أسر تواجه أوجاع فقدان أحد أفرادها دون مواساة بسبب كورونا

اللجوء إلى استخدام ​الرسائل​ النصية والمنشورات على ​مواقع التواصل لمواساة الأهل والأصدقاء على الحوادث والأخبار المؤسفة يكون غير مفيد ومزعج في كثير من الأحيان.
الثلاثاء 2020/12/15
إجراءات الدفن المشددة تزيد من وقع المأساة على أفراد عائلة المتوفى

قلب فايروس كورونا حياة جميع الناس رأسا على عقب، ومسّ أدق تفاصيل حياتهم وأدخل الحزن إلى بيوت كثيرة بسبب فقدان أحد المقربين في غالب الأحيان دون وداع ووسط إجراءات دفن مشددة، ما جعل الملايين من الأفراد يواجهون هذا الموقف الصعب والمؤثر بمفردهم.

حرم فايروس كورونا العائلات والأفراد من تلقي دعم ومواساة أقاربهم وأصدقائهم عند وفاة أحد أفراد العائلة. كما حرمهم من أحضان المواساة والشد على أياديهم والوقوف معهم في أصعب اللحظات التي يعيشونها، رغم أن الإنسان يحتاج إلى الدعم والمواساة من الآخرين مع وفاة شخص عزيز عليه، ولا يريد البقاء وحيدا في مواجهة أحزانه وآلامه حتى يستطيع تخطي الأمر.

وأكد الخبراء أنه ليس هناك ما هو أصعب من الموت وفقدان شخص عزيز إلى الأبد في جميع المجتمعات، حيث يمثّل هذا الأمر تحديا صعبا للغاية يجهل الكثيرون كيفية التعامل معه، نظرا لتدفّق العديد من المشاعر المختلطة التي تترافق مع الإحساس بالخسارة، لافتين إلى أنه لا توجد طريقة محددة للتعامل مع موت شخص عزيز، وليس هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة، فلكلّ شخص ظروفه ومشاعره التي تختلف عن غيره، وأفادوا أن الدعم النفسي يشمل جميع أنواع المساندة المقدمة من قبل أفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء، موضحين أن الكثير من أحداث الحياة المؤلمة يمكن التكيف معها بإيجابية في حالة توفر الدعم النفسي والاجتماعي من المحيطين بنا وتخفيفهم لآلامنا.

كما أشاروا إلى أن قضاء الإنسان وقتا مع العائلة والأصدقاء إذا فارق شخص عزيز عليه الحياة سيجعل الحزن جماعيا، حيث سيجتمع أقرباء الراحل وأصدقاؤه محاولين تجاوز هذا الألم معا، وستذكره مثل هذه العلاقات بأنه ليس وحيدا وهناك من يشاطره الألم، كما ستساعده على التعبير عن مشاعره لأشخاص يفهمون تماما ما يشعر به، لأنهم يعيشون تلك الأحاسيس أيضا.

وقالت المدربة والمرشدة في العلاقات الأسرية، فتيحة سبط، من المغرب “من أصعب اللحظات التي يمر بها المرء هي تلك التي يحتاج فيها دعما ومساندة، ويجد نفسه وحيدا بين آلام الفراق وغياب المواساة. ما هي الدروس التي قد نتعلمها من هذا الوضع؟ هل نبقى في دائرة الآلام والبكاء والدراما؟ هل نتدمّر ونشتكي ونشجب أوضاعنا؟ هل نتجرع المزيد من السم نسقي به أجسادنا؟”.

وتابعت موضحة لـ”العرب”، “تمر بنا أحيانا أحداث لا نفهم معناها حتى نتخطى السنين تلو السنين، لنتأكد أن الأحداث التي تجاوزناها جاءت لتعلمنا أشياء كنا بحاجة إليها”، مبينة أن الاعتماد على دعم الآخرين شيء جميل ويعطي إحساس الاعتزاز بالانتماء. وقرب الأحباب ومواساتهم من أروع ما يمكن أن يزيد المرء من شعوره بالحب والرضا. وأكثر ما يبعده عن الإحساس بالرفض.

وأكدت المختصة المغربية أن كل إنسان منذ أن يولد يحب أن يشعر برضا الناس عنه والتفافهم حوله حتى يشب ويجد نفسه محاطا بجمع يمدونه بطاقة الحب والعطف والحنان، وكل هذا يجعله دائما في أمان، لكن الظروف أحيانا قد تقسو عليه وتخرجه من دائرة الأمان.

وقال خبراء إنه من الفظيع رؤية عائلة تجلس على بعد ستة أقدام من بعضها البعض، غير قادرة على التواصل في ما بينها، مبينين أن فايروس كورونا حوّل الجنازات إلى شيء غريب عن الناس وغيّر طقوسا يتوقعون أن تحصل عندما يموت أحدهم، بما فيها أن يكونوا جسديّا معا.

تقديم واجب العزاء عن بعد لا يضاهي مؤازرة أهل الميت بالحضور
تقديم واجب العزاء عن بعد لا يضاهي مؤازرة أهل الميت بالحضور 

ومنذ تفشي الجائحة وارتباطها بإجراءات التباعد الاجتماعي والجسدي المشددة ظهرت أزمات متعددة عايشتها الأسر التي فقدت أحد أحبتها مثل مواجهة هذا المصاب منفردة، وأنشأت صفحات على واتساب وفيسبوك لدعم بعضها البعض وخاصة من أجل تقديم العزاء، ويبدو أن الحاجة إلى مثل هذه المجموعات في ازدياد، حيث يقر الكثيرون أن الدعم الذي تلقّوه عبر هذه المنصات مدّهم بالقوة وحسّن من حالتهم النفسية، إلا أنه لا يمكن أن يعوض تجمع العائلة والأصدقاء في منزل المتوفى وتقديم المساعدة لأهله.

