أسطورة أردوغان ومصير الإسلام السياسي العربي

الخميس 2014/01/16

الإسلام السياسي مجرد أحزاب سياسية طائفية، تُسخّر الدين لخدمة وصولها إلى السلطة، وبعدها تحاول التحكّم والضبط والهيمنة على الدولة والمجتمع بكافة مستوياته؛ هذا ما فعله أردوغان حينما وصل إلى السلطة عام 2002، أبعد الجيش عن الدولة، وانفرد حزبه بقيادة الحكومة، وفرض سيطرة على القضاء؛ وبذلك كاد أن يُنهي سيطرة الأتاتوركية، كقوانين وجيش وقضاء وتعليم ودور للدين وحياة عامة، على المجتمع، وإحلال الأردوغانية، التي تستند إلى إرث العلمانية، وتعمل على تغيير جزئي ومستمر ومتواصل فيها، بما لا ينهي العلمانية ويستفيد من ثمراتها في الدولة العميقة والمستقرة. يمنعه عن ذلك قوة ما أشرنا إليه، ووجود قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية فاعلة ورافضة للأسلمة “العلمانية”.

قوة أردوغان متأتية من تعاونه مع حركة خدمة، منذ عام 2002، حيث فرض استراتيجيته الجديدة على الدولة، وكانت مصالح خدمة أو حركة غولن غير متضررة بالمعنى الدقيق، وبالتالي كان التحالف الواقعي بينهما قائماً على إدارة الدولة عبر سيطرة حزب أردوغان، أي التنمية والعدالة الإسلامي، وإتاحة الفرص الاستثمارية وغيرها كاملة أمام حركة خدمة.

أشيع كلام كثير عن نزاهة يد حكم أردوغان، وأنّه البديل النزيه عن ممثلي العلمانية الفاسدين، وهذا كان يتلازم مع فرض أردوغان سيطرة شبه شمولية على القضاء والصحافة والشرطة بل والتعليم، حيث ومع فضيحة الفساد الأخيرة، تبيّن مدى سَطوته على الشرطة والقضاء، فأوقف استمرار التحقيقات وأبعد أكثر من خمسين شخصية مكلفة بمتابعة ملف الفساد هذه، ولاسيما بعد وصولها إلى ابنه بلال، وربما إلى مراكز أكثر حساسية في حكومته.

فساد حكومة أردوغان أدى إلى تغيير حكومي واسع شمل عشرة وزراء، واهتزاز كامل في شخصية أردوغان القويّة، وفتح المجال واسعاً لإنهاء أسطورة الإسلام السياسي النظيف اليد، وهو ما سيظهر في انتخابات البلدية في آذار القادم، وفي الرئاسة في 2015، ليتوضح أن حزب التنمية والعدالة وأردوغان وحكومته، غارقون في الفساد، بل وحاولوا فرض سيطرة أقرب للشمولية على كامل مفاصل الدولة.

إذن، ما منع ذلك قوة الدولة الأتاتوركية، واختلاف المصالح بين أردوغان وحليفه التاريخي فتح الله غولن، حيث فضح الأخير ملفات الفساد خاصة بعد محاولة أردوغان إغلاق مشاريعه التعليمية الخاصة التي تدرّ مالاً وفيراً، ومحاولة تحجيم نفوذه، الذي يتزايد منذ قرابة عقدين؛ الآن ورغم ما أحدثه أردوغان من تغيرات هامة في الاقتصاد وفي شكل علاقة الجيش بالدولة وفي الملف الكردي، فإن أردوغان بدا رئيساً لحكومة فاسدة، ولإسلام سياسي، لا يختلف في إمكانية شيوع الفساد فيه عن بقية القوى السياسية القديمة، وبالتالي انتهت أسطورة الحزب النظيف اليد، ليتبين أنّها يد ملوثة ككل الأيادي.

