أسطورة ثأر دولة من الفنان محمد فوزي

الدولة المصرية أكبر من الثأر والانتقام من شخص الفنان محمد فوزي ومن المغالطة التسليم بهذا الرأي.
الجمعة 2019/07/26
محمد فوزي لم يتعرض للثأر

في كتابه “محمد فوزي.. الوثائق الخاصة” يحمّل المؤرخ والناقد السينمائي أشرف غريب جمال عبدالناصر تبعات الأزمة التي تعرض لها الفنان المصري محمد فوزي، وكأننا بصدد ثأر دولة من فنان، وهو ما يناقشه هذا المقال من زوايا أخرى، في رد على مقال نشر في “العرب” بتاريخ 12 يوليو 2019 حول الكتاب.

من الدولة إلى المواطن جرى ابتذال مصطلح «الثأر» وتخفيف حمولاته، ونقل مجال فاعليته من تقاليد العشائر إلى إجراء ينسب إلى دولة بحجم مصر تُتهم بالثأر من مواطن تصادف أنه الفنان، خفيف الظل متعدد المواهب، محمد فوزي. ولم يكن للأساطير أن تختلط بنثارات من بقايا المعلومات، لولا الهبوط بمستوى ما يتصور أصحابه أنه “تأريخ”.. من التقصي الأمين للحقائق إلى توثيق الشائعات.

أولى قواعد مناهج البحث التي تعلمناها في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وأوْلى بها العمل الذي يزعم الانتماء إلى التأريخ، ألا يضع الباحث افتراضا محددا، أقرب إلى اليقين، ويسعى إلى تلفيق أو توفيق ما يلزم من أدلة لتأكيده، وإنما يدخل إلى بحثه بذهن خال غير مشغول إلا بجمع الأدلة والقرائن، ورصد الشهادات، وإجراء مقارنات لحالات مماثلة في السياق التاريخي نفسه، لكي ينتهي إلى نتيجة تظل موضع شكوك باحث آخر، إلى أن يطمئن باحث موضوعي بعد جيل أو أجيال إلى حكم على الواقعة. فهل يستقيم وضع “ثأر”، أو “انتقام”، مصر من محمد فوزي في جملة مفيدة؟

الحقيقة التاريخية هي تأميم الدولة المصرية عام 1961 لشركة مصرفون التي يملكها محمد فوزي. وأما السياق فهو تأميم مصر للشركات والبنوك ضمن توجّه اشتراكي يستهدف توسيع قاعدة المِلْكية للشعب.

ويعلم المؤرخون المصريون، لا المستشرقون من مصريين وغير مصريين، طبيعة التفاوت الصارخ بين الطبقات آنذاك، ولا أبالغ بالقول إن في مصر، من بقايا العهد الملكي، عبيدا أو مواطنين أشبه بالعبيد. ففي بعض القرى كان الإقطاعي يمتطي حصانه في طقس عبودي، بوضع قدمه على ظهر فلاح. بل إن أعداء جمال عبدالناصر لا ينكرون تلك الأوضاع، فيذكر عبدالمنعم أبوالفتوح في سيرته أن قريته، واسمها قصر بغداد بمحافظة الغربية، كان بها إقطاعي اسمه أبوالفتوح فودة، من «الذين يثيرون الرعب في قلوب الفلاحين، وأنه كان يركب الحنطور ويسير في القرية فلا يجرؤ أحد على الظهور حتى يمر موكبه». وكانت مشاهد الخواجات من ملاك الشركات والإقطاعيات أشد قسوة. وانتهى الأمر بالتأميم، وكان نحو 200 أسرة يهودية تحمل جنسيات أجنبية تمتلك حوالي 500 مليون جنيه، وهو بحساب هذه الأيام رقم تريليوني.

يمكن لمؤرخ أو خبير اقتصادي، الآن أو بعد مئة عام، أن يقول إن قرارات التأميم كانت صائبة أو خاطئة، وخصوصا الشركات الصغيرة التي كانت أسهم الشخص الواحد فيها تزيد على عشرة آلاف جنيه، ومنها شركة مصرفون لمحمد فوزي.

