أسطورة أورفيوس ويوريديس في ثوب معاصر

تمثل “ظل” التي تعرض حاليا على خشبة “مسرح الهضبة” بالعاصمة الفرنسية باريس، لقاء فريدا بين امرأتين حاميتي الطبع، هما النمساوية ألفريده يلينيك الثائرة على المجتمع البطريركي، والبريطانية كاتي ميتشيل المتمرّدة على البنية المسرحية الكلاسيكية، حتى ولو كانت قراءة جديدة لأسطورة أورفيوس ويوريديس كما هي الحال في هذا العمل.
الاثنين 2018/01/29
"سيني لايف" على الخشبة

من النادر أن يَحْظى كاتب باهتمام القرّاء والنقاد على نطاق عالمي، ويُقابَل بالرفض والكراهية في موطنه الأصلي، حدث ذلك مع الكتّاب البيض في جنوب أفريقيا العنصرية، ومع بعض كتاب أميركا اللاتينية في المنفى، ومع المنشقّين الروس في الاتحاد السوفييتي البائد، ولكنّ كتبهم كانت تلقى إقبالا شديدا من قبل القرّاء، برغم الرقابة المشدّدة التي كانت تمنع تداول تلك المؤلفات.

ولم يحدث أن قوبل كاتب في إحدى البلدان الغربية بما تُقابَل به الكاتبة النمساوية ألفريده يلينيك، برغم شهرتِها العالمية، وحصولها على جائزة نوبل للآداب عام 2004، فهي تنعَت في بلادها باليسارية الفاشية، وتقام ضِدّها مظاهرات الاحتجاج كلّما عُرضت لها مسرحية، أو صدر لها عمل جديد.

والسبب أنها تكتب بجرأة وتنتهك المحرّمات، وتنتقد مظاهر الحياة في المجتمع الغربي بعامة، والنمساوي بخاصة، وتنبش تاريخه النازي. وطبَعت يلينيك آداب اللغة الألمانية ومسرحها أكثر من أيّ كاتب آخر، إذ نجحت في نحت لغة خاصة بها، تستخدمها سلاحا ضد مساوي المجتمعات الحديثة، ما أهّلها للفوز بأهمّ الجوائز الأدبية في ألمانيا، حيث أحرزت جائزةَ جورج بوخنر عامَ 1998 وجائزةَ هاينريش هاينه عام 2002.

ومن أعمالها الروائية نذكر “العاشقات” و”المستبعَدون” و”شَبَق” و”أبناءُ الموتى” و”عازفةُ البيانو” التي حوّلها المخرج النمساوي ميكائيل هانكه إلى شريط سينمائي متميّز، فاز بالسّعفة الذهبية لمهرجان كان عام 2001. أما أعمالها المسرحية، فأبرزها “عندما هجَرت نورا زوجَها” و”كلارا سين” و”نساءٌ عصريّات” و”في بلد السحاب” و”ظلّ أو يوريديس تتحدث” التي بين أيدينا.

وهذه المسرحية أقدمت كاتي ميتشيل على إعدادها لفرقة شوبونه البرلينية، بلغتها الأصلية، أي الألمانية، رغم أنها لا تتقنها جيدا، ولكنها استطاعت بجرأتها المعهودة أن تتخطى عائق اللغة مثلما تخطت من قبل كل الحواجز.

ألفريده يلينيك تكتب بجرأة وتنتهك المحرمات وتنتقد مظاهر الحياة في المجتمع الغربي بعامة، والنمساوي بخاصة

وممّا يذكر أنها كتبت إلى بيتر بروك فور تخرّجها من جامعة أوكسفورد في أواسط الثمانينات ترجو لقاءه في مسرح “البوف دوي نور” بباريس الذي يديره، فلما حدّد لها موعدا، قابلته في الصباح، وشاهدت بعد الظهر آخر عرض للبولندي تادوش كانتور، واكتشفت في المساء الألمانية بينا بوش في باليه من الرقص المعاصر بعنوان نلكين، فكان أن فتح لقاؤها بعمالقة ثلاثة في يوم واحد عينيها على الأساليب الحديثة لمقاربة الفن المسرحي، ولو كان من الكلاسيكيات المأثورة.

والمعروف أنها تسعى دائما إلى تجاوز النص، فالنص كما تقول هو مكوّن من مكونات الأداء، إلى جانب الضوء والصوت والديكور والحركة والفيديو، أي أنه نقطة انطلاق، وليس غاية في حد ذاته، وفي رأيها أن ثمة عددا كبيرا من الإمكانات لإخراج مسرحية لشكسبير، أيسرها إكساء الممثلين بأزياء القرن السادس عشر، ولكن ثمة أساليب أخرى كما هو الشأن مع الألماني توماس أوسترماير الذي يتوخى تفكيك النصوص.

وفي هذه المسرحية قراءة بعيون معاصرة لأسطورة أورفيوس الشاعر الفنان الذي يفشل في انتشال زوجته يوريديس من نيران الجحيم، فأورفيوس هنا هو مغني روك له حظوة لدى شبان مراهقين يتعاطون مثله الخمر والمخدرات، ما جعله يتعالى على زوجته يوريديس، ويلقاها دائما بفتور تام، ويعاملها كشيء من الأشياء التي تؤثث بيته، والحال أنها كاتبة، تفكر وتبدع.

فلما لسعها ثعبان على عين غرة، وماتت، قرّرت أن ترفض مواصلة أداء دور “المرأة الأداة” الذي يريده لها زوجها، وتفضّل الجحيم على العودة إلى الفنان المعبود، مهما سعى. وقد أبدع الممثل ريناتو شوش في تقمص دور أورفيوس وهو يعبّر عن خيبته إذ رأى تلك التي كان يملكها كما يملك أشياءه تنفلت من بين يديه، مثلما نجحت ستيفاني أيدت في تجسيد يوريديس وقد بدت صوتا منفصلا عن جسده، وهي حبيسة غرفة تسجيل على حافة الخشبة، تروي كيف تخلّت عن هوايتها لتكون قريبة من حبيبها، تعيش معه في ما يشبه الاستسلام، تلبي رغباته، وتشاطره أمنياته وأحلامه، وترافقه في عروضه الموسيقية، وتنفعل بانفعالاته، ثم تقرّر ترك كل ذلك، لتلوذ بعالم الصمت، وظل مملكة الموتى التي ما عادت تريد هجرها.

وكاتي ميتشيل تقتفي أثر شخصياتها على إيقاع الكتابة اللاهثة التي تمزج بين المسرح والسينما، حيث تتبدى أضواء تنير سيارة كوكسينيل تنهب الطريق، ثم مصعد يقود إلى متاهات من الأروقة، حيث مملكة أديس… كل ذلك يجري تصويره مباشرة عن طريق فريق تصوير يقف على حافة الخشبة مثل استوديو، ويبث ما يصوّره على شاشة تعتلي خشبة يتناوب عليها أربعة ممثلين ونحو خمسة عشر تقنيا يقتفون خطاهم حيثما حلّوا، ويلتقطون حركاتهم وسكناتهم وكلماتهم المنسابة بالألمانية مع تنصيص خطي بالفرنسية، على طريقة البث المباشر أو “سيني لايف”، وهي التقنية التي دأبت عليها ميتشيل.

16