أسطرة الجمال في ديوان "الأيام ليست لنودعها" لعبده وازن

في مجموعته الشعريّة الجديدة “الأيّام ليست لنودّعها”، الصادرة عن “دار الجمل” ببغداد وبيروت (2015)، لا تقف قصيدة الشاعر اللبناني عبده وازن عند تخوم اللغة، بل تتوغّل في العمق الشعريّ، إذ ثمّة مزج حميم بين الواقعيّ والأسطوريّ في الآن معا، كذلك ثمّة ابتكار حقيقي لعوالم مغايرة ومبتكرة تدنو من أسطرة الجوانب الجماليّة من الوجود والموجودات، ولا سيما أسطرة الجمال نفسه، الكامن في الأشياء جميعا، المرئيّة منها واللامرئيّة أيضا.
السبت 2015/08/15
المجموعة تتوغّل في العمق الشعريّ عبر مزج حميم بين الواقعيّ والأسطوريّ

تنشغل قصيدة عبده وازن في مجموعته “الأيّام ليست لنودّعها”، الواقعة في 168 صفحة من القطع المتوسط، بالغنائيّة ذات النفس العميق والمدّ الخاطف، الغنائيّة “الصامتة/ الصادمة” لا الصارخة، والمتداخلة مع مفردات الطبيعة البدائيّة ببراءتها وعفويّتها، دون أن تستثنى من ذلك مفردات الحياة المعاصرة من اختراقها لأجواء القصيدة، “البنادق” مثالا؛ كما في قصيدة “ورود وبنادق”.

قصائد “الأيّام ليست لنودّعها”، المجموعة الخامسة في رصيد الشاعر وازن، تغرف من شعريّة التصوّف، ذاك الإرث المذهل بصفاء عباراته وحِكمه، والعابر للزمان والمكان، دون أن يفقد دهشته المرجوّة حتى وقتنا الراهن. من هنا يؤسس وازن لقصيدته ضمن سياق مواز ومتمّم لأجواء السلف، وهو المطلع والمبحر في أدب التصوّف، (سبق وأن أصدر ديوان الحلاج “تحقيق وتقديم” سنة 1998).

ولعلّ توظيف تقنيّات شعريّة ولا سيما “الترصيع″ الذي يوردها أبي الفرج قدامة بن جعفر في كتابه “نقد الشعر” وفيها (يتوخّى تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه أو من جنس واحد في التصريف)، لكنها هنا تكون داخل القصيدة ككل بدلا من البيت الواحد، كما في قصيدة “سقوط”، حيث نجد تقابل حاستي السمع والبصر في المقطعين الأوّل والثاني، يقول: “كمن يسقط/ دون أن يبصره أحد/ رجل عن شرفة/ ملاك عن غصن/ امرأة في قلب مرآة/ كمن يسقط/ دون أن يسمعه أحد/ مزهريّة عن نافذة/ شجرة في أوج غفوتها/ عصفور ضاقت به السماء”.

سمة أخرى نجدها لدى الشاعر وازن وهي العناية باللغة المشهديّة، المشهديّة البصريّة للصور والعبارات، القريبة من لغة التشكيل والرصد التفصيلي المتواتر والمباغت، والمؤسسة على أبجدية السيناريو وتقنيّاته، كما في قصيدة “عزلة”، وفيها يقول “الكتاب المفتوح على الطاولة/ لا تكسر عزلته نظرة/ الأصابع التي قلّبت صفحاته/ لم يبق لها أثر/ العينان اللتان مرّتا فوق الحروف/ لم تتركا ضوءا/ ربما طيف ينحني فوقه/ ربما روح تحلّق من حوله./ الكتاب المفتوح/ صفحاته بلا أرقام/ على الطاولة القديمة/ يستلقي بهدوء/ صمته لم يعتكر مرّة./ الصفحة المفتوحة الآن/ سيطويها الهواء غدا”.

إلى جانب قصائد قصيرة غاية في التكثيف والاختزال اللفظيّ، من مثل “ظل” و”صندوق” و”كآبة” و”أزهار” و”سأم” و”طباق” و”مفارقة” و”وردة” و”قبل” و”جدليّة” و”عبث” و”جلبة” و”نوم”؛ ثمّة قصيدة واحدة طويلة (23 صفحة من أصل 168)، هي قصيدة “النائمة”، مختلفة ومغايرة عن باقي قصائد المجموعة من حيث الشكل والمضمون، وإن بدت متوافقة مع أجواء القصائد من حيث اللغة وتركيبة الجمل، لكنها أكثر سلاسة وحنكة وحميميّة، هذه القصيدة المهداة إلى ليليان.. سوسنة الصباح التي سقطت في مهوى الأربعين! نجد فيها روح المرثيّة الشفيفة إلى جانب الوصف الجماليّ الزاخر بالغزل الرقيق، في تداخل إشكاليّ ومحكم السبك.

جدير بالذكر أن الشاعر وازن من مواليد عام 1957 في الداكونة ببيروت، يعمل في الصحافة الثقافية منذ 1979. سبق وأن صدر له؛ في الشعر “أبواب النوم، سراج الفتنة، نار العودة، وحياة معطّلة”. وفي النثر “حديقة الحواس، قلب مفتوح، الفتى الذي أبصر لون الهواء، وغرفة أبي”.

17