ولكن الادعاء بأن تأميم الشركة كان انتقاما من محمد فوزي؛ بسبب ميله إلى محمد نجيب، استخفاف بالعقول. فلم تنتقم ثورة يوليو 1952 من أعمدة النظام الملكي في الفنون وغيرها ما لم تثبت تهمة واضحة على صاحبها. كان صلاح الشاهد كبير الياوران في عهد الملك فاروق، وبقي في منصبه في عهد عبدالناصر، كما كان الممثل الكبير سليمان نجيب مديرا لدار الأوبرا الملكية، وأول فنان مصري ينال لقب «بك» من الملك، واحتفظ بتألقه في العهد الجمهوري، وخلال ثلاث سنوات شارك في 19 فيلما، من عام 1952 إلى وفاته في يناير 1955، ولم يؤثر منصبه السابق على عمله في مهنة تعتمد على العرض والطلب الجماهيري.

وفي ما يشبه النبوءة قام سليمان نجيب بزيارة عبدالناصر، ودعاه إلى مشاهدة مسرحيته «المشكلة الكبرى». قال لي محفوظ عبدالرحمن إن سليمان ترجى عبدالناصر أن يحضر عرض المسرحية «الليلة، لأني سأموت غدا»، ومات في الغد. ويروي صلاح الشاهد كبير الأمناء في رئاسة الجمهورية أن الرئيس أنابه في تشييع جنازة سليمان.

من الأمثلة الأخرى إسماعيل ياسين الذي غنى، عام 1953 في فيلم «اللص الشريف»، مونولوج «20 مليون وزيادة»، وهو عدد مواطني مصر آنذاك، وذكر في الأغنية اسم محمد نجيب صراحة. واستمر صعوده، فالدولة أكبر من الثأر والانتقام من شخص ذي «ميول» سابقة إلى رئيس شرفيّ تم تحديد إقامته.

محمد فوزي هو المطرب الأكثر موهبة في تاريخ السينما المصرية إلى اليوم، ونصيب عبدالحليم من موهبة التمثيل محدود، ولكن الجمهور اختاره، فاعتمد صناع السينما على دعمه بمواهب كبيرة في أدوار مساعدة. وبصعود عبدالحليم تراجع الرصيد الجماهيري لكل المطربين، ولم يهدده مؤقتا إلا ظهور محرم فؤاد.

وربما لهذا السبب، وبحكم الغيرة لم يلحن فوزي أغنية لعبدالحليم الذي قام عام 1955 ببطولة أربعة أفلام، وقدم عام 1956 فيلمين، وفي عام 1957 ثلاثة أفلام، قبل أن يفتتح محمد فوزي شركته. وبعد أن قام فوزي ببطولة خمسة أفلام عام 1950، تراجع الطلب وقدم عام 1955 فيلما واحدا هو «ثورة المدينة»، وفي عام 1956 فيلم «معجزة السماء». هكذا كتبت رغبات جمهور السينما بداية النهاية لكثير من المطربين، بدليل بطولة فريد الأطرش لثلاثة أفلام عام 1952، ومن عام 1957 إلى عام 1961 اقتصر على فيلم واحد، وعام 1960 لم يقدم فيه شيئا.

أممت شركة مصرفون، لحساب الشعب لا لعبدالناصر، ولعل القرار غير صائب، ولكنه لم يستهدف النيل من فوزي وحده لا شريك له.

لو كان لعبدالناصر أن ينتقم لاستهدف صلاح عبدالصبور، بسبب قصيدته الجارحة «عودة ذي الوجه الكئيب» عام 1954. ولكن أحدا لم يمسّه بسوء، ولم يمدح الزعيم حيا، وفي ديوانه «تأملات في زمن جريح» نشر قصيدة «الحلم والأغنية.. مرثية لعبدالناصر»، ذلك الذي دفن عام 1970، ويأبى أن يموت.

15
مقالات ذات صلة