أسرار ارتباط العشاق بالأعمال الدرامية

الاثنين 2013/11/18
الأعمال الرومانسية متنفس طبيعيّ يحرّك الذكريات

القاهرة - يشعر البعض أن أحد الأعمال الدرامية يسرد قصة حبه، أو يحكي عن محبوبته، كما أن هناك من الفتيات من تغوص في البكاء لمجرد أن تشاهد أحد المسلسلات، وحين تسألها عن السبب في ذلك، تقول إنها قد عاشت أحداث المسلسل من قبل مع محبوبها السابق، والتي انتهت بالفشل؛ فأمام تلك الأعمال الفنية تستعيد الذاكرة العاطفية نشاطها ويستعيد الإنسان التفاصيل القديمة، كأنها تحدث الآن.

وتسرد منى رجب ربة منزل قصتها قائلة: "عندما تزوجته لم أكن أشعر بروح وبصدق حبه لي، وكانت كلمات العشق التي ينطق بها بلا حرارة فأصبحت حياتنا روتينية ومملة"، تلك كانت بداية قصتها، والتي أفصحت فيها عن مشكلتها التي وقعت مع زوجها، بعد أن اكتشفت أنه كان على علاقة غرامية كبيرة قبل الزواج منها بإحدى صديقاتها، فبعد سنوات من الزواج شاهدت زوجها وهو يتابع إحدى المسلسلات العاطفية بشغف، الأمر الذي من خلاله استطاعت، أن تعرف تلك العلاقة الغرامية السابقة، حيث اعترف لها الزوج بعشقه الأول وأنه من خلال ذلك المسلسل يستعيد تلك الذكريات، وتذكر منى أنها أصبحت تعاني من ابتعاد زوجها عنها بشكل أكبر، حيث يحرص على متابعة هذا المسلسل بشدّة، ويندمج مع أحداثه وأبطاله.

وحول رأي بعض الشباب في ذلك الارتباط الدرامي، القائم بين تلك العلاقات الغرامية والأعمال الدرامية والفنية، يرى عبدالمعز سامي موظف شاب، أن ذلك الارتباط أمر طبيعي، وأن أي إنسان قد ينجح أو يفشل في حبه الأول، ويرتبط بالتأكيد في هذا الحب ببعض الأغنيات أو المسلسلات والأفلام التي يجدها متنفسا طبيعيا يجسد ويحدد أمامه قصة حبه التي غالبا ما يكون قد فشل فيها، وهي تؤدي دورا مهمّا في تطهير النفس ممّا علق بها من مرارة التجربة أو الحنين إليها.

ويفسر الدكتور وائل زيدان أستاذ علم النفس، هذه الظاهرة فيقول: في بداية مرحلة المراهقة وخلالها حتى يصل الإنسان إلى سن النضج تتفتح مشاعره، التي تكون مرهفة، وفي أوج قوّتها لكنها لا تصبح مستقرة وناضجة؛ لأن النموّ العاطفي يتأثر بالنموّ النفسي والجسماني لسن المراهقة، الذي يتقلب فيه الإنسان من حال إلى آخر وبسرعة، وأحيانا يغلق الإنسان الأبواب على نفسه وحبه ومشاعره الأولى، ولا يسمح لغيره باختراقها إلا من يختصّهم ويأتمنهم على أسراره، ويميل هذا الشخص إلى الارتباط بشيء تجريدي يتمثل في أغنية تشدو بتجربته الحزينة كتعبير طبيعي عن الفشل وتصبح بمثابة المنبّه الذي يثير في نفسه ووجدانه تجربته العاطفية، وتحدث استجابته الداخلية في استعادة الذكريات.

ويرى الدكتور زيدان أنه أحيانا ترتبط هذه الاستجابة بمظاهر خارجية لسلوك معين كالارتباط الملفت للنظر بهذه الأغاني أو المسلسلات والأفلام، وأحيانا يصل الإنسان إلى درجة البكاء كتعبير انفعالي ونفسي عن تجربة معينة، وتظل هذه الذكريات تضغط على العقل والوجدان، حتى يتخلص الإنسان منها نهائيا من خلال الذهاب إلى الطبيب النفسي أو بالدخول في تجربة قوية كالتجربة الأولى. وترى الدكتورة نعيمة حمدي أستاذ علم الاجتماع، أن ارتباط الشاب أو الفتاة اللذين أخفقا في تجربتهما الأولى بهذه الأشكال الدرامية والأغنيات الحزينة هو تجسيد اجتماعي شرقي، مرتبط بتكويننا الثقافي بالمعنى الواسع، أي عادات وتقاليد وأعراف جنائزية جوهرها البكاء والنواح على أطلال الماضي، وكنوع من التواصل الاجتماعي والمشاركة الوجدانية، لكنه في الوقت نفسه انفصال وعزلة اجتماعية عن العالم المادي المحيط، هذا ما أشارت إليه إحدى الدراسات العلمية الحديثة التي أجريت بين الشباب والفتيات، وأكدت أن تعرضهم للدراما التلفزيونية يلبّي لديهم حاجات عاطفية ووجدانية، وأن أكثر من 60 بالمئة منهم يستمعون إلى أغنيات عاطفية مكررة تذكرهم بتجاربهم العاطفية بعدما أصبحت في طيّ الذكريات.

وفي السياق ذاته يقول الشاعر علي منصور: أقول لك الصدق لا توجد في الوقت الحالي مسلسلات عاطفية تؤثر على مشاعري وتجعلني أستعيد صور الماضي أو مواقف عشتها ولا حتى الأغاني التي تذاع هذه الأيام كلها أغاني شتائم وتحدّ وألفاظ بذيئة ولا تؤثر في المشاعر. إذا أردت أن تعرف أين المسلسل الجميل المؤثر أو الأغنية التي تنسى بها ذاتك وتعيش معها فارجع إلى الزمن الجميل زمن الفن والثقافة، زمن أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش وعبد الوهاب، إننا مازلنا حتى اليوم نستمع إلى رومانسيات حليم ونتذكر أول حب وأول فتاة كتبنا لها رسالة حب وأول وردة أهديناها إلى من نحب، وحاول أن تراقب حفلات أم كلثوم التي تذاع أحيانا في التلفزيون تجد الرجال في نشوة والنساء في طرب وحلم جميل، وهم يحلمون ويغنون ويجلسون أربع ساعات مع الوصلات الغنائية.

ومن منا لم يبك حين شاهد مواقف كثيرة في أفلام حليم أو فريد أو فيلم غزل البنات للريحاني وهو يبكي وعبد الوهاب يغني عاشق الروح، أين هذا الزمن الجميل من الصخب والضوضاء والضجر في الأغاني الحديثة.

تقول الفنانة التشكيلية علا مصطفى: أنا خريجة فنون جميلة وأعشق الفن بصورة عامة، ولكن أحيانا أنسى نفسي مع أغنية عاطفية، رغم أنه ليست لي تجارب فقد أنهيت الجامعة وتزوجت وأحب زوجي جدا، ونظل أحيانا نسرح مع الأغنيات أو نتابع مسلسلا معينا ليس لأنه مرتبط بموقف في الحياة، ولكن لأنه ليس هناك مواقف، فقد ارتبطنا نحن بأحداث المسلسل دون أن ندري؛ ثم من أين يأتي الوقت لمشاهدة المسلسلات؟ هل يكون سماع الأغاني أثناء العمل؟ ومشاغل الحياة مرهقة لا ترحم.

تقول مي عبد الرحمن أخصائية اجتماعية بإحدى المدارس الثانوية وهي تعدّ رسالة الماجستير تحت عنوان: "اتجاهات المراهقة والتحصيل الدراسي": والله ما يحدث الآن جريمة في مجتمعنا كل فتاة تضع سماعات في أذنيها وتستمع إلى الأغاني ولا تبالي بنوع الأغنية أو كلماتها، وإنما تريد أي شيء تسمعه: صخب، ضوضاء، صراخ، المهم أن تمشي مترنحة مع الموسيقى؛ والأغرب من ذلك من يستمع إلى الأغاني الأجنبية وهو لا يفهم ماذا تقول وإنما يصرخ معها وكأنه يدرك المعاني.

21