغ عن الماضي الذي شهد تعاونا وتبادلا ثقافيا وحضاريا بين بلادانهم، مازالت آثارهما المجتمعية باقية إلى اليوم. وشارك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ونظيراه اليوناني بروكوبيوس باڤلوبلوس والقبرصي نيكوس أناستاسياديس في أسبوع الجذور الذي انطلق في مدينة الإسكندرية، الاثنين، بهدف الاحتفاء بالجاليات الأجنبية التي عاشت عقودا طويلة في أشهر المدن الكوزمبوليتانية (متنوعة الثقافات) على ساحل البحر المتوسط.

تم الاتفاق على هذه المبادرة، خلال القمة الرئاسية الثلاثية بين مصر وقبرص واليونان في نوفمبر الماضي. ورغم تبني القمة مبادرات للتعاون بين الدول الثلاث في مجالات السياحة والثقافة والاقتصاد، فإن التجمع لم يخل من أسباب سياسية دفعت الرؤساء الثلاثة إلى حشد الجهود لنجاح المبادرة، أهمها توفير العوامل المجتمعية اللازمة لتكريس الجبهة الاستراتيجية على ضفاف المتوسط لمواجهة خطر الإرهاب والتنظيمات المتطرفة أولا، ثم مواجهة الدول التي توظفه بغرض التوسع على حساب الأمن القومي العربي وأبرز هذه الدول، التي اختارت أن تلعب هذا الدور التخريبي هي تركيا التي تقف غالبية سياساتها في المسار المضاد للدول الثلاث.

 

يعقد في مدينة الإسكندرية أسبوع الجذور بحضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيريه اليوناني والقبرصي. تحيي المناسبة تاريخا من التعايش المشترك والتسامح في هذه المدينة التي فقدت الكثير من ملامحها وخصوصياتها الكوزمبوليتانية وتحولت إلى مجتمع متعدد الأعراق والجنسيات إلى مجتمع تغلب عليه السلفية. هدف أسبوع الجذور إلى إحياء تلك الصورة القديمة، في مواجهة زحف التشدد، لكنها محاولة لا تخلو من أبعاد سياسية وأهداف تحددها المصالح الاستراتيجية للبلدان الثلاث، مصر وقبرص واليونان، في سياستها تجاه تركيا بجذور الماضي وتوحيد الصف في مواجهتها

الرد على تركيا

تطمح الدول الثلاث لنيل مكاسب عديدة من خلال هذا الحدث، وتحاول كل دولة توظيفه على طريقتها. فاختارت مصر أن تجدد رسالتها بأنها كانت وستظل رمزا للتسامح، كما أرادت أن توجه رسالة إلى تركيا مفادها “إذا كانت أنقرة قادرة على لعب أدوار في تأجيج عمليات الإرهاب ومنحها غطاء شرعيا، فإن القاهرة قادرة على الرد من خلال المزيد من الدعم السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل من اليونان وقبرص”.

ويؤكد خالد عكاشة، الخبير الأمني، في تصريح لـ”العرب”، أن “تركيا لعبت دورا واضحا في دعم عمليات إرهابية في مصر، وهو تصرف عدائي يستوجب الرد، والتحالف مع قبرص واليونان، وتوسيع نطاقه إلى الأبعاد الاجتماعية، يمثل ردا عمليا جيدا”.

وأرادت قبرص، التي تشهد علاقتها بتركيا توترا يعود إلى سنة 1974 عندما احتلت تركيا ثلث الجزيرة الشمالي، توجيه رسالة إلى تركيا تؤكد من خلالها أنها مدعومة من دول المنطقة، وأنها في الجانب الأقوى، سواء من الناحية الإقليمية في علاقتها بمصر واليونان أو من الناحية الأوروبية في علاقتها بالاتحاد الأوروبي.

أما اليونان فتواجه هي الأخرى عداء تاريخيا أكثر حدة وتعارضا واضحا مع أنقرة، حيث خلفت الحرب التركية اليونانية (1919ـ 1922) ضحايا من الجانبين وتركت آثارا نفسية سلبية متوارثة لدى شعبيهما. وتبدو قضية المياه الإقليمية أكثر تعقيدا وحددت اتفاقية لوزان سنة 1923 حدود المياة الإقليمية لكل دولة بثلاثة أميال، وفي 1936 قامت أثينا بزيادة الحدود إلى ستة أميال وردت تركيا بالمثل.

