أسر عربية تتمسك بالزواج من الأقارب حفاظا على الذرية والممتلكات من الغرباء

الأطفال يرثون الأمراض والآباء يتحملون المعاناة المادية والنفسية.
الأحد 2021/04/18
التقاليد الأمازيغية لا تختلف عن العربية في الزواج من الأقارب

تتمسك العديد من الأسر العربية بعادة الزواج من الأقارب رغبة في الحفاظ على العلاقات الأسرية وممتلكاتها من الغرباء، وعلى الرغم من التحذيرات الطبية المتواصلة من الأمراض الوراثية، إلا أن الظاهرة ما زالت شائعة في المجتمعات القبلية والأوساط الريفية المتمسكة بالأعراف والتقاليد العائلية والعشائرية التي تتوارثها الأجيال.

تطورت طرق التعارف والزواج بين الشبان والشابات، إلا أن سلطة العادات والتقاليد ما زالت تغذي ظاهرة زواج الأقارب رغم التحذيرات الطبية المتواصلة من التشوهات الخلقية والأمراض الوراثية التي قد يعاني منها الأطفال لسنوات طويلة، وترهق تبعاتها المادية والنفسية الأسر.

وساهم الانفتاح الاجتماعي والتحول الحضري والصناعي في السنوات السابقة في الحد من هذا النوع من الزيجات التقليدية بين الأقارب، لكنها لا تزال منتشرة بكثرة في المجتمعات القبلية والأوساط الريفية المتمسكة بالأعراف والتقاليد العائلية والعشائرية التي تتوارثها الأجيال.

وأظهرت إحصائيات دولية أن متوسط نسبة زواج الأقارب في العالم وصلت إلى 10 في المئة، فيما بلغت النسبة أكثر من 50 في المئة في الدول العربية، وخاصة بين الأقارب من الدرجة الأولى.

وفي معظم المجتمعات العربية تفضل الكثير من الأسر الزواج بين الأقارب من الدرجة الأولى للمحافظة على الذرية وعدم مشاركة ثرواتها مع الغرباء.

وكشفت دراسة عربية أن نسبة تدخُّل الأهل في قرارات زواج أبنائهم تصل إلى 37.5 في المئة من أصل العيِّنة البالغة 3500 أسرة، وبنسبة 50.3 في المئة بالنسبة إلى قرار زواج الفتيات.

ويختلف قرار الزواج من الأقارب في العالم العربي من دولة إلى أخرى، ففي تونس على سبيل المثال لا يبدو الزواج من الأقارب لدى الغالبية العظمى من الشباب في صدارة الاهتمامات والشروط المطلوبة في شريك الحياة، وحجهتم في ذلك أن القرابة الدموية بين الزوجين لا يمكن أن تضمن السعادة والتوافق في العلاقة بين الزوجين.

كما يرفض الكثيرون مثل هذا الصنف من الزواج لكونه محاطا بالكثير من المخاوف المرتبطة بالأمراض الوراثية.

سامية باللطيف: ستمئة ألف مواطن تونسي يعانون من أمراض نادرة
سامية باللطيف: ستمئة ألف مواطن تونسي يعانون من أمراض نادرة

أعراف لا يمكن تجاوزها

رغم ذلك تشير الإحصائيات الرسمية التي أعلنت عنها سامية باللطيف المسؤولة عن فضاء الحمض النووي في ندوة علمية نظمتها مدينة العلوم بتونس أن 600 ألف مواطن تونسي يعانون من 600 مرض نادر، من بينها 72 مرضا وراثيا.

وقالت باللطيف إن 72 في المئة من الأمراض النادرة تظهر في مرحلة الطفولة، و65 في المئة من هذه الأمراض مصنفة خطيرة وتعيق نمط العيش.

وحثت الأخصائية في الأمراض الوراثية منيرة المؤدب كل المتزوجين الذين يحملون جينات وراثية لأحد الأمراض النادرة على القيام بالتشخيصات اللاّزمة للزوجة قبل وأثناء حملها للتأكد من سلامة الجنين والقيام بعملية الإجهاض في الوقت المناسب إن استدعى الأمر ذلك.

ومن جانبه شدد الأخصائي في الأمراض الجلدية نجيب الدوس على ضرورة تطوير الآليات الكفيلة بالقطع مع ثقافة الزواج من الأقارب أو على الأقل الحد منها، باعتبار أنها من أبرز العوامل المعززة لانتشار مختلف الأمراض الوراثية وعلى رأسها الأمراض النادرة.

نجيب الدوس: يجب القطع مع ثقافة الزواج من الأقارب أو الحد منها
نجيب الدوس: يجب القطع مع ثقافة الزواج من الأقارب أو الحد منها

وروت امرأة تونسية معاناتها لـ”العرب”، وكيف أنها شعرت كما لو أنها كانت ملك عائلتها التي أجبرتها على الزواج من ابن عمها في سن صغيرة حتى لا يرث الغرباء ما تملكه العائلة من أرض وأموال، رغم أنها كانت تأمل في مواصلة تعليمها والذهاب إلى الجامعة، إلا أن والديها دفعاها إلى الزواج من ابن عمها قبل أن تنال الشهادة الثانوية.

ولأنها ولدت وترعرعت في وسط أسري تحكمه أعراف وتقاليد لا يمكن تجاوزها، لم تستطع هذه المرأة التي فضلت عدم ذكر اسمها رفض الزواج وباتت زوجة لابن عمها الذي لم يتسنّ لها قضاء وقت معه بمفردهما، وكان عمرها 18 عاما حينها أما هو فكان يبلغ 35 عاما.

