أسرة مصرية تدفع ابنها المصاب بمتلازمة داون إلى عالم الأزياء

دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع يبدأ بالأسرة.
الاثنين 2019/12/09
نوفل واجهة دعائية لإحدى ماركات الملابس المحلية

تعمل منظمات المجتمع المدني العالمية والمحلية على رفع الوعي بقضايا ذوي الاحتياجات الخاصة لدمجهم في المجتمع، كما تلعب أدوارا ضاغطة في ما يتعلق بصياغة قوانين توفر لتلك الفئات أكبر الامتيازات الممكنة، إلا أن التجارب أثبتت أن تقبل الأطفال ذوي الاحتياج الخاصة داخل أسرهم يعتبر البوابة الرئيسية لدمجهم في المجتمع.

القاهرة - شب أحمد عز (19 عاما) أصم وحيدا في أسرة من الأصحاء، ولم يحرص أفرادها على تعلم لغة الإشارة للتواصل معه، وأودعوه مدرسة خاصة بحالته، تعلم فيها القراءة والكتابة وانتقل بين مراحل التعليم المختلفة وصولا إلى الجامعة.

ويتسم عز بالانطوائية الشديدة التي تنعكس في الانكماش من الغرباء، مقابل سعادة واضحة يبديها خلال مشاركته لأقرانه من الصم في الأنشطة. ولم يستطع عز تجاوز إعاقته والاندماج في المجتمع على نحو طبيعي، إذ لم تُتح له تلك المساحة في أسرته، وهي لا تتواصل معه سوى في الحاجات الرئيسية مثل إبلاغه بالطعام والخروج من المنزل وهكذا، فاعتاد العزلة والوحدة داخل أسرة تتكون من 5 أشخاص.

وعلى خلاف ذلك، تقدم أسر أخرى نماذج مغايرة، إذ تصبح لدى الطفل المقبول عائليا ثقة بذاته وقدرة على مواجهة العالم.

ورغم الاعتقاد السائد بوجود علاقة طردية بين المستوى التعليمي للأسرة وتقديمها الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة، فإن أسرة المراهق مصطفى نوفل الذي يعد أول موديل من متلازمة داون في مصر، تقدم صورة مغايرة.

نماذج واقعية تدحض العلاقة الحتمية بين مستوى الأسرة الثقافي والاجتماعي، وتعاطيها مع أبنائها من ذوي الاحتياجات 

وتقطن أسرة نوفل في إحدى قرى محافظة الغربية بشمال القاهرة، لأم حاصلة على شهادة متوسطة وأب جامعي، ولم تجد الأسرة وسائل داعمة لحالة نجلها، حتى أن توفير مدرسة له ولأقرانه تطلب طرق أبواب حكومية عدة، وتقديم شكاوى على مدار 3 سنوات، حتى استجاب المسؤولون والتحق مصطفى بالمرحلة التعليمية الأساسية في سن العاشرة، بدلا من السادسة.

وواصلت الأسرة دعم نجلها واكتشاف ميولاته وتوظيفها، حتى صنعت منه مشروع عارض أزياء هو الأول في مصر.

وتقول الأم إيمان خضر (41 عاما) وهي ربة منزل لـ”العرب”، إنها لاحظت شغفه بالأزياء وحرصه على استبدال أكثر من موديل في اليوم الواحد، وعنايته البالغة بنظافته وأناقته، ورأت فيه كاريزما تؤهله ليصبح موديلا.وبالمصادفة كانت ثمة شركة للملابس المحلية تبحث عن موديل من ذوي الاحتياجات الخاصة لمنتجاتها، ووافقت على مصطفى كواجهة دعائية لها.

وحققت الشركة رواجا كبيرا بفكرة الخروج عن الصورة التقليدية في حملتها الدعائية ودعم قضية إنسانية مهمة، وفتحت الحملة للمراهق بابا للشهرة وتوالت العروض عليه واللقاءات الإعلامية، بعد جلسة تصوير خاصة تطوع بها مصور مصري اسمه مصطفى عاطف، حققت رواجا واسعا.

وأضافت خضر، بفخر، “أصبح مصطفى الآن أكثر إدراكا لذاته، ويرفض عمل أشياء تبدو تافهة أو غير مفضلة على اعتباره ‘موديلا’، وشبكة علاقاته في اتساع مستمر”.

وتذكر الأم لـ”العرب”، شكوى إحدى جاراتها من تنمر الجيران والزملاء على نجلها من ذوي الاحتياجات الخاصة، فصورت الأسرة مقطع فيديو للتوعية بقضية التنمر على ذوي الاحتياجات الخاصة، يتضمن عدة مشاهد تمثيلية قام بأدائها مصطفى وشقيقاه ووالدهم.