ومنذ سنوات تؤكد اليونان أن المادة الثالثة من قانون البحار تمنحها حق توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا، وترفض أنقرة، مؤكدة أن ذلك سيؤدى إلى ضرورة استئذان تركيا لقبرص خلال مناوراتها في بحر إيجه أو في طريقها إلى البحر المتوسط.

وينطوي الانخراط اليوناني في أسبوع الجذور، على رسالة لا تقل أهمية عن نظيرتيها اليونانية والمصرية، من خلال نفض الغبار عن الماضي والبحث عن الجذور المشتركة، وهي سياسة تعيها تركيا التي تعمل على إحياء تاريخ الإمبراطورية العثمانية جيدا.

تاريخ من التعايش

إلى جانب الرسالة الموجهة لتركيا، يحفل أسبوع الجذور بالعديد من الرسائل، منها حديث الرئيس المصري عن تاريخ التسامح في مدينة الإسكندرية في إطار التحفيز على استعادة قيم التعددية والتعايش مع الآخر، في ظل معركة شاملة تخوضها البلاد ضد الإرهاب.

واعتبر جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية سابقا، في تصريحات لـ”العرب” أن “أسبوع الجذور هو إعلان صريح من الدول الثلاث عن أنها تقف بقوة ضد منصات الكراهية والطائفية ورفض الآخر، مشيرا إلى أن “الإسكندرية تملك قيما عظيمة في هذا الشأن يمكن استغلالها”.

يبعث الإعلان عن أسبوع الجذور وتزيين الشوارع والمباني الكُبرى، برسالة تقول إن الدول الثلاث تقف في الضفة الأخرى من دعوات رفض الآخر، التي تعبر عنها بعض توجهات تركيا من خلال احتضانها ودعمها للتيار الإسلامي.

خالد عكاشة: تصرف تركيا وسياستها  العدائية ضد مصر  يستوجبان الرد عليها
خالد عكاشة: تصرف تركيا وسياستها  العدائية ضد مصر  يستوجبان الرد عليها

كانت مدينة الإسكندرية تاريخيا، نموذجا للتعددية الثقافية، واستوعبت مُنذ عهد محمد علي باشا (1806ـ1848) أطيافا من المهاجرين والمغامرين الأجانب، من اليونانيين والقبارصة والإيطاليين والأرمن والسويسريين وغيرهم.

يذكر فرغلي تُسن هريدي، أستاذ التاريخ في كتابه “الرأسمالية الأجنبية في مصر” أن الإسكندرية احتلت المركز الأول بين المدن المصرية في استيعاب الأجانب. وبلغ عددهم فيها سنة 1937 نحو 83 ألف شخص، بما يوازي أكثر من 40 في المئة من الأجانب المتواجدين في مصر في ذلك الوقت.

تكمن الأسباب التي دفعت الأجانب بشكل عام إلى اختيار الإسكندرية مكانا للاستقرار، في قُرب المدينة من بلاد المهاجرين الأصلية المُطلة على البحر المتوسط، وسهولة السفر والعودة في أى وقت عن طريق السفن التجارية التي تنشط في الميناء كل يوم. كما أن مناخ المدينة كان أقرب إلى مدن المهاجرين الأصلية. وشعور معظم الأجانب، خاصة الجالية اليونانية الأكبر عددا في مصر، بالحنين إلى مجد الإسكندر المقدوني مؤسس المدينة. وكان اليونانيون أكبر الجاليات الأجنبية في مصر عددا وأكثرهم تأثيرا على المستوى الاجتماعي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وربما كان ذلك سببا في المقولة المشهورة التي قالها اللورد كرومر، أول حاكم بريطاني لمصر بعد احتلالها سنة 1882، “إنك لو رفعت أي حجر في مصر لوجدت تحته رجلا يونانيا”.

