أسعد الهلالي: الحرب حربان واحدة تربحها وأخرى تخسر فيها نفسك

إن مهمة الكاتب والروائي الأولى هي أن يفهم ويدرك ويعرف آلية الرقص على إيقاع العصر، فالحياة متشابكة ومعقدة، وأمام هذا التشابك لا نجد بديلا أمامنا إلا الصدق للخروج من الجحيم المستعر. في استنهاض لهذه الذاكرة التقت “العرب” الكاتب والمخرج العراقي أسعد الهلالي في بيته ببلجيكا، وهو الأدرى بأتون الزمن والحرب وجوفها الذي لا يمتلئ مهما حمل من جثث وانكسارات، فكان لنا معه هذا الحوار.
الاثنين 2015/08/03
الإنسان ابتكر الأساطير للعثور على أجوبة، لكنه غاص في التناقضات

في غمرة الحرب عندما كان الجنود يخوضون معاركهم على الجبهات المتعدّدة كان ضيفنا الكاتب والمخرج العراقي أسعد الهلالي يتصدّى لمهمّته العسكرية الفنية، فيحمل كاميراه السينمائية ليوثّق الحدث الحربي، اليوم بعد كل هذه السنوات يقول إنّ الحرب مرحلة الحكايات الأولى، الدهشة الداكنة، الصعقة الأكثر تأثيرا، حيث كان يرى الحياة والآخرين والوطن بعين واحدة لكنّه رأى كل ذلك بعد جولات الحرب بعين جديدة، عين حملت في طيّاتها أكثر من خمسين ألف جثة، انتهت الحرب، ولكنها لم تنته في مخيّلته التي اكتظت بالصور والحكايات عنها.

أسعد الهلالي كاتب ومخرج سينمائيّ عراقي ولد في بغداد عام 1960، درس في جامعة بغداد لينطلق إلى العمل التلفزيوني مخرجا لعشرات البرامج والأفلام والأعمال الدرامية في العراق والمنافي التي مرّ بها، صدر له العديد من الأعمال الروائية السردية والمجاميع القصصية منها “الميتة الثالثة لعبد شويخ البدوي”، “يوميات غياب الندى”، “أسفل-خاص”، حاز على العديد من الجوائز الأدبية والتقديرية أبرزها جائزة العراق للإبداع عن البرامج الثقافية عام 2010.

السرد والإنسان

عن مقوّمات البناء الروائي لديه وهو القادم من خلفية موسيقية مسرحية تلفزيونية، يقول الهلالي إنّ السرد يحتاج إلى الإنسان وبيئته في ثنائيّة تصنع الحكايات والأفكار من خلال التفاعل الطردي والعكسي معا، فضلا عن المكان الذي يراه من زوايا متعدّدة كما تناول ذلك في روايته “يوميات غياب الندى” بين صنعاء وبغداد وكربلاء.

فالمكان روائيا عنده ليس جغرافية بقدر ما هو تحوّل داخلي يتمثّل في تلاشي الفرح والأمل والحلم، إنّه غياب تدريجي للذات، فالألم الذي أورثته إياه أسفاره المتعدّدة كما يقول عنها حاول التخلّص منه بمدن جديدة، لكنه يرى نفسه يصطدم بآثار الحنين لديه، معادلة صعبة يقدّمها الهلالي في سرديّاته للمكان، فهو يقيم اليوم في بلجيكا، لكنّ بغداد لم تفارقه أبدا، يصفها بأنّها منبع الحكاية التي يؤطّرها بشروط موضوعية تحيل الخيارات إلى نتائج قد تكون مؤلمة أو متوازنة.
السرد يحتاج إلى الإنسان وبيئته في ثنائية تصنع الحكايات والأفكار

الأسطورة بديلا

حديث ضيفنا أحالنا إلى روايته الثالثة “الميتة الثالثة والأخيرة لعبد شويخ البدوي”، حيث تناول في طيّاتها البطل الغائب، لأسأله عن مدى بحثنا عن الأسطورة في حياتنا، ليقول الهلالي إنّه ما دام كل شيء يدعونا إلى أن نعيش حياة فارغة من أي محتوى فالأسطورة تظل بديلا ومبتغى، الأسطورة كالفكرة، والمعتقد، لا تهرم ولا تموت، مازال كلكامش حيا في دواخلنا ومازال باخوس، ولعل أنليل وبادابا وآلهة الأنكي في عوالم الأبسو، وننماخ وفخره بصنع الإنسان في ستة أشكال أولى هي: الغريب والعاهة ومن لا يستطيع إيقاف بوله والمرأة المشوهة والعاقرة والخصي، الإنسان الصحيح هو أسطورة، هكذا يراه ضيفنا الذي يتابع أنّ الإنسان ابتكر الأساطير للعثور على أجوبة، لكنه غاص في تناقضات أخرى.

