أستانة: مفاوضات بقواعد جديدة

إسرائيل باتت منخرطة بصورة أكبر في الصراع السوري، على أساس تحجيم نفوذ إيران في سوريا وإبعادها عن حدودها.
الاثنين 2018/05/14
التهرب من مقررات جنيف

بدأت الجولة التاسعة من مفاوضات أستانة السورية (يومي 14 و15 مايو الجاري)، وهي مفاوضات تجري في حقيقة الأمر بين وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا، أي أن حضور وفدي النظام والمعارضة شكلي، ولا يقدّم ولا يؤخر، بل إن الاتفاقات التي تمخّضت عن الجولات الثماني الماضية، التي عقدت طوال العام الماضي، بخصوص مناطق خفض التصعيد كانت مجرد غطاء أو تورية، إذ لم يحدث خفض للقتال، ولم يتم الإفراج عن المعتقلين، كما لم يجر حل المسائل الإنسانية، وهي القضايا التي أخذتها الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) على عاتقها.

في العام الماضي حصلت تطورات مختلفة، على عكس ادعاءات الدول المنخرطة في مسار أستانة، إذ حدث مجرد إعادة رسم لخطوط القتال أو مناطق النفوذ، بين الدول الثلاث المذكورة، حيث تركيا في الشمال، وإيران وروسيا في الوسط من درعا إلى حلب مرورا بدمشق. ولعل التطور الأبرز في هذا المجال، يتمثّل بتموضع الولايات المتحدة، مع قوات فرنسية وبريطانية، في الشرق السوري، أو شرقي الفرات، إضافة إلى الجنوب، الذي تم تخصيص منطقة خفض توتر فيه، من خارج مسار أستانة، بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن، وإسرائيل ضمنا، وهي منطقة تشمل الحدود السورية الإسرائيلية، وتضم محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة. أيضا، فإن ما حدث بعد شق مسار أستانة، الذي جرى الإعداد له ليكون بديلا لمسار جنيف، كان تحجيم فصائل المعارضة السورية ونزع سلاحها، وتأمين منطقة دمشق العاصمة، بحيث بات النظام، بمعونة روسيا وميليشيات إيران، يسيطر على المنطقة الجنوبية وعلى الغوطة.

بيد أن الحديث عن أستانة يأتي خافتا هذه الأيام، عكس الضجيج الذي كان يصاحب أي جولة تفاوضية سابقا، حتى أن مقررات مؤتمر سوتشي، الذي عقد مطلع هذا العام، جرى وضعها جانبا، بل وصل الأمر حد استدعاء أو طلب انعقاد جولة تفاوضية جديدة في جنيف، على لسان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ذاته، قبل أيام، وهو أمر مفاجئ، ويتضمن محاولة روسية لتدارك الظروف الجديدة واستيعابها، وعدم ترك الأمور تفلت أكثر مما يجب.

القصد من ذلك لفت الانتباه إلى حقائق عديدة تم ترسيمها العام الماضي، فرغم انحسار فصائل المعارضة العسكرية، فإن تلك الفصائل لم تغب تماما، لا سيما في الشمال والجنوب، وهي مازالت تمتلك القدرة على التمدد، حسب الإرادات السياسية للفاعلين الدوليين والإقليميين. ثانيا، لم يعد بإمكان روسيا أو النظام التبرير بـ“داعش”، إذ أن هذا التنظيم يكاد يختفي تماما من المشهد السوري، وهذه ذريعة كان النظام وحلفاؤه روسيا وإيران، يستخدمونها للقصف والقتل والتدمير والتشريد في السوريين، أو في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ما يعني أن الوضع في سوريا أضحى أمام لحظة الحقيقة، إن بخصوص الصراع الدولي والإقليمي على سوريا أو بخصوص مكانة كل من النظام والمعارضة.

ثالثا باتت الولايات المتحدة متواجدة في عدد من القواعد في الشرق السوري، بل إنها باتت أكثر استعدادا لتوجيه ضربات لقوات النظام والقوات الإيرانية وميليشياتها، وهو ما حصل في الضربة الثلاثية التي تم توجيهها في أبريل الماضي، ردا على استخدام النظام للسلاح الكيميائي في الغوطة، وهو احتمال مفتوح ولا بد أن روسيا تأخذه جديا في الاعتبار.

رابعا باتت إسرائيل منخرطة بصورة أكبر في الصراع السوري، على أساس تحجيم نفوذ إيران في سوريا وإبعادها عن حدودها، ومنعها من تقديم إمدادات لحزب الله في لبنان، وقد جسدت ذلك عمليا في عدد من العمليات الكبيرة والموجعة، وضمنها القصف التي طال العشرات من القواعد الإيرانية في 10 مايو، وهو ما يفيد بأن الاستثمار الأميركي الإسرائيلي في الدور الإيراني في المشرق العربي قد تم استنفاذه وأنه آن الأوان لتحجيم النظام الإيراني وإعادته إلى داخل حدوده.

ولعل كل ذلك يفسر كلام لافروف، الذي ينم عن الحذر والاضطراب، إذ اعتبر أن “الهجوم الأميركي البريطاني الفرنسي على سوريا ضرب مفاوضات جنيف وصعّب مهمة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا… الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لم تُغرْ فقط في 14 أبريل على مواقع كيميائية في سوريا وإنما أغارت أيضا على مفاوضات جنيف… إننا متفقون مع أصدقائنا في الأمم المتحدة على أنه لا حل عسكريا للقضية السورية”. وهو كلام يصدر عن دولة تتهرب من مقررات جنيف وتعتبر شريكا للنظام في الصراع السوري.

9