وتوصلت دراسة حديثة إلى أن اللجوء إلى استخدام ​الرسائل​ النصية والمنشورات على ​مواقع التواصل الاجتماعي لمواساة الأهل والأصدقاء على الحوادث والأخبار المؤسفة، غير مُجد، مبينة أن معظم مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يشعرون بالحزن، يجدون أن رسائل التعزية غير مفيدة لمواساتهم، بل ويمكن أن تكون مزعجة في كثير من الأحيان.

وقالت الدراسة “يلجأ الكثيرون إلى الرسائل النصية و​تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن تعاطفهم مع صديق أو شخص مقرّب، حيث يجدون في هذه المواقع وسيلة سهلة وميسّرة، ويمكن استخدامها في أي زمان ومكان”.

وأضافت أن بعض العبارات الشائعة التي قدمت للعديد من الأشخاص الذين يعانون من الحزن، أو نشر التعازي على وسائل التواصل الاجتماعي، نادرا ما كانت فعالة.

ويرى مفيد سرحان، استشاري الاجتماع الأسري، أن “جائحة كورونا لها تأثيرات كبيرة، وشملت مختلف جوانب الحياة، كما كانت لها تأثيرات كبيرة على العلاقات الاجتماعية خصوصاً، والتي تتميز بالتواصل والتقارب، وهي جزء من تقاليدنا وديننا وأخلاقنا، كما في علاقاتنا في مناسبات الأفراح والأتراح التي تعد من المناسبات التي يحرص الأقارب والأصدقاء على مشاركة صاحب المناسبة فيها”.

وأضاف المختص الأردني “منذ جائحة كورونا وفرض حظر للتجول على فترات، واستمرار التأكيد على منع التجمعات، ومنها بيوت العزاء، أصبح تقديم الواجب عن بعد، سواء التزاما بالقانون أو قناعة بضرورة وأهمية التباعد الجسدي وخطورة التجمعات وأثرها في زيادة نسبة انتشار الوباء”.

ونبه سرحان إلى أن القيام بواجب العزاء أصبح يتم مباشرة بعد دفن المتوفى وفي أرض المقبرة لمن يشارك في أداء صلاة الجنازة وعملية الدفن، أو يتم من خلال وسائل التواصل المتعددة، وهي متاحة للجميع، وفق موقع الغد الإلكتروني.

كما قال سرحان “نريد لعلاقاتنا الاجتماعية أن تستمر وألا تتوقف، بل أن تكون أكثر قوة وتماسكا في هذه الظروف الصعبة، لكن الواقع والمصلحة والواجب تتطلب أن لا نكون سبباً في زيادة انتشار الوباء ونقل العدوى”.

وكشفت دراسة أن مستوى الترابط الاجتماعي يؤدي دورا مهما في هذه المواقف، فقد وجدت أن الأشخاص الأقل نشاطًا من الناحية الاجتماعية تعرضوا إلى تدهور في صحتهم البدنية والنفسية استمر مدة طويلة.

قضاء الإنسان وقتا مع العائلة إذا توفي شخص عزيز عليه سيجعل الحزن جماعيا، وسيجتمع الأقرباء محاولين تجاوز الألم معا

وأشارت النتائج إلى أن طريقة تأقلم المرء مع الوفاة من الناحية العاطفية والجسدية والسلوكية والنفسية تختلف تبعا للعمر والعرق والسمات الشخصية ومستوى التدين، والدعم الذي يتلقاه، والعلاقة التي تربطه بالمتوفى. كما أظهرت أن الأفراد الأصغر سنّا يعانون أكثر من نظرائهم الأكبر سنًّا، لكنها وجدت أيضا أن الأفراد الأكبر سنا يميلون أكثر إلى الشعور بالوحدة، كما تؤثر السمات الشخصية في القدرة على التكيف مع الفجيعة؛ فالأفراد الذين يتمتعون بتقدير أعلى للذات أكثر قدرة على تحمّل التوتر؛ فالمشاعر الإيجابية تحول دون إصابة الأشخاص بالاكتئاب والقلق الناتج عن الوفاة.

وأشارت فتيحة سبط إلى أن “ما نحتاجه في هذه الأوقات الصعبة وما تُعلمنا إياه المعاناة هو أن نعتمد على حب ذواتنا أكثر من أي شيء. وأن نحافظ على توازننا مهما قست الظروف، لأن اختلال التوازن والشعور بالرفض أو عدم الرضا عن الأحوال يجعل الإنسان يدخل في حالة من الاضطراب تفقده فاعليته وقدرته على العطاء وصعوبة العودة إلى التوازن من جديد.

كما قالت “ليست المعاناة إلا مدرسة نتعلم من خلالها أن نكون مصدرا للطاقة والعطاء مهما ساءت الظروف من حولنا لنجعل من المأساة فرصة للعودة إلى الذات وشحنها بالحب والاهتمام دون الاعتماد على مصادر خارجية نشحذ منها العطف ونطلب المواساة، فالداخل أكبر مصدر للأمان”.

21