سبق أردوغان إلى السقوط سقوط كل الإخوان المسلمين في مصر، حيث لم يقدموا أي حل لأية قضية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، بل وتبيّن أنّهم لا يختلفون عن مبارك في العلاقات مع أميركا وإسرائيل، ولم يشذّوا عنه حتى في محاولة السيطرة على مفاصل الدولة وفي إعطاء السيد مرسي لنفسه دوراً أكبر في سلطاته حتى من مبارك نفسه، وهو ما عمّق الثورة الشعبية قبل التحرك ضده؛ وقد لعب السيسي والجيش السياسة بشكل دقيق واستطاعوا القيام بتحرك عسكري مستفيد من أجواء الغضب ضد الإخوان، والبدء بالإجهاز على بقايا ثورة 25 يناير، التي ستتجدد لاحقاً، ليس ضد الجيش فقط بل وضد الإخوان، ليبدأ فصلٌ جديدٌ في تاريخ مصر، حيث الثورات الشعبية لا يمكن لأحد أن يسيطر عليها، لا باسم الدين ولا باسم المدنية وسواها.

في تونس لم يختلف المصير كثيراً عن مصر، حيث باءت محاولات النهضة السيطرة على الدولة التونسية بالفشل، بحكم ضعفها إزاء قوة النقابات والمجتمع السياسي والمدني، وبسبب عدم تقديمها أية حلول لمشكلات تونس، بل وسمحت للسلفيين بالتمدّد، وبالتالي تجدّدت أسباب الثورة، ولم تتوان منطقة سيدي بوزيد وسواها عن الإضرابات من جديد، وطال التشهير حتى حليفهم في السلطة “أبو حقوق الإنسان” في تونس السيد المنصف المرزوقي نفسه، وبالتالي فشلت النهضة، وأزيحت الغشاوة عن أعين التوانسة، وبدت النهضة حزباً سياسياً فاشلاً، يدير السياسة ككل القوى السياسية؛ وبالتالي لا تضيف الأسلمة لممثليها أبعاداً فوق بشرية، بقدر ما تظهرهم عراة من كل ما هو فوق بشري وسياسيين فاشلين يشبهون البقية حيث لا يعون حاجات الشعوب، وكيفية تدبرها، والبدء في مشاريع متعددة المستويات، متلازمة بتضحيات حقيقية من أجل إنهاض المجتمعات بأكملها.

في سوريا، فشل الإخوان في قيادة المجلس الوطني والائتلاف، ولم يستطيعوا تقديم أنفسهم طامحين للسلطة كبديل عن السلطة الحالية. وفي السودان انتهى البشير ليكون أسوأ مثال عن حكم إسلامي منذ تحالفه مع الترابي. وإلى الآن يحكم البشير بالحديد والنار كل تحرّك احتجاجي أو في بلد مرشّح لتقسيم آخر.

وبالتالي تظهر حكومات الإسلام السياسي أنّها ليست مختلفة جدياً عن بقية أشكال الحكم التابعة والضعيفة والفاسدة، ولا تملك أيّة ميزات إضافية حقيقية عن بقية الحكومات الأخرى؛ وهو ما يوضح نهائياً أن الإسلام السياسي، لن يتمكن مجدداً من استخدام المظلومية السياسية والدينية ضد أنظمة الحكم “الدنيوية” و”العلمانية” لأنّه شبيهها، في الفساد والفشل والتحكم والشمولية وقتل الناس.

هذه المقدمات توضح أن نظام أردوغان لم يعد مثالاً يحتذى، بل أن كافة أشكال الحكم الإسلاموي، لم تعد تُغري الشعوب في الإذعان لها، والانقياد لأرائها وسياساتها، وأصبحت الشعوب وبعد إسقاط أشكال الأنظمة القديمة والإسلامية تبتغي أشكالاً جديدةً؛ وهي ليست محددة المعالم سلفاً، سيما وأن أردوغان نفسه وبقية أشكال الحكم الإسلاموي، لم يستنفذوا فرصهم كاملة، وفي مصر، لا يزال الشعب بعيداً عن تنظيم صفوفه جيداً، ولم يتقدم بنقاباته وأحزابه المستقلة والواعية لمصالح الشعوب؛ وبالتالي لا تزال الفرص ممكنة لتلك القوى بالتجديد، بل حتى لبعض ممثلي الأنظمة القديمة السابقة للثورات.

أردوغان الذي كان مثالاً للشعوب العربية ورفع من شأن الإسلام السياسي تراجعت شعبيته تماماً، والإسلام السياسي العربي الذي استغل الثورات فشل في انتهازيته هذه، والتاريخ الآن ينفتح نحو حراك سياسي جديد، لا تزال معالمه غير محددة ولكنها مبثوثة في حاجات الشعوب وضرورات التنمية.


كاتب سوري

8