أسطورة "الجيش المقدس" تهدد الديمقراطية الأميركية

ثقة المواطنين الأميركيين في الجيش تصل إلى أكثر من ضعف الثقة في الرئاسة وستة أضعاف الثقة في الكونغرس.
الجمعة 2018/10/05
الإحباط من الساسة يمنح الثقة للجيش

واشنطن - في ظل ما شهدته الولايات المتحدة على مدار الأعوام الـ17 الماضية منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 من أحداث أمنية استدعت تدخلات عسكرية على عدة جبهات، بذل الجيش جهودا واسعة عنوانها العريض “حماية أمن الأميركيين”، غير أن التطورات السياسية والنزاعات الدائرة بالشرق الأوسط أثارت تساؤلات حول مدى التوازن بين الخبرات العسكرية والمدنية، والذي يراه خبراء بمثابة صمام الأمان للديمقراطية الأميركية.

حاولت مجلة فورين بوليسي الأميركية الإجابة عن هذه التساؤلات في مقال تحليلي نشرته مؤخرا تحت عنوان “تقديس الجيش يضر الديمقراطية”. واستنتجت المجلة أن الفجوة بين الخبرات المدنية والعسكرية في الولايات المتحدة على مدار 17 عاما منذ سبتمبر 2001 أدت بشكل تدريجي إلى ظهور آراء تشير إلى تآكل الثقة في القيادة المدنية لسياسة الدفاع في البلاد لصالح القيادة العسكرية.

وتشكلت هذه الآراء من واقع التفضيل الفائق للجيش على كافة أنواع أذرع الخدمات العامة الأخرى في البلاد، حتى أن الخبرة الميدانية في ساحات المعارك باتت الأكثر موثوقية لخبرات السياسة العسكرية، فيما بدت الخلفية المدنية الخالصة غير كافية للقيادة الدفاعية الإستراتيجية في الولايات المتحدة.

وباتت هذه الآراء تغذيها كل من المجتمعات العسكرية والمدنية على حد السواء، وأصبحت تؤثر على الرأي العام وكذلك مواقف العاملين في مجال الأمن القومي.

Thumbnail

وتحولت إلى ما يشبه الأساطير (تقديس الجيش) لكنها أساطير هدامة أكثر منها بناءة، وإذا لم يتم الاعتراف بها وتحديدها ومعالجتها، فقد يواجه القادة المدنيون في المستقبل صعوبة في السيطرة على استخدام القوة، وهي مشكلة عميقة في نظام ديمقراطي. حيث أن الأسطورة التي يؤمن بها معظم الأميركيين هي فكرة أن الخدمة العسكرية تتصدر التسلسل الهرمي للواجبات المدنية.

إلا أن اهتزاز الثقة في القيادة المدنية سيؤدي إلى إضعاف الأمن القومي للولايات المتحدة بل والجيش نفسه.

وقد كشف استطلاع للرأي أجراه مركز “بيو” للأبحاث (مقره واشنطن) عام 2011 أن 83 بالمئة من البالغين الأميركيين يعتقدون أن الأفراد العسكريين وعائلاتهم اضطروا إلى تقديم تضحيات منذ 11 سبتمبر، لكن في الوقت نفسه، اعتقد أقل من نصف السكان أن الرأي العام الأميركي يشاطر العسكريين عبء الحرب.

وتبعا لذلك بدأ هذا المفهوم يشكل تصورا بوجود عجز في الجانب المدني من المجتمع الأميركي. وبدأت فكرة “تقديس الجيش” تتغلغل في ثنايا المجتمع الأميركي بمختلف قطاعاته حتى أنها وصلت إلى مجال الإعلانات التلفزيونية عن الأحداث الرياضية المهمة، بل والإعلانات التجارية التي غالبا ما تتضمن مشاهد عن أفراد من الجيش أثناء تأديتهم الخدمة.

وامتد الأمر إلى منح الأفضلية للمحاربين القدامى في رحلات السفر الجوية، حيث تُعطى لهم الأسبقية في صعود الطائرات، كما تقدم سلاسل المتاجر عروضا خاصة لهؤلاء المحاربين دون غيرهم، كذلك فإن قضايا المحاربين تتصدر أولويات العطاء الخيري للعشرات من المؤسسات الخيرية الكبرى.

وبدا التعبير عن الامتنان للخدمة العسكرية، لا سيما في زمن الحرب، هو ببساطة الشيء الصحيح الذي يجب أن يفعله المجتمع الأميركي، لكن في المقابل فإن الإعجاب بالخدمة العسكرية يتجاوز احترام المؤسسات الأخرى على المستوى الوطني وأشكال الخدمة الأخرى.

Thumbnail

وتضيف فورين بوليسي أن قدامى المحاربين أنفسهم مستاؤون من تلك المسألة ولا يستمتع الكثيرون بذلك. ونقلت عن كارل فورسلنغ، أحد المحاربين القدامى قوله “لا أريد الصعود على متن الطائرة أولا، ولا أريد مقعدا من الدرجة الأولى ولا أريد الدخول المجاني إلى المتنزهات الترفيهية”.

وكشف استطلاع للرأي أجراه معهد “غالوب” (مقره واشنطن) عام 2017، أن ثقة الأميركيين في الجيش تصل إلى “أكثر من ضعف الثقة في الرئاسة وستة أضعاف الثقة في الكونغرس”.

وتعني هذه الاتجاهات مجتمعة أن احتكار الجيش للثقة العامة قد يولد إحجاما عن مشاركة المدنيين في العملية الإستراتيجية العسكرية، وفي المقابل تغلغل الجيش في الحياة المدنية.

ومما لا شك فيه أن الخبرة العسكرية  فكرة فريدة من نوعها، لكنها لا تعني كل المعرفة، إذ بينما يتقن العسكريون بعض المجالات ذات الصلة بجوانب القتال أكثر من غيرهم من المدنيين، فإن هناك مجالات أخرى يستطيع فيها هؤلاء المدنيون الإسهام بجانب جيد. على سبيل المثال، يستطيع المدنيون الذين يقضون أوقاتا في ساحات الصراعات كصناع سياسة أو باحثين أو ضمن فرق عمل منظمة غير حكومية أن يقدموا رؤية أوسع للصورة الإجمالية.

وتعود هذه الثقة المفرطة في الجيش لأسباب منها إحباط قطاع كبير من الشعب من قادته السياسيين، إذ أن الأميركيين باتوا يتشوقون لرؤية “أبطال” لرفع معنوياتهم.

وأوصت فورين بوليسي بأنه “من الأفضل أن يقوم المجتمع الأميركي ببناء سياسات أفضل وإعداد سياسيين أكثر حنكة وليس فقط إسناد أدوار غير عسكرية إلى عسكريين مخضرمين”. وخلصت إلى القول إن “التنازل عن القيادة المدنية يعني التنازل عن الديمقراطية نفسها”.

6