وتستعيد المرأة التونسية القاطنة في مدينة غمراسن التابعة لمحافظة تطاوين بالجنوب التونسي ذكرياتها بقولها “لم أكن أعرف ماذا أفعل فقد كنت غير مهتمة بالزواج أو ما شابه، وطلبت من والدي تأجيل الزواج وإتاحة الفرصة لي لإتمام دراستي إلا أنهما لم يقبلا ذلك”.

وأضافت “لم يفكر والداي بالمخاطر ولم يتبادر إلى ذهني أن أطفالي سيرثون مرضا نادرا جراء زواجي من ابن عمي، ولكن بسبب تجربتي أصبح معظم أقاربي الآن أكثر وعيا وحذرا بشأن الزواج من العائلة”.

وتابعت “قبل سنوات رضخت إلى ما قاله والداي ولكن الآن أصبح لدى أقاربي وعي أكبر بمخاطر الاقتران بالأقارب، ولديهم خيار للرفض”.

أمراض وراثیة متجذرة

Thumbnail

لا تعد تونس استثناء، ففي المملكة العربية السعودية كشفت إحصائيات رسمية أن نسبة الزواج بين الأقارب تصل إلى 60 في المئة، وهو الأمر الأكثر تسببا في الأمراض الوراثية.

وسلطت دراسة علمیة حدیثة أجراها مستشفى الملك فیصل التخصصي ومركز الأبحاث بالریاض الضوء على أمراض وراثیة متجذرة في المجتمع السعودي بسبب تقاليد الزواج من الأقارب المتوارثة عبر الأجيال.

وأظھرت الدراسة التي أجریت على عينة تتكون من 205 عائلات سعودیة یعاني أطفالھا من اعتلال في القلب إصابة 54 في المئة ممن شملتھم الدراسة باعتلالات قلبیة وراثیة مختلفة ومتعددة، إضافة إلى وجود 7 مورثات جدیدة لم یسبق أن وصف ارتباطھا بأمراض القلب.

وأوضح استشاري الأمراض الوراثیة والباحث الرئیسي في الدراسة الدكتور زھیر الحصنان أنه تم تتبع التاریخ الوراثي للعائلات التي خضعت للدراسة، مشيرا إلى أن الدراسة وضعت خارطة طریق لمعرفة الأسباب الوراثیة، التي تقف خلف كثیر من الاعتلالات القلبیة لدى الأطفال في المجتمع السعودي.

عبدالله العلويط: زواج الأقارب دليل على أن الناس ما زالوا متقوقعين على أنفسهم
عبدالله العلويط: زواج الأقارب دليل على أن الناس ما زالوا متقوقعين على أنفسهم

واعتبر الباحث الشرعي السعودي عبدالله العلويط أن زواج الأقارب يعد دليلا على أن الناس ما زالوا متقوقعين على أنفسهم ويوحي بعدم الاندماج مع الآخرين وهو من سمات المجتمعات التقليدية التي لم تأخذ حظها من التحديث، مشددا على أن التحديث ليس فقط في الآلات، وإنما أيضا في المفاهيم.

وقال العلويط لـ”العرب” إنه “كلما كان الزواج من الأبعد فإنه يكشف عن حجم اندماج فئات المجتمع مع بعضها، لكن في بعض الحالات فإن هناك من يتشدد في ذلك كما لو أن هذا الأمر أشبه بالعقيدة”.

وأضاف “إن ثبت من خلال الفحص الطبي احتمال حصول أمراض وراثية فلا بد من إيقاف الزواج، وعموما لو استحدثت أنظمة تحد من ذلك فهذا جيد، أو استحدثت أنظمة تسمح بزواج الفتاة بشكل استثنائي من الشخص الكفؤ من خلال جهات أهلية أو حكومية فهو جيد أيضا”.

 وأوضح العلويط أن بعض العائلات تريد حصر الزواج داخل الأقرباء لغرض إبقاء ممتلكاتها داخل العائلة، وذلك ينتج عن الاعتقاد بأن المرأة إذا تزوجت برجل غريب يذهب مالها إلى زوجها وتصبح جزءا منه وما ترثه من أسرتها يكون له، مشددا على ضرورة فك هذا الارتباط الشرطي بين الأمرين لأن المرأة ليست تبعا لزوجها وعليها أن تحفظ مالها من دون ضغوط أو قيود.

وعلى الرغم من المخاطر الصحية التي قد تنتج عن زواج الأقارب والمتمثلة في الأمراض الوراثية والتحذيرات الطبية المتواصلة، لا تزال نسبة كبيرة من الأسر محافظةً على معتقداتها التقليدية بشأن مصاهرة الأقارب لإيمانها الراسخ بأهمية النسب في توطيد الروابط الأسرية والمحافظة على الثروات والممتلكات.

وكشف المركز العربي للدراسات الجينية في دراسة سابقة أن قرابة نصف الزيجات في منطقة الخليج العربي تتم بين الأقارب.

غير أن تسارع عجلة التحول الحضري والصناعي والتكنولوجي في السنوات الأخيرة ساهم بشكل كبير في الحد من ظاهرة زواج الأقارب في عدة مجتمعات بسبب نمو الوعي العام بالمخاطر الصحية واتساع حيز الحرية الشخصية، وتزايد أعداد الشبان والشابات الذين يختارون شركاء حياتهم دون الوقوع تحت تأثير الأسر.

21