في روايته “الميتة الثالثة والأخيرة لعبد شويخ”، طرق أسعد الهلالي تابو الجنس في تركيب اجتماعي معقّد، وهنا أسأله عن تلك الخطوة في مجتمع كالعراق في فترة صدور الرواية، ليقول إنّ الصدام مع المجتمع فعل إيجابي، فالجنس هو أحد المواضيع التي طرقت بكثرة في ما سبق من عصور وخاصة في الأدب العربي، ربّما اليوم يأخذ طابعا آخر عند الحديث عنه نظرا إلى كثرة المحظورات في المجتمعات العربية، ضيفنا يؤكّد أنّ القصّة لها إسقاطاتها العديدة ولا تتوقّف عند الجنس الذي يشكّل خيال الظلّ في العمل.

في تلك الرواية يحاول أسعد الهلالي أن يناقش العقد الاجتماعي في العراق في ظل الدكتاتور، بقالب يقوم على البنية الهرميّة بين أجزاء عدّة تحاول السيطرة على بعضها البعض وكأنّها تشعر بالهلامية على الأرض، فلا وطن لها، الإحساس بغياب الوطن موجود لدى الروائي الهلالي في حياته بعيدا عن السرديات، فمع انتقاله من حدود إلى حدود، وصل إلى بلجيكا، حيث يعيش على الحدود البلجيكية الفرنسية الألمانية أمام أوطان متعدّدة، وهنا أسأله عن فهمه للوطن، ليقول إن وطنه لطالما كان هلاميّا غير ثابت، يحاول أن يمسك به من أطرافه اللانهائية فيفشل، واليوم يشعر أنّ سنوات الطفولة الأولى باتت بعيدة جدا، ومعها تغيب أزقّة الوطن الضائع في العبث ليواجه اليوم مدنا اختلط فيها الزحام والسكون في تواتر لا منطقيّ منحه الكثير من التشويش.

في روايته (الميتة الثالثة والأخيرة لعبد شويخ)، طرق الكاتب تابو الجنس مناقشا العقد الاجتماعي في العراق

الحرب حربان

عودة حديثه عن العراق أعادنا إلى المربّع الأوّل الذي انطلقنا منه، لأسأل ضيفنا عن مواجهته للموت في تلك الأوطان المتعدّدة وعن رؤيته للموت الساكن في العراق اليوم، ليردّ بكثير من الأسى متذكّرا ظروف الحرب مع إيران واحتلال الكويت، إنّها مشاهد لا تنسى، يكمل الهلالي الذي يروي حادثة في عام 1991، حين تمّ اقتياده مع عشرات آخرين إلى ساحات الإعدام بالرصاص، ليكون واحدا من أولئك الساكنين للمقابر الجماعية، يومها كان ظهور ضابط يعرف والد الهلالي كفيلا بإنقاذه من الرحيل الأخير، مفارقة عجيبة يتشبّث بها ضيفنا بالمصادفة حيث توالد الخيبات بعدها.

ضيفنا الحائز على جائزة العراق للإبداع يقول “الحرب حربان، حرب تربحها وأخرى تخسر فيها نفسك”، أسأله أيّ الحروب نعيش اليوم ليؤكّد أننا نخسر أنفسنا في كل الحروب، لا منتصر في الحرب فالجميع خاسر كما قال نابليون، والربح الذي يعنيه له معنى اعتباري لا يختلف كثيرا عن منح الفائز في مباراة لكرة القدم صفة الفائز أو الخاسر، أمام هذا المشهد يجد الهلالي الحياة في الواقع بمثابة تشابكات تتداخل فيها الحقائق.

15