أسطورة برنامج الرئيس بوتفليقة

الجمعة 2017/06/23

ترأس الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الأربعاء الماضي اجتماع الحكومة الجديدة التي تشكلت مباشرة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في الأسابيع القليلة الماضية وبهذه المناسبة عاد إلى الواجهة مجددا ما يسمّى ببرنامج الرئيس، فما هو هذا البرنامج؟ وما هي مضامينه وأهدافه؟ ولماذا لم يتحقق منه سوى بعض الترقيعات الطفيفة حتى يومنا هذا، وذلك منذ انتخاب الرئيس بوتفليقة للمرة الرابعة، والدليل على ذلك هو استمرار الأسباب التي أنتجت الأزمة المركبة التي تتخبط فيها الجزائر بكل أبعادها المادية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والأخلاقية والسياسية، فضلا عن تفاقم المشكلات النمطية مثل البطالة وتدني مستوى المعيشة وكذا عدم إيجاد حلول جدية لقضية السكن المزمنة.

ثم لماذا تتغنى الحكومات المتعاقبة وأحزاب السلطة بهذا البرنامج رغم أنه ليس سوى شعارات وعموميات؟

ينبغي سرد العناصر الأساسية التي يتكون منها برنامج الرئيس بوتفليقة التي كررها الأربعاء الماضي التقرير الصادر عن رئاسة الجمهورية مباشرة بعد اجتماع الحكومة التنفيذية ونشرتها وسائل الإعلام الجزائرية كاملة، كما دارت حولها بعض المناقشات الجانبية في بعض هذه الوسائل وينتظر أن تخضع لمناقشة البرلمان في جلساته القادمة.

أبرز تقرير رئاسة الجمهورية أن برنامج الرئيس بوتفليقة يتضمن عددا من المحاور وهي “توطيد دولة القانون والحريات والديمقراطية” المتفرع إلى “تعزيز الحكم الراشد وترقية الهوية الوطنية والحفاظ على الذاكرة”، والمحور الاقتصادي الذي ينص على “عصرنة المالية العمومية والمنظومة المصرفية وتطهير الفضاء الاقتصادي وترقية الاستثمار وتثمين سائر ثروات البلاد”، ومحور التنمية البشرية الذي يهدف إلى “تحسين الإطار المعيشي من خلال توفير السكن وضمان الاستفادة من الطاقات والماء وكذا حماية البيئة، وتحسين المنظومة الوطنية للتعليم والتكوين وتثمين البحث العلمي، وعصرنة المنظـومة الوطنية للصحة”.

أما المحور الاجتماعي لبرنامج الرئيس بوتفليقة فينص على “الحفاظ على المنظومة الوطنية للضمان الاجتماعي والتقاعد وترقية الشغل وتعزيز آليات التضامن الوطني ومواصلة التكفل بالطبقات الاجتماعية ذات الاحتياجات الخاصة”.

لا شك أن هذه المحاور وفروعها ليست جديدة بل هي تكرار للمواد التي يتضمنها الدستور الجزائري المعدل في ظل حكم الرئيس بوتفليقة من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذه المحاور تفتقد إلى أساس منطقي عملي وإلى منهجية صارمة بما في ذلك روزنامة تطبيقها والغلاف المالي المقدر لإنجازها في الآجال المحددة.

برنامج الرئيس بوتفليقة هو أشبه ما يكون بمانفستو حزبي انتخابي تقديري، ووعود افتراضية قد يتحقق بعضها القليل ميدانيا، وقد لا تتحقق جميعها في ظرف عهدة انتخابية واحدة محددة

وبتعبير آخر فإن هذا ليس ببرنامج مدعم بالإحصائيات والأرقام وخطة العمل الميداني، وإنما هو أشبه ما يكون بمانفستو حزبي انتخـابي تقديري ووعود افتراضية قد يتحقق بعضها القليل ميدانيا وقد لا تتحقق جميعها في ظرف عهدة انتخابية واحدة محددة بست سنوات أو حتى في عقد من الزمان.

من الغريب مثلا، أن تتكرر مجددا في ما يدعى ببرنامج الرئيس قضية الهوية الوطنية التي أشبعتها المواثيق الوطنية درسا منذ سنوات ورسّمها في ما بعد ميثاق الدستور.

ثم ما هو المقصود بعبارتي “ترقية الهوية الوطنية” و“الحفاظ على الذاكرة” في الوقت الذي تشهد فيه المنظومة التعليمية تخلفا ويغرق قطاع الثقافة في التهميش والتسيير الفاشل؟ هل فعل النظام الجزائري شيئا ذا بال من أجل الإيفاء بوعد ترقية الهوية الـوطنية والعناصر التي تتشكل منها؟ أين الحركة الفكرية والثقافية والفنية الراقية والعصرية التي يفترض أنها تلعب الدور المحوري في تغذية هذه العناصر وتجديد دمائها ونفخ الحياة في الوجدان الجزائري؟ أين الكتابة النقدية للتاريخ الوطني؟ ولماذا هـذا النسيان عن سبق إصرار للرموز الثقافية والفكرية والحضارية للجزائر؟ ولماذا هذا التحقير المنهجي للمثقفين والفنانين ولكل ما هو آداب وفنون ومعمار وبنية حضارية؟

إذا كان المقصود بالحفاظ على الذاكرة الوطنية هو ربط الأجيال الجزائرية الجديدة بقيم التاريخ الوطني القديم والحديث والمعاصر الأكثر تحضرا، بما في ذلك تاريخ حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، فلماذا لم تحاور الدولة الجزائرية في ظل حكم النظام الحالي بجدية وحزم الحكومات الفرنسية المتعاقبة من أجل التوصل إلى اتفاق يقضي باستعادة أرشيف تاريخ ثورة أول نوفمبر 1954؟

ولماذا يُدرس تاريخ الحقبة العثمانية دراسة ذات بعد انتقائي واحد يتمثل في اعتبار الوجود التركي مجرد إنقاذ للجزائر من الاحتلال الإسباني الأوروبي، مع أن إلحاق الجزائر بالباب العالي هو ظاهرة استعمارية بامتياز.

كاتب جزائري

8