أسرار البيوت

الاثنين 2015/02/23

ما أجمل النساء، هن يثرثرن طوال الوقت، ما أجمل الفضفضة التي تريح القلوب المشحونة والصدور المملوءة بالهموم، ولكن أن يتصيدن فرائسهن ويبدأن الحوار بلا توقف، لا يهم من يسمع وهل من يسمع يملك الحكمة الكافية لنصيحة تهدئ الأمور الساخنة والأجواء المنزلية الملتهبة أم أن نفسه تحمل من الشرور المجانية ما يوزعه على الآخرين لبتر علاقات إنسانية وحياة زوجية لا تحتاج للبتر وإنما للتفاهم والود الجميل، فهذا هو الخطأ الذي لا يغتفر وأول من لا يغفره هن النساء أنفسهن حين تستفيق المرأة التي هدمت بيتها فجأة على أنقاض حياة كان يجب الحفاظ عليها واحترام خصوصيتها أكثر من ذلك.

لأن ديمومة الحياة الزوجية والحفاظ على كيانات الأسر الوليدة التي هي اللبنة الأولى للكيان المجتمعي ككل، تستحق الصبر وتخطي الأزمات والسمو عن المشكلات اليومية البسيطة.

قد تفلح نصائح الأصدقاء أحيانا ولكنها كثيرا ما تخطئ، ليس لأن الأصدقاء دائما مليئون بالشرور ولكنهم كالطبيب الذي يصف دواء وفق أعراض خاطئة ساقها له المريض، فهذا الطبيب لم يصف الدواء الخطأ، لكنه تلقى أعراضا كاذبة. وكذلك هؤلاء الأصدقاء لن يستمعوا مطلقا لقصة حقيقية مئة بالمئة ولكنها قطعا ستحمل الكثير من الرتوش التجميلية التي يضعها الأبطال الحقيقيون على قصصهم لزوم الوجاهة الاجتماعية، فالكل لا يكذب ولكن يتجمل، لم ألتق إمرأة تحكي قصة كاملة الأحداث، لم أصادف إمرأة واحدة تخطئ في حق زوجها أو حتى الآخرين، كلهن ملائكة والأزواج شياطين وإن سمعت القصة من أفواه الأزواج، فنصبح أمام ملائكة بأجنحة ترفرف من أجل إسعاد زوجاتهم القاسيات.

باختصار كل إمرأة تحكي قصة تختلف أو تتشابه مع غيرها في الأحداث، ولكنهن جميعا متفقات في كونهن مفترى عليهن.

كنت أتولى الإشراف على صفحة تنقل مشاكل القراء، فلم ألتق طوال سبع سنوات رجلا أو إمرأة يحمّل نفسه المسؤولية فجميعهم يبكون ويرفضون الظلم الواقع عليهم، كلهم بلا استثناء مظلومون والجحيم هو الآخر.

جلس إلى جانبي يوما زميل متدرب وما إن بدأت المرأة الأربعينية تقص علينا كيف وقفت إلى جانب زوجها وأخرجته من صفوف الفقراء المعوزين إلى مصاف الأغنياء وكيف ضحت بشبابها وأجمل سنوات العمر حتى أصبح من أكبر رجال المال والأعمال، وبدأت دموعها تنساب على وجنتيها، حتى ثار المتدرب الشاب قائلا لي هي تكذب يا أستاذة فقد سمعت مكالمة هاتفية منذ دقائق بينها وبين زوجها توبخه وتسبه كطفل أضاع أدواته المدرسية وتصرخ وتهدد وتتوعد، واستمر في الصراخ هي كاذبة، كاذبة.

بهدوء شديد أخرجت الشاب من مكتبي، وقلت يا عزيزي نحن نستمع دائما للكاذبين فمهنتنا تحتم علينا سماع الكذب لكنها أبدا لن تغفر لمن ينقل وينشر أخبارا كاذبة، والكل يجمل الحقائق ويزين كذبه.

ليست لدينا الشجاعة لنعترف بالخطأ ولنتحمل مسؤوليته. لماذا لا نغلق أفواهنا مادمنا لا نقوى على قول الحقيقة الكاملة؟ لماذا لا نأخذ خطوة للخلف ونسترجع كل الأحداث بضمير عادل وعقل منصف؟

أن نعطي لقلوبنا المشحونة بالكراهية، متسعا من الوقت تستعيد فيه قدرتها على الحب والمغفرة.

فقد نكتشف أخطاء بسيطة يمكن علاجها بكلمة أسف وطلب سماح وغفران، فسحر الاعتذار لا يمكن مقاومته والحفاظ على أسرار البيوت ليس عيبا بل قيمة مضافة لحياة يجب حمايتها بالسرية والاحترام.

21