ويرجع بعض الخبراء زيادة أعداد اليونانيين في مصر إلى قدرتهم على التداخل والامتزاج الحضاري، واستغلوا ذكاءهم الاجتماعي في الاندماج، وقدرتهم على التعايش مع الآخرين، واقترابهم من المصريين في التندر من المشاكل اليومية. علاوة على أن اليونان، كانت تقع خارج نادي الدول الاستعمارية، ما جعلها غير مرفوضة على المستوى الشعبي في الأقطار التي حطَّ فيها اليونانيون بحثا عن الرزق، مثل الشام (سوريا) أيضا.

ويلفت تُسن هريدي أن الجالية اليونانية عملت في مختلف المجالات الحياتية، وكانت الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والفنون والآداب والطب والقانون والدين، الأولوية الأولى، والخدمات الشخصية الثانية، ثم الصناعات التحويلية والإنشاءات والتشييد والتجارة كانت الأولوية الثالثة، في حين شهدت الزراعة والمحاجر والمناجم اهتماما محدودا.

وبقي قطاع كبير من الجالية اليونانية في مصر، ولم يتأثر بالأحداث مثلما تأثرت الجالية الإيطالية والألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، ومثلما تأثرت الجالية البريطانية والفرنسية بعد العدوان الثلاثي عام 1956، وحين انسحب المرشدون الأجانب من قناة السويس بعد تأميمها في سبتمبر 1956، استمر المرشدون اليونانيون ولم يخضعوا لضغط الشركة المؤممة.

وكانت ثاني الجاليات التي عرفتها الإسكندرية هي الجالية الإيطالية وبدأت الهجرة إلى مصر قبل تأسيس الاتحاد الإيطالي سنة 1861، وبلغ عددها في مصر سنة 1927 نحو 54 ألفا، عاش نصفهم على الأقل في الإسكندرية. وبرع الإيطاليون في فن المعمار والبناء ويُنسب إليهم عدد كبير من البنايات الكبرى بالإسكندرية، مثل مساجد العباس المرسي والقائد إبراهيم وجامع محمد كُريم، وأنشأها مهندس إيطالي شهير اسمه، ماريو روسي.

Thumbnail

وعاشت جالية سويسرية كبيرة في الإسكندرية خلال الفترة ذاتها، وكان معظم أفرادها يعملون في صناعات المنسوجات. وطبقا لكتاب إيثار زميرلي هارد مان الخاص بذكريات عائلتها السويسرية في الإسكندرية، وعنوانه “من كامب شيزار إلى حمام كليوباترا” فإن عدة شركات سويسرية اختارت الإسكندرية لتأسيس فروع لها بسبب اعتمادها على الأقطان المصرية.

استقرت في الإسكندرية عائلات سويسرية متخصصة في صناعة الغزل والأقمشة، مثل عائلة بلانت والتي توجت حضورها بإنشاء شركة كبيرة سنة 1897، وعائلة رينهارت التي افتتحت فرعا لشركاتها في الإسكندرية سنة 1903، وعائلة كوبر التي أقامت عدة فروع في القاهرة والإسكندرية.

وعاش القبارصة والأرمن والبلجيكيون وجنسيات أخرى، في مدينة التعدد والتسامح بحُرية وتركوا تأثيرات ثقافية واجتماعية واقتصادية لا يمكن إنكارها.

غزو سلفي

كل هذا التعدد والتنوع لم يحل دون تحول جزء كبير من سكان مدينة الإسكندرية إلى تبني أفكار سلفية، وربما كان هذا التعدد والتنوع سببا في تحولها إلى حاضنة للمتطرفين، عبر مراحل عدة، وهو ما أثر على حياة ما تبقى من جاليات يونانية وقبرصية وإيطالية، فقد شعرت أن المدينة التي عاشت فيها لم تعد كما كانت رمزا للتنوع الثقافي ومساحة للتعايش المشترك.

المرحلة الأولى، عندما بدأت المدينة تخلو تدريجيا من الجاليات الأجنبية التي بدأت في الهجرة من مصر عقب ثورة يوليو 1952، في ظل قرارات التحفظ على الأموال وتأميم ممتلكات الأجانب.

