أسرار التاريخ الماسوني حبيسة مبنى أثري في قلب كراتشي

ذكر باكستان يرتبط بتنظيم القاعدة وحركة طالبان وكل ما له علاقة بالتشدّد والحرب على الإرهاب والقمع وغياب الحريات.
الأحد 2018/04/01
التاريخ يأبى أن تخفي آثاره السياسات الظلامية

كراتشي (باكستان) - تتحدث أوساط باكستانية، خاصة الثقافية منها، عن أن مبنى يعود تاريخه إلى أوائل القرن العشرين في كراتشي كان بمثابة المقر المحلي لجمعية الماسونية السرّية، فيما تنفي جهات أخرى ذلك، في جدل يقدم صورة مصغّرة عن واقع باكستان وتاريخها الذي يأبى أن تطمسه الثقافة الظلامية.

ويرتبط ذكر باكستان بتنظيم القاعدة وحركة طالبان وكل ما له علاقة بالتشدّد والحرب على الإرهاب والقمع وغياب الحريات. لكن، مثلما حصر العالم ووسائل الإعلام الغربية، صورة المجتمع السعودي في فترة ما بعد الصحوة، أي بعد 1979، وما صاحب ذلك من مظاهر تشدّد ديني وانغلاق مجتمعي، فقد تم حصر صورة باكستان وأيضا أفغانستان، في تاريخ ما بعد على الحرب على السوفييت وصعود القاعدة وطالبان.

ودفن العالم أسرار فترة ما قبل السبعينات، ولم يعد أحد من أجيال ما قبل فترة الثمانينات يتذكّر باكستان التي كانت يوما ما مركزا لصناعة السينما والفنون، ونواديها الليلية مشهورة على مستوى العالم، وكانت الحياة فيها طبيعية كبقية دول العالم، تتأثر بالموجات الصاعدة في الموضة والموسيقى. أما أجيال ما بعد الثمانينات إلى اليوم، فلا تعرف غير صور المتشددين الإسلاميين والأخبار عن التفجيرات والعمليات الإرهابية وبعض تفاصيل حربها مع الهند.

وكتب الصحافي الباكستاني نديم باراتشا، متحدثا عن صور باكستان قبل أن تتحول إلى دكتاتورية إسلامية، “تبدو وكأنها كوكب غريب مقارنة بما تحولت إليه باكستان منذ منتصف الثمانينات”، وأضاف قائلا أنه “عبر سنوات، أرسل الكثير من القراء من داخل وخارج باكستان يشكون من أنهم يفشلون كلما حاولوا البحث عن صور لباكستان على الإنترنت لا علاقة لها بنظام الملالي أو الانفجارات الانتحارية والجثث المشوّهة”.

نديم باراتشا: هناك ذكريات قليلة باقية من باكستان القديمة التي تبدو وكأنها كوكب غريب مقارنة بما تحولت إليه منذ منتصف الثمانينات
نديم باراتشا: هناك ذكريات قليلة باقية من باكستان القديمة التي تبدو وكأنها كوكب غريب مقارنة بما تحولت إليه منذ منتصف الثمانينات

وعرض باراتشا في تقريره الذي نشره موقع “سكرول آين” (2015)، مجموعة من الصور التي تؤكد كيف تحولت باكستان. ومن بين الصور صورة لمظاهرة عنيفة قامت بها طالبات جامعيات في مدينة لاهور، ضد حزب الرئيس ضياء الحق الذي ممارس التعذيب ضد النساء. ويقول باراتشا إن المنظمات النسائية كانت في طليعة العديد من الحركات التي قامت ضد الدكتاتورية الوحشية لضياء الحق.

ويعرض في صورة أخرى إحدى النوادر عن بعض الملاهي الليلية ويدعى “ميد رينج”، وهو أحد أشهر الملاهي في كراتشي منذ أواخر الستينات وحتى السبعينات. وينقل باراتشا عن طوني طفيل مالك سابق للملهى قوله “كراتشي كانت ستكون كدبي، لو لم يصدر قرار إغلاق الملاهي الليلية بحلول أبريل عام 1977″.

ويتحدث عن صناعة الأفلام والسينما التي بلغت ذروتها إبداعيا وماديا في أواخر الستينات. قبل أن تبدأ بعد ذلك في التراجع بحلول الثمانينات وتهبط إلى القاع في التسعينات، مع عملية الأسلمة التي قام بها ضياء الحق ووضع سياسات أخلاقية والتضييق على الحريات.

نادي الماسونية

من الأسرار التي يحجبها ظلام التطرف وتسعى لوأدها ثقافة التشدد، معالم تاريخية كثيرة تتحدث عن تاريخ باكستان وأديانها المختلفة. وكانت حركة طلبان باكستان، دمّرت منذ سنوات تمثالا شهيرا لبوذا يعود إلى القرن السابع ميلادي ومنحُوت في صخور وادي سوات بشمال غرب باكستان، في محاكاة لما قامت به طالبان أفغانستان حين فجّرت الحركة تمثالين عملاقين لبوذا في مقاطعة باميان بوسط البلاد.

ومؤخرا، أثير جدل حول حقيقة مبنى يعود تاريخه إلى أوائل القرن العشرين في كراتشي، كبرى مدن البلاد وعاصمتها التجارية. ويقول الباحثون وعلماء الآثار إن هذا المبنى كان المقر المحلي لجمعية الماسونية السرّية. وتردد هذه الأوساط، أن تاريخ تلك الجمعية، برموزها وطقوسها الخاصة، يعود إلى أوائل القرن الثامن عشر.

والماسونية يصفها البعض بأنها منظمة عالمية يتشارك أفرادها في عقائد وأفكار واحدة في ما يخص الأخلاق الميتافيزيقية (علوم ما وراء الطبيعة) وتفسير الكون والحياة. وتتصف المنظمة بالسرية والغموض الشديدين، خاصة في شعائرها، مما جعلها محط الكثير من الأخبار حول حقيقة أهدافها.

ويحرس شرطيان المدخل الحجري للمبنى الذي يعود إلى العصر الإدواردي (أي عهد الملك البريطاني إدوارد السابع من 1901 إلى 1910)، وتستقر مجموعة من الحمائم المرهقة على أعمدة ذات حواف مربّعة. وكان المبنى الذي يعرف رسميا باسم لودج هوب، لعدة سنوات بمثابة مركز للأنشطة الأدبية والاجتماعية، حتى فرضت الحكومة سيطرتها عليه للاشتباه في صلاته بالجمعية الماسونية.

وحاليا، يتم استخدام المبنى، الذي تم الإعلان عنه كموقع للتراث الوطني عام 2008، مكتبا لإدارة الحياة البرية في إقليم السند وعاصمته كراتشي. وتم تحويل غرفة كبيرة متجددة الهواء، كانت بمثابة حانة المبنى، إلى مكتب مساعد مدير الإدارة، كما تمّ تحويل قاعة الطعام إلى متحف، رغم أنه لا يعرض أي شيء يشهد على ماضي ذلك المبنى التاريخي، فيما تم تحويل مطبخ المبنى إلى مخزن. والمثير للدهشة أن واجهة المبنى محفوظة بشكل جيّد، باستثناء بضع نوافذ زجاجية محطمة.

وقال كليم لاشاري، وهو عالم آثار بارز ورئيس مجلس إدارة دائرة الآثار التي تعمل على الحفاظ على التراث القديم في باكستان، “حاولنا ترميم المبنى بعد أن أعلنت الحكومة أنه تراث وطني”. وأضاف “لسوء الحظ، استمرت أعمال الترميم لمدة ثلاث سنوات فقط من 2008 إلى 2011، وتوقفت الآن مما يجعل المبنى مهددا”.

الأصول التاريخية

المرأة في باكستان أكثر المتضررين من التحولات الاجتماعية منذ نهاية السبعينات
المرأة في باكستان أكثر المتضررين من التحولات الاجتماعية منذ نهاية السبعينات

يصرّ جيوان سونوريا (77 عاما)، الذي كان عاملا في النشاط الخدمي بالمبنى من الجيل الثالث، على أن الموقع لم يستخدم أبدا في أي نشاط سرّي، مضيفا أنه تم بناؤه عام 1842. وقال “أنا أعتني بالمبنى طوال الأربعين سنة الماضية، وقبل ذلك، عمل والدي وعمه في هذا العمل لأكثر من 50 عاما، لم أشهد أنا ولا والدي أو عمي أي نشاط سرّي أو غير عادي هنا”.

ووفقا لسونوريا، الذي يقضي معظم النهار جالسا على كرسي خشبي خارج منزله الصغير الواقع بجوار المبنى، فقد تم استخدام المبنى ناديا اجتماعيا، وتم تسجيل أعضاء بالمئات فيه، معظمهم من الأجانب.

لكن أختر بلوش، وهو مدون في كراتشي وكثيرا ما يكتب عن التراث والعمارة، يؤكّد أن المبنى كان مركزا لأنشطة الماسونية في المدينة، حيث كانت تعقد فيه اجتماعات بانتظام. وأضاف أن رموز الماسونية محفورة داخل المبنى، مشيرا إلى أنه تم فرض حظر شامل على الماسونيين في باكستان، وسيطرت الحكومة الباكستانية على الموقع عام 1973.

ووفقا لتقرير في صحيفة “دون” اليومية، صدر بتاريخ 19 يوليو 1973، فقد تم إغلاق المبنى من قبل حكومة السند، وسط شعور متزايد بين الجمهور بأن جمعية الماسونيين كانت “مؤيدة لليهود ومؤيدة للصهيونية ومناهضة للإسلام” بطبيعتها.

لكن عالم الآثار كليم لاشاري، لفت إلى أن المبنى كان يتردد عليه أشخاص من ديانات أخرى غير اليهودية ولا يمكن ربطه بديانة واحدة على الإطلاق. وقال “إذا نظرت إلى بعض اللوحات داخل المبنى، فسوف تظهر بعض الأسماء المسلمة أيضا”.

آخر معلم يهودي

تشير بعض اللوحات التي أقيمت في المبنى إلى أن الموقع ربما استخدم مكانا مؤقتا للعبادة، بعد هدم كنيس صغير يقع في منطقة كراتشي الجنوبية أوائل الستينات من القرن الماضي. وهناك لوح حجري تم نصبه على الحائط مكتوب عليه “لقد أقيمت جميع هذه الألواح بعد هدم المعبد القديم”.

وحتى تسعينات القرن العشرين، كان الكنيس يقع على بعد ميل واحد من الموقع التراثي، وأقيم مبنى تجاري بدلا من الكنيس حاليا، حيث أنه في العقود الأربعة الأخيرة تمت السيطرة على العديد من المواقع التاريخية، ثم بيعت إلى عمالقة العقارات في المدن الحضرية الكبرى.

وكانت كراتشي موطنا لأكثر من ألف يهودي حتى الإعلان عن تأسيس باكستان عام 1947، ولكن هاجر معظمهم إلى إسرائيل ودول أخرى في العقود التالية لذلك التاريخ. وهناك أيضا مقبرة يهودية قديمة تقع في المنطقة الجنوبية من كراتشي، وتضم حوالي 300 مقبرة يعود تاريخها إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

7