أسر تونسية تتخلى عن التبني بسبب الإجراءات القانونية المعقدة

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تطالب بتسهيل إجراءات تبني الأطفال في تونس، مؤكدة أن الموانع الاجتماعية والقانونية تقف أمام طلبات التبني للأسر الراغبة في ذلك.
الجمعة 2019/02/22
فرحة مؤجلة

أجاز القانون التونسي تبني الأطفال منذ عام 1958، واعتبرت تونس سباقة في هذا المجال في المنطقة العربية، ورغم ذلك فإن الضوابط المحددة لاختيار العائلة التي تريد رعاية وتبني الطفل، تعد متشددة ومعقدة وتأخذ الكثير من الوقت. وتخضع حضانة الطفل سواء بصيغة الكفالة أو التبني حسب القانون التونسي إلى العديد من المقاييس على غرار شرط الزواج وإعداد الأسر من الناحية النفسية أو الاجتماعية أو المادية حتى لا تجد نفسها في أزمة مع الطفل لاسيما بخصوص إعلامه بأنه متبن.

تونس- يشتكي المتقدمون بملفات قضائية ومطالب بتبني أطفال من كثرة التعقيدات القانونية التي تجعل ملفاتهم تستغرق مدة طويلة ما يدفعهم للبحث عن حلول أخرى تجنبهم هذه المعاناة، ويعرب العديد من الأزواج الذين لم يرزقوا بأبناء عن رغبتهم في التبني وخوفهم من المسار القانوني الشاق، وكذلك ترغب العديد من العائلات أو العازبات في تبني طفل يؤنس وحدتهن ويوفرن له الرعاية التي يحتاجها بعيدا عن منظمات وجمعيات الرعاية الحكومية.

وفي ذات الوقت تعج المؤسسات الحكومية بأطفال سواء من مجهولي النسب أو اليتامى أو المواليد خارج إطار الزواج والذين يحتاجون بدورهم لمن يتبناهم أو يكفلهم ويوفر لهم الإطار العائلي الذي يحتاجونه، وسبق أن أشارت وزارة المرأة والأسرة إلى أن هناك 900 طفل ولدوا عام 2017 خارج إطار الزواج وهم ينتظرون من يتبناهم. كما تشير إحصائيات محلية إلى تضاعف عدد ملفات التبني التي تعرض على المعهد الوطني لرعاية الطفولة التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية سنويا.

وتقول هناء (26 سنة)، متزوجة منذ سبع سنوات، “قررت أنا وزوجي بعد أن يئسنا من إمكانية الإنجاب لأسباب صحية ألا ننفصل ونواصل حياتنا معا، وبدا لنا أن تبني طفل يملأ علينا البيت ويؤنس وحدتنا هو الحل الأفضل. تقدمنا بمطلب للقضاء لتبني طفل حددنا فيه سنه وجنسه وقدمنا كل الوثائق المطلوبة، ومنذ عامين ونحن ننتظر بالرغم من أنه تمت دراسة ملفنا وزارتنا مرشدة اجتماعية لتقديم تقرير يخص وضعنا المادي وأمضينا مدة طويلة نتلقى الوعود والتسويف وفي الأخير تم إبلاغنا بأن هناك مطالب وملفات كثيرة للتبني وأنه ستتم الموافقة حسب الأقدمية”.

مثيلات هناء كثيرات في تونس ومن الأزواج الذين يئسوا من الإنجاب والذين يرغبون في استمرار علاقتهم الزوجية معتبرين أن التبني حل يعوضهم عن الإنجاب فلا يحرمون من الأمومة والأبوة، لكن قانون التبني عوض أن يمثل الحل أصبح المشكلة التي يواجهونها.

وطالبت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بتسهيل إجراءات تبني الأطفال في تونس، مؤكدة أن الموانع الاجتماعية والقانونية تقف أمام طلبات التبني للأسر الراغبة في ذلك وتزداد الإجراءات القانونية صعوبة وتعقيدا إذا ما تعلق الأمر بغير المتزوجين والأجانب المقيمين في تونس. ومازالت الموافقة على التبني القانوني تقتصر على العائلات التونسية المحرومة من الإنجاب.

أميمة جبنوني: العائلات تتوجه مباشرة إلى الأمهات العازبات لطول مدة النظر في ملف التبني
أميمة جبنوني: العائلات تتوجه مباشرة إلى الأمهات العازبات لطول مدة النظر في ملف التبني

وبعد التحقق من توفر الشروط القانونية يصدر المشرّع حكمه النهائي، لكن العائلات التونسية تشكو من المدة الطويلة للنظر في طلباتها، الأمر الذي يدفع بعضها للتخلي عن قرار التبني. وقالت عضو الهيئة المديرة بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أميمة جبنوني إن “فترة الاستجابة لطلبات التبني تصل في المحاكم التونسية أحيانا إلى خمس سنوات”، داعية إلى التخفيض في هذه المدة لتمكين الأسر الراغبة في تبني أطفال من التمتع بهذا الحق.

وأضافت جبنوني لـ“العرب” أن “طول المدة يدفع عدة عائلات إلى التوجه مباشرة إلى الأمهات العازبات”، وهو ما يحول عملية التبني إلى ما يشبه المقايضة: منح الطفل مقابل مبلغ مالي. وعملية التبني المباشرة نتائجها غير مضمونة إذ بإمكان العائلة التراجع عن رعاية الطفل والتخلي عنه.

وللتصدي لهذه المتاعب وتوفير بيئة متوازنة للطفل ترى جبنوني أنه يجب تسهيل إجراءات التبني من خلال إشراف المعهد الوطني لرعاية الطفولة عليها. وهو ما يسمح للدولة بتتبع وضعية الطفل بعد انضمامه للعائلة وإن استطاع التأقلم أم لا. وتشير إلى أنه بات ضروريا تسهيل عملية التبني مع ارتفاع عدد الأطفال بمراكز الرعاية الاجتماعية وعدد الولادات خارج إطار الزواج.

وتأتي دعوات الحقوقيين في تونس إلى التسهيل في إجراءات التبني تماشيا مع التشريعات المطورة المقترحة في مجال الطفل على مستوى دولي.

وأكّدت نعيمة الجلاصي عضو الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في تصريحات لوسائل إعلام محلية أنّ التشريع التونسي يشكو نقصا في ما يتعلّق بقانون التبني وقانون الإيداع العائلي لسنة 1967، وفق ما أظهرته دراستان أجرتهما الرابطة مؤخرا.

وأشارت الجلاصي إلى ضرورة أن تكون القوانين مواكبة للتطورات ولا تشكو من نقائص، وانتقدت عدم السماح للمرأة العزباء بتبني طفل أو حرمان الأجانب من ذلك. ويمنع القانون التونسي تبني الأجانب لأطفال تونسيين رغم تقدم عدد منهم بمطالب تبني أطفال من ذوي الاحتياجات الخصوصية، ودعت الجلاصي إلى إعادة النظر في هذا القانون، خاصة مع محدودية مطالب العائلات التونسية التي عادة ترفض تبني أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويفسر الخبراء تردد الحكومة في قبول تبني الأجانب لأطفال تونسيين بعدم وجود ضمانات تحميهم. وأوضح مهيار حمادي المندوب العام لحماية الطفولة لـ“العرب” أن “هناك مخاوف من أن الطفل إذا غادر بلاده سيفقد علاقته بها كما يمكن أن يتعرض للاستغلال مع تزايد ظاهرة الاتجار بالأطفال”، ويتابع “لذلك لا يمنح القانون إلا للتونسيين الحق في التبني”.

غير أن رابطة حقوق الإنسان ترى أنه حماية لمصلحة الأطفال الفضلى يجب التفاعل مع طلبات الأجانب أو التونسيين بالخارج مع اعتماد إجراءات تحمي الأطفال من الاستغلال. وتخير الرابطة تربية الأطفال ذوي الاحتياجات الخصوصية في إطار أسري من شأنه أن يكون أكثر نجاعة مقارنة مع مراكز الرعاية العمومية.

وكشفت دراسة تشخيصية أنجزتها الرابطة حول حقوق الطفل ذي الاحتياجات الخصوصية والسند العائلي، أنه رغم تناغم الإطار التشريعي التونسي مع التشريعات الدولية على المستوى النظري إلا أن الواقع يكشف العديد من الإشكاليات المتصلة بالعوامل الثقافية والتمثيلات المنافية للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، كما يبدو غير ضامن لتكريس أبسط المعايير التي يجب التقيد بها عند التعامل مع هذه الفئة.

ويؤكد الخبراء أن تونس تجاوزت العائق الديني في قانون التبني إلا أن هناك صعوبات اجتماعية تصعّب العملية، إذ ترفض عائلات تبني أطفال من ذوي الاحتياجات الخصوصية وهو ما يكشف عن ثقافة التمييز. وقالت جبنوني “إن العائلة التونسية تريد طفلا سويا وهذا يعد شكلا من أشكال التمييز”.

21