وفي المرحلة الثانية، خفتت آثار التسامح والتعددية في ظل نمو حركات سلفية منظمة أبرزها جمعية الدعوة السلفية التي تم تأسيسها سنة 1972 وظلت مجرد حركة اجتماعية حتى 2011، عندما تحولت إلى النشاط السياسي على يد الشيخ ياسر برهامي ورفاقه، ثم أسست في ما بعد حزبا سياسيا هو حزب النور السلفي.

وفي المرحلة الثالثة، بعد سقوط حكم الإخوان عام 2013 وتفجر العمليات الإرهابية، تحولت الإسكندرية إلى موطن لتنفيذ عمليات قاسية ضد الأقباط وعدد من كنائسهم تحت لافتة تحمل عنوانا عريضا هو “رفض الآخر”.

جمال بيومي: أسبوع الجذور إعلان من الدول الثلاث عن أنها تقف بقوة ضد  الإرهاب
جمال بيومي: أسبوع الجذور إعلان من الدول الثلاث عن أنها تقف بقوة ضد  الإرهاب

وكان من أخطر الحوادث الإرهابية قيام سلفي مُتزمت يُدعى “عسلية” بذبح صاحب أحد محلات الخمور (مسيحي الديانة) في العام الماضي على مشهد من الناس وفي وضح النهار، الأمر الذي اعتبره البعض دليلا على التضخم الاجتماعي للتيار السلفي، ومؤشرا على ضرورة أن تتحرك أجهزة الدولة لمحاربة هذه الأفكار، واستعادة روح التسامح التي سادت لفترة طويلة المدينة الساحلية.

وكانت ظاهرة التزمت وسيادة الأفكار السلفية بالإسكندرية، محط اهتمام واضح من أجهزة الدولة المصرية، في إطار استراتيجية مكافحة الإرهاب، لأن نشاط السلفيين بلغ حدا كبيرا يصعب السكوت عليه، فهو لا يهدد الكيان الحضاري للمدينة الساحلية فقط، بل يزحف على مدن أخرى مجاورة. لكن هناك خبراء يرون أن التيار السلفي بدأ في التواري مرة أخرى مُنذ أواخر 2014، دون أن يختفي من الوجود، لأن قرار الحكومة بضم المساجد السلفية والإخوانية لوزارة الأوقاف والإشراف عليها ماديا وثقافيا وإغلاق القنوات الفضائية السلفية، قلص من سيطرة هؤلاء على الساحة الدينية بشكل عام.

لكن تبقى الإسكندرية بحاجة إلى ما هو أكبر من تحجيم الفكر السلفي عن التمدد والانتشار، تحتاج أن تعود نموذجا يعكس قدرة الحكومة على تغيير طبيعة مجتمع متشدد وإعادته إلى ما كان عليه.

تحول درامي

عند البحث عن الإسكندرية التاريخية وتلك الصورة الجميلة ليس هنا أفضل من الدراما السينمائية، التي رسخت ذلك التاريخ بكل تفاصيله من “البوريفاج” إلى الخواجة الإيطالي وصاحبة البنسيون اليونانية المكتنزة ذات اللكنة الجميلة والمختلطة. أغلب الأفلام التي تحدثت أو تم تمثيل أحداثها في الإسكندرية تعود إلى فترة السينما الأبيض والأسود.

تغيرت الإسكندرية وتغير معها التناول الدرامي. ويجسد هذا التغيير فيلم “رسائل البحر” للمخرج داوود عبدالسيد، الذي تناول ظاهرة التحول الدرامي الذي شهدته الإسكندرية بعد الألفية الجديدة.

يحكي الفيلم، الذي أنتج عام 2010، قصة طبيب شاب يعيش على ذكريات أسرته المتوسطة ويرتبط بعلاقات مودة بجيرانه الأجانب الذين تجمعه بهم ذكريات سعيدة.

ويعيش قصة حب يرفضها المجتمع المتزمت حوله ويضطر جيرانه الأجانب إلى الهجرة لعدم قدرتهم على التأقلم مع تغيرات المجتمع.

6