أسد الصحراء: تجنّ على التاريخ لفائدة الدراما والأيديولوجيا

عمل سينمائي صور في مواقع الأحداث الحقيقية وبمشاركة 500 ممثل ليوضح جوانبا خفية في تاريخ ليبيا.
السبت 2019/10/05
عمر المختار اسم أثار الجدل في حياته وبعد إعدامه

تقع أغلب الأعمال السينمائية التي تتناول شخصيات تاريخية، في مطبّ عسر التوفيق بين التركيز على الجانب الفني وبين احترام الحقائق التاريخية. أعمال سينمائية كثيرة سلطت الضوء على مراحل تاريخية أو شخصيات محددة، وقعت في هذا المأزق، ولاقت انتقادات واسعة بحجة أنها لم تحترم الحقائق التاريخية، مع أن حقائق التاريخ يمكن أن تتعدد بتعدد الرواة وزوايا النظر. في هذا الباب كانت الأفلام العربية التي تقصّدت تسليط الضوء على مراحل تاريخية معاصرة في العالم العربي، ضحية للتوظيف السياسي أو التوجيه الأيديولوجي، وهو ما قضم الكثير من قيمتها الفنية. فيلم “أسد الصحراء” أو “عمر المختار”، كان عملا  سينمائيا كبيرا، خصصت له اعتمادات مالية كبيرة وحظي بدعم رسمي من النظام الليبي السابق، وقع في مطبّ التجني على التاريخ لصالح الغايات الأيديولوجية للطرف الداعم والمموّل أولا، ولصالح الأهداف الدرامية لصاحب العمل ثانيا.

بعد فيلم “الرسالة” الذي تمّ عرضه لأول مرة في 9 مارس عام 1976، جرى الحديث حول إنتاج فيلم عالمي عن شخصية من تاريخ المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي.

كان هناك حديث طويل بين الزعيم الراحل معمر القذافي والمخرج مصطفى العقاد حول هذا المشروع.

وتمّ الاتفاق في بداية الأمر على أن يكون الفيلم حول شخصية رمضان السويحلي، لكن هناك من طلب من القذافي التخلي عن هذه الفكرة، نظرا للمواقف المتناقضة حول شخصية السويحلي الذي انتهى قتيلا مقطوع الرأس على أيدي مسلحين تحت إمرة صديقه ورفيقه في الجهاد عبدالغني بلخير في 24 أغسطس 1920، والذي قابل آنذاك عيد الأضحى، بسبب الهجوم الذي نفذه على ديار ورفلّة في مدينة بني وليد.

بعد استبعاد شخصية السويحلي تم التفكير في أبطال آخرين من تاريخ ليبيا. وكان أول الشروط المطروحة أن تكون الشخصية المقترحة مقبولة من مختلف الليبيين، وأن يكون لها رصيد تاريخي معترف به، فتم التوقف عند شخصية عمر المختار، أبرز قادة الجهاد في إمارة برقة آنذاك والذي أعدمته السلطات الإيطالية في 16 سبتمبر 1931، بعد محاكمة صورية جرت مساء اليوم السابق، وهو في الثالثة والسبعين من عمره.

مصطفى العقاد اعتمد على الكاتب والإعلامي الأيرلندي هاري كريغ المعروف بتوجهاته الثورية في كتابة سيناريو وحوار الفيلم بعد أن كانا قد اجتمعا من قبل في فيلم "الرسالة"
مصطفى العقاد اعتمد على الكاتب والإعلامي الأيرلندي هاري كريغ المعروف بتوجهاته الثورية في كتابة سيناريو وحوار الفيلم بعد أن كانا قد اجتمعا من قبل في فيلم "الرسالة"

كان من الضروري أن يتم الاعتماد في الفيلم على الوثائق الموجودة في مركز جهاد الليبيين وكذلك في الأرشيف الإيطالي، لكن كتاب “عمر المختار: الحلقة الأخيرة من الجهاد الوطني في ليبيا” للشيخ طاهر الزاوي كان أساسيا في تقصي شخصية البطل في فترة حاسمة من تاريخه وتاريخ بلاده وهي تلك الفاصلة بين العامين 1929 و1931، والتي شهدت أشرس المواجهات بين المقاتلين البدو وقوات إيطاليا الفاشية بقيادة رودولفو غراتسياني، وتعرض خلالها الليبيون لأبشع أشكال التعذيب والتهجير والقتل والتنكيل والتجويع في المعتقلات الجماعية.

ورغم أن الفيلم كان يحاول استنطاق التاريخ من خلال المقدمة المسموعة والواردة بصوت المذيع عبدالفتاح الوسيع، إلا أنه لم يخلُ من جانبين مهمين.

الجانب الأول تحويل الأحداث الموثقة إلى خلفية لدراما احتل الاستعراض القتالي جانبا كبيرا منها.

والجانب الثاني أن الفيلم لم يخل من الأيديولوجيا وذلك من خلال الخطاب الفكري الموجه وفق عقيدة النظام القائم آنذاك، والذي وصل إلى حد إطلاق عبارات على لسان البطل لم يقلها في حياته، مثل عبارة “نحن لن نستسلم. ننتصر أو نموت سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي”.

وكذلك من خلال محاولة إخراج الأحداث من سياقاتها عبر طمس جانب مهم من تاريخ الحركة السنوسية التي كان عمر المختار ينتمي إليها وقدمت عددا مهما من الأبطال التاريخيين، وكذلك استبعاد عناصر الخيانة وقصرها على الشارف الغرياني الذي تولى الجناح السياسي في الحركة السنوسية بعد مغادرة إدريس السنوسي إلى مصر على إثر احتلال ليبيا واختلف مع عمر المختار حول طريقة التعامل مع الغزو الإيطالي للبلاد.

كان السنوسي يرى أن الإيطاليين قوة لا تقهر، وبالتالي من الأفضل مهادنتهم، بينما رأى المختار أن النضال المسلح يجب أن يكون وسيلة التفاهم مع الإيطاليين، حتى ولو كان الأمل في النصر مفقودا تماما.

بين العقاد وكريغ

اعتمد مصطفى العقاد على الكاتب والإعلامي الأيرلندي هاري كريغ المعروف بتوجهاته الثورية في كتابة سيناريو وحوار الفيلم بعد أن كانا قد اجتمعا من قبل في فيلم “الرسالة”، بينما تولى الكاتب الأديب جبرا إبراهيم جبرا ترجمة الحوار إلى اللغة العربية.

في 4 مارس 1979 انطلق التصوير في منطقة صحراوية تبعد 64 كيلومترا عن مدينة بنغازي في ليبيا، وأيضا في منطقة الواحات بالقرب من مدينة أوجلة وفي الجبل الأخضر شرقي ليبيا، وفي قصر آيت بن حدو في المغرب.

ومعظم مواقع التصوير كانت مواقع الأحداث الحقيقية. وشارك في الفيلم ما يقارب 500 ممثل، من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليونان ويوغسلافيا وإسبانيا ومالطا ومصر ولبنان وتونس والسودان وليبيا وسيرلنكا، بالإضافة إلى أكثر من 5000 من الممثلين المساعدين.

الممثل أنطوني كوين كان مقنعا إلى درجة تفوق الوصف وجعلت صورته في الفيلم هي الصورة المعتمدة لعمر المختار، سواء في أذهان الناس، وظلّت صورة أنطوني كوين تنشر على أنه هو الشخصية الواقعية
الممثل أنطوني كوين كان مقنعا إلى درجة تفوق الوصف وجعلت صورته في الفيلم هي الصورة المعتمدة لعمر المختار، سواء في أذهان الناس، وظلّت صورة أنطوني كوين تنشر على أنه هو الشخصية الواقعية

تولى تجسيد شخصية عمر المختار الممثل الأميركي المكسيكي أنطوني كوين الذي سبق له أن أدى شخصية حمزة بن عبدالمطلب في النسخة الإنكليزية من فيلم “الرسالة”، بينما ذهبت شخصية غراتسياني إلى الممثل الإنكليزي أوليفر ريد، وقامت بدور مبروكة الممثلة اليونانية الكبيرة إيرين باباس التي عرفت ببطولة فيلم “زوربا اليوناني”، وبدور هند بنت عتبة في النسخة الإنكليزية من فيلم الرسالة، وذلك إضافة إلى ممثلين آخرين مثل رود ستايجر، وجون جليجود، وراف فالوني.حمل الفيلم اسم “أسد الصحراء” بالإنكليزية (Lion of the Desert)، وسميت النسخة العربية منه باسم “عمر المختار”.

استغرق التصوير 18 شهرا، وبلغت ميزانية إنتاجه 35 مليون دولار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس تلك الفترة، وتم تقديم أول عرض عالمي له في 4 أبريل 1981 في دولة الكويت.

وعرض في نفس الشهر في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم، لكن إيطاليا منعت عرضه على أراضيها معتبرة إياه محاولة لتشويه تاريخها، والمساس من شرف عسكرييها، إلى أن سمحت بذلك في 11 يونيو 2009 بمناسبة زيارة معمر القذافي إلى روما حيث بثته قناة “سكاي سينما” بعد ترجمته إلى اللغة الإيطالية.

اتجه نص الفيلم إلى الكشف عن جرائم المستعمر الإيطالي، وتدخل القذافي في بعض جوانبه، كدعوته إلى عدم التوقف عند الخيانة التي تعرض لها المختار والتي أدت إلى الإيقاع به، حتى لا يسيء إلى الليبيين.

وطالب الكاتب بالاكتفاء برمزية الغراب المحلق للإشارة إلى الخيانة، رغم أن المعطيات التاريخية تؤكد أن من دلّ على مكان عمر المختار ليبي، ومن قبضوا عليه هم فرسان ليبيون وعساكر إريتريون كانوا يقاتلون إلى جانب الإيطاليين. وموقف القذافي هنا لا يختلف عن موقف الملك إدريس عندما دعا مع قيام الدولة الليبية في العام 1951 إلى طي صفحة الماضي وعدم النبش في سجلات الخيانة التي لا يخلو منها مجتمع.

شخصية اللونقو

في مشهد شنق عمر المختار أظهر الفيلم جنديا إيطاليا يتولى المهمة، بينما يعرف الليبيون أن من قام بشنق شيخ الشهداء هو مواطن منهم اسمه محمود عبدالسلام اللونقو، قام بوضع حبل المشنقة حول عنق شيخ المجاهدين وركل المقعد الخشبي من تحت قدميه.

وتروي المصادر التاريخية أنه كان رجلا أسمر اللون، ضخم الجثة، طويل القامة، وقد أطلق عليه الطليان لقب “اللونقو” (اللونقو كلمة إيطالية وتعني طويل القامة)، وقام أيضا بشنق المجاهد عيسى الوكواك والمجاهد عوض العبار وغيرهما من المجاهدين الذين تم القبض عليهم من قبل المحتلين الفاشيين.

وكان اللونقو يقطن بمنطقة البركة ببنغازي، وكان يرقص في المقاهي واضعا كانون النار فوق رأسه حتى يكسب المال قبل امتهانه وظيفة “العشماوي” أو منفذ أحكام الإعدام.

وعندما زحف جيش التحرير الوطني (السنوسي) على برقة في العام 1941 كان من بين ضباطه المقاتلين الملازم نوري الصديق بن إسماعيل الكوافي الذي كانت أمنيته القبض على شانق عمر المختار.

لكن سرعان ما وصل ذلك إلى مسامع القائد العام -الأمير إدريس السنوسي- فأصدر أوامر صارمة بأن يُتركَ الرجل في حاله، وبالفعل لم يمسسه أحد بسوء حتى مات بائسا وحيدا ومدمنا على الكحول في إحدى الزرائب بمنطقة الصابري ببنغازي عام 1957.

وفي ما يخص هذه النقطة قال العقاد “لا يعنيني من وضع حبل المشنقة حول رقبة الشهيد، فهو واحد سواء كان الجلاد الحقير هو اللونقو السكير أو غيره من المتعاونين مع الفاشيست الإيطاليين، فالتاريخ لن يرحم أولئك الذين كانوا يتقربون من رودولفو غراتسياني سفاح ليبيا؛ فالذي يهمنا هنا أن الفيلم ساعد على توضيح بعض الجوانب الخفية في تاريخ ليبيا، وأظهر للعالم كيف أننا كنا نحارب دفاعا عن أرضنا بشرف ضد غزاة مارسوا كل أنواع الخسة والبشاعة ضدنا، وكيف كنا شرفاء في خصومتنا حتى لو كانت مع المحتل، أما جلاد عمر المختار أو شانقه فالأمر واحد في الحالتين، سواء كان إيطاليا أو حتى من أي جنسية أخرى، فالمهم أنه كان اليد التي نفذ بها الإيطاليون ما يريدونه”.

من الأخطاء الأخرى التي وقع فيها المخرج أنه استخدم نوعا من السيارات الحربية أثناء محاصرة عمر المختار لاعتقاله لم تكن القوات الإيطالية في أفريقيا قد استخدمتها في ذلك الوقت.

ورد العقاد على ذلك بالقول إنه استعان بخبراء في ذلك وإنهم قطعا لم يكونوا يستطيعون توفير العربات التي استخدمها الإيطاليون بالفعل، وإن الضرورة اقتضت ذلك، وهذا لا

مصطفى العقاد: الذي يهمنا أن الفيلم ساعد على توضيح بعض الجوانب في تاريخ ليبيا، وأظهر كيف كنا نحارب دفاعا عن أرضنا بشرف
مصطفى العقاد: الذي يهمنا أن الفيلم ساعد على توضيح بعض الجوانب في تاريخ ليبيا، وأظهر كيف كنا نحارب دفاعا عن أرضنا بشرف

يعد خطأ وإنما أمر فرضته الضرورة.

لكن تلك الأخطاء لا تنفي أن الفيلم وافق هوى في نفوس المشاهدين من خلال نظرة سينمائية متوقدة عرفت كيف تعتمد على أن تنطلق من رؤية ملحمية تكرّس بطولة الفرد، ومن هو هذا الفرد؟ رجل في السبعين يقاوم إحدى أكبر القوى الاستعمارية خلال النصف الأول من القرن العشرين، في مواجهة ما قدمته الصورة،

أو ربما زعمته، من استسلام شعب أمام آلة الاحتلال، حيث يتواجه مشهد البؤس لدى المحتجزين في المعتقلات مع مشهد الإصرار عند المقاوم العجوز وهو يصر على مقاتلة العدو، ثم على الموت في مشهد مؤثر، تم اختتامه بتلك الصورة الرمزية المتخيلة لطفل يلتقط نظارات عمر المختار لينظر بها إلى المستقبل بذات الرؤية النضالية.

تميز الفيلم بالتركيز على المعارك الحربية العسكرية معتمدا في ذلك على جوانب الإبهار المرئي بتحريك الشخوص والآليات لإشباع رغبات جمهور ميال إلى هذا النوع من التشكيل الهوليوودي في أفلام الحركة، لكن ذلك لم يمنعه من أن يفشل تجاريا، حيث يؤكد الناقد محمود الزواوي في كتابه روائع السينما أنه “ورغم الميزانية الضخمة التي رٌصدت لفيلم أسد الصحراء، وثناء نقاد السينما الأميركيين على الفيلم، فقد اقتصرت إيرادات الفيلم في دور السينما الأميركية على مليون ونصف المليون دوﻻر، وذلك بسبب النطاق الضيق لعرض الفيلم في صالات العرض الأميركية، ويحتل الفيلم من الناحية الرسمية المركز الرابع عشر من بين الأفلام التي حققت أكبر الخسائر في تاريخ السينما”.

يقول مصطفى العقاد “يكفيني أن اسمي ارتبط بهذا المناضل الثائر، وأصبحت الآن حين يُذكر اسمه يتبادر إلى الذهن على الفور فيلم أسد الصحراء، الذي جعل العالم كله يشاهد هذا الشهيد روحا ودما”.

وأشاد بأداء الممثل أنطوني كوين الذي كان مقنعا إلى درجة تفوق الوصف وجعلت صورته في الفيلم هي الصورة المعتمدة لعمر المختار، سواء في أذهان الناس أو في الصحف التي تنشر شيئا عن المختار، وظلّت صورة أنطوني كوين تنشر على أنه هو الشخصية الواقعية.

16