ويدحض نموذج خضر، العلاقة الحتمية بين مستوى الأسرة الثقافي والاجتماعي، وتعاطيها مع أبنائها من ذوي الاحتياجات، لأن بعض الأسر المرموقة والتي لديها قدر من الوجاهة تظن أنه سيتم النيل من صورتها الاجتماعية بإظهار طفلها المختلف.

ويصف مدير وحدة إدارة المجتمع في المجلس القومي للإعاقة (جهة رسمية) محمد مختار تأثير مثل تلك الأسر بالسلبي في قضايا الدعم ككل، قائلا لـ”العرب”، “ثمة نوعان من الأسر، الأول سلبي، يرفض الاعتراف بإعاقة الابن وتشعر الأسرة صوبه بالخزي والعار وتنتهج سلوكا انسحابيا. والنوع الثاني، الأسرة الإيجابية الداعمة التي تجند كل أفرادها لمساندة هذا الشخص”.

ويذكر مختار من بينهم حسن الذي واجه رفض مدرسة للتعليم الفني قبول نجله المصاب بمتلازمة داون، وبعد 3 سنوات من السعي وطرق الأبواب حصل على قرار بدخول ذوي الإعاقة الذهنية للتعليم الفني.

وبالمثل استطاعت سارة راغب، وهي أم لابنة مصابة بالتوحد، استخراج قرار استثنائي تحول في ما بعد إلى مادة في القانون للأمهات اللاتي لديهن ابن من ذوي الاحتياجات الخاصة تتيح لهن التأخر ساعة عن وظائفهن.

وفيما تتوجه غالبية الجهود المجتمعية لدعم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، كانت التجربة المختلفة للناشطة ومخرجة المسرح أميرة شوقي التي سعت إلى دعم الأسرة ككل، فكلما تفهمت حالة نجلها وقدراته اتسعت أبوابه نحو المجتمع. وأثبتت تجربة شوقي فاعليتها، وهي مسرح كل القائمين عليه من ذوي الاحتياجات الخاصة وعائلاتهم وتطور في ما بعد إلى مؤسسة تحت اسم “الشكمجية”.

أناقة وجمال
أناقة وجمال 

وأكدت أمهات التقتهن “العرب” دور “الشكمجية” في تقبل وفهم أبنائهن، حيث دربت هذه المؤسسة نحو 700 أسرة في القاهرة وضواحيها، وتنتقل حاليا بمشاريعها إلى محافظات الإسكندرية على البحر المتوسط بنواة 70 أسرة، والوادي الجديد الحدودية بواقع 30 أسرة، والغربية في شمال القاهرة بـ30 أسرة، والشرقية بشمال شرق العاصمة بتدريب 30 أسرة أخرى.

وبدأ توجه شوقي إلى قضية ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم من رحم تجربتها الشخصية، إذ يعاني نجلها من التوحد، وفكرت في أن الفن قد يساعده في الاندماج. وعلى الرغم من أن نجلها لم يهو المسرح مقابل الميل إلى الرياضة، إلا أنه بمجرد تأسيسه قبل نحو 5 سنوات، دعمت تجربتها بتجارب أخرى عديدة.

وقالت لـ”العرب”، “العروض كانت مشكلّة من ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم، تأتي الأم بنجلها وأشقائه الأصحاء ليشاركوا جميعا في العرض بين أعمال الديكور والتصميم والتمثيل، حتى وهم لا يملكون تجارب سابقة فيها”.

وكما تقول الحكمة المتوارثة إن “الكنز في الرحلة”، فكان جوهر النفع والدمج يكمن في رحلة الإعداد إلى العرض، حين يبدأ الأهالي في اكتشاف قوى كامنة وقدرات مميزة في أبنائهم، وحينها تتاح للأبناء مساحة للتعبير عن الذات وتقديم قيم نافعة، وأخيرا يكلل كل ذلك في عروض تحقق فائدة ورسائل لأسر عديدة.

وأضافت شوقي “التفتت الحكومة المصرية، عبر البيت الفني للمسرح، إلى مشروع ‘الشكمجية’، وفتحت أمامه أحد مسارحها القومية، ثم تبنت المشروع قبل أن يبدأ بالانحدار في العام الأخير، حيث أشرف على الفكرة موظفون فرّغوا المشروع من محتواه، خصوصا في ما يتعلق بمشاركة الأسر”.

وتواصل شوقي حاليا العمل بمساعدة منظمات مجتمعية لاستكمال فلسفتها حول الدمج بالفن، والاعتماد على الأسرة كبوابة أولى يبدأ بطرقها كل شيء، وتتبنى مؤسستها توفير أعمال توظيفية داخل المؤسسات المختلفة أو إنتاجية عبر مشاريع صغيرة، كي تتعلم تلك الأسر كيف تستغل مواهب